العنوان رسالة إلى كل بخيل
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 28-يونيو-2008
مشاهدات 69
نشر في العدد 1808
نشر في الصفحة 58
السبت 28-يونيو-2008
ينطق واقع حياتنا بشح شديد وبخل مهلك، سواء أكان ذلك على مستوى الأفراد، أم على مستوى الأسر والمجتمعات، أم على مستوى المؤسسات والشركات، أم على مستوى الدول والمجتمعات.
كم من زوجة فارقت زوجها بسبب بخله! وكم من أب شكا ابنه لشحه، وكم من ولد عانى الجوع والحرمان لبخل والده، وربما بكى وتحسر، بل ربما انحرف وساء خلقه وسرق... كم من بيت تصدع بنيانه، وتمزقت أوصاله، وتشتت أفراده، وتعس أصحابه بسبب البخل والشح وكم من موظف تعس وشقي وأجهش وبكى لأنه لم يجد من يشعر بعنائه في شركته أو مؤسسته التي يعمل بها، لا مديره ولا زميله، وحار فكره في سد جوع أولاده، والإنفاق على مدارسهم وراتبه لا يكفي شيئًا، ولم يفكر فيه أحد من المتخمين ثراء وطعامًا ونعمًا!!
كم من دول تفسد لديها السلع، وتقذف بها في سلال المهملات، وقاع البحار والمحيطات؟ نعم تقذف بآلاف الأطنان من الطعام الذي فسد. لأنه لم يجد من يأكله، بل كم من شعوب، ضيق عليها، وحوصرت عمدًا لتموت وتختنق وحولها الناس يرتعون وينعمون، وما خبر إخواننا في غزة العز ببعيد، والعجيب أن الأرض أرضهم، والخير خيرهم، وجيرانهم إخوانهم، ثم نجدهم يعانون هذا الحصار الظالم الذي لم تراع فيه أدنى حقوق الإنسان، وإن كانت دواعي هذا الحصار ليس البخل فحسب، وإنما ثمة دواع أخرى لا يتسع لها السياق هنا.
لقد ذكرني هذا الموقف بذلك البخيل القاسي الفظ الذي اشترى لحمًا وأكله، فلم يبق فيه إلا عظمة، وعيون أولاده ترمقه، فقال: لن أعطي أحدًا منكم هذه العظمة إلا إذا أحسن وصف أكلها، فقال الأكبر أمشها يا أبت وأمصها، حتى لا أدع للذر فيها مقيلاً. قال: لست أنت صاحبها، فقال الأوسط: ألوكها يا أبت وألحسها حتى لا يدري أحد العام هي أم لعامين. فقال: لست بصاحبها، فقال الأصغر: يا أبت أمصها ثم أدقها وأسفها سفًا، قال: أنت صاحبها، وهي لك، زادك الله معرفة وحزمًا!
إن هذا البخيل أكل اللحم في حضرة أولاده الجائعين، ثم أغرقهم في إرهاق فكري بكلامه عن العظمة، فتاهوا في التفكير في عظمة لا تسمن ولا تغني من جوع، لينسيهم القضية المحورية، وهي أنه بخيل مذموم، ذهب باللحم كله.
والكرم خلق من أخلاق العرب، عرفوا به قبل الإسلام، فلما أنعم الله على البشر بنعمة الإسلام.. أقر كثيرًا من القيم العربية العظيمة التي تأصلت في العرب، فقواها وأكدها، وبوأها مكانة عظيمة في منظومة القيم الإسلامية.
ولقد تجلت قيمة الكرم في حياة العرب والمسلمين، فكان منهجهم فيه أن يكرموا من يستحق ومن لا يستحق، ويتضح ذلك المعنى جليًا في أشعار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، حيث يقول: سأمنح مالي كل من جاء طالبًا وأجعله وقفًا على القرض والفرض
فإما كريم صنت بالمال عرضه وإما لئيم صنت عن لؤمه عرضي
ومن أقواله في مقاومة الحرص رضي الله عنه:
دع الحرص على الدنيا وفي العيش فلا تطمع
ولا تجمع من المال فلا تدري لمن تجمع
ولا تدري أفي أرضـــــــ ك أم في غيرها تصرع
فإن الرزق مقسوم وسوء الظن لا ينفع
فقير كل من يطمع غني كل من يقنع
مواطن تشريف الكرم
الكريم اسم من أسماء الله الحسنى:
لقد شرف الله عز وجل قيمة الكرم أعظم تشريف، فسمى نفسه عز وجل الكريم.
