العنوان من الحياة: فوضى فضائية
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 19-أبريل-2008
مشاهدات 63
نشر في العدد 1798
نشر في الصفحة 58
السبت 19-أبريل-2008
لا أحد ينكر ما للإعلام من أدوار ثقافية وتربوية واجتماعية وغيرها من مجالات الحياة، بيد أن الفضائيات كغيرها من وسائل الإعلام، يمكن أن تؤتي ثمارها إن أحسن استخدامها، وتؤثر سلبًا -بلا شك- إن أسيء استخدامها.
والراصد لبرامج الفضائيات يلحظ حالة من الفوضى، ومن ذلك:
أولًا: فوضى الفتاوى:
بسبب كثرة الفتاوى والاستشارات التي يتصدى لها من ليسوا بأهلها، عبر الفضائيات المنتشرة التي تتخذ من هذه الفوضى وسيلة لحب الظهور، وطلب الشهرة، وجمع الأموال.
ولا شك أننا نلمس الآثار السلبية المترتبة على فوضى الفتاوى والاستشارات عبر الفضائيات؛ حيث أدت إلى التباس الحق بالباطل والحلال بالحرام، وفقدان ثقة الجمهور بالعلماء، بل أعطت للمتربصين فرصة مهاجمة الإسلام والمسلمين وأصبح الإنسان الاعتيادي يشكك حتى في الفتاوى التي تخرج ممن هم أهل لها.
كنت أشاهد أحد برامج الفضائيات الذي يقدم الفتاوى الدينية للمشاهدين، وإذا بسائلة تسأل: ما حكم المحادثة بين شاب وفتاة في إحدى غرف «الشات» على الإنترنت؟ فكان الرد لها: حرام، حرام، حرام، لأنها خلوة بين شاب وفتاة في غرفة واحدة، ثم استشهد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: «ما اجتمع رجل بامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما»!!