قال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ العرش الكريم﴾ (المؤمنون: 116)، وقال أيضًا: ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (النمل: 40)، وقال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيمِ﴾ (الانفطار: 6)، وقال عز وجل مخاطبًا حبيبه ﷺ: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ (العلق: 3)، ونعت ذاته سبحانه وتعالى بذي الجلال والإكرام، قال عز وجل: ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (الرحمن: 27)، وقال أيضًا: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (الرحمن: 78).
الكرم من صفات الرسل:
إن الناظر في آيات القرآن الكريم يجد أن الله عز وجل وصف أنبياءه بهذه الصفة العظيمة، ومن ذلك قوله تعالى على ألسنة النسوة في وصف يوسف عليه السلام، ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (يوسف: ٣١)، ومن ذلك أيضًا قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ (الدخان: 17)، والرسول هنا هو محمد ﷺ، وقال عز وجل عن رسولنا الكريم محمد ﷺ أيضًا: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (الحاقة: 40)، و(التكوير:١٩).
ولقد كان إبراهيم عليه السلام كريمًا، ومن مواقف كرمه تقديمه عجلاً حنيذًا لضيوفه المكرمين من الملائكة قبل أن يعرفهم لظنه أنهم بشر سيأكلون. وهكذا كان موسى وعيسى وسائر الأنبياء جميعًا عليهم وعلى نبينا محمد أزكى الصلاة والسلام.
والكرم صفة من صفات الـقرآن: ولعظمة الكرم ورفعة شأنه وصف الله تبارك وتعالى كتابه العظيم بالكريم، قال تعالى إنه القرآن: ﴿إنْ لقُرْآٓنْ كَٰرْيِمّ﴾ (الواقعة: 77).
والكرم صفة من صفات الملائكة: قال تعالى عن الملائكة، ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (عبس: 16)، وقال أيضًا: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ (الانفطار: 10: 11).
والكرم نعمة من نعم الله على ملائكته وعباده لقد وصف الله عز وجل ملائكته الطاهرين المسبحين الطائعين الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون بالمكرمين، وذلك في سياق رده على من تقولوا بأنهم أبناء الله، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ (الأنبياء: 26)، وقال عز وجل عن الملائكة الذين نزلوا ضيوفًا على سيدنا إبراهيم عليه السلام: ﴿وهَلْ أتَاكَ حَديِثْ ضَيْف إبِرَاهيِم الْمُكرَميِن﴾ (الذاريات: 24).
ولقد أكرم الله عباده من البشر فكرمهم وحملهم في البر والبحر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (الإسراء: 70).
والكرم صفة للرزق الطيب فقد وصف الله عز وجل رزق الآخرة الذي أعده لعباده المؤمنين في أكثر من موضع بالرزق الكريم.
ومن ذلك قول الله سبحانه: ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (الأنفال: 4)، وقال أيضًا: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (الأنفال: 74)، وقال عز وجل عن جزاء الطيبين والطيبات: ﴿أُولَٰئِكَ مبُرءوُنْ مَماَ يَقوُلوُنْ لهم وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم﴾ (النور: 26)، وقال سبحانه: ﴿أُولَٰئِكَ لهم مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم﴾ (سبأ: 4)، وقال سبحانه عن أجر من اتبع الذكر: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ﴾ (يس: 11).
وبشر من يقرض الله قرضًا حسنًا بالأجر الكريم، قال سبحانه: ﴿من ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (الحديد: 11)، وأتى ذكر ذلك في نفس السورة في قوله تعالى، ،﴿إنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (الحديد: 18).
وقد وعد عز وجل نساء النبي ﷺ القانتات لله ورسوله بالرزق الكريم، قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتَعْمَلْ صَٰلِحًا نُّؤْتِهَآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ (الأحزاب: 31)، وقال عن أجر المؤمنين في السورة ذاتها: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ۚ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ (الأحزاب: 44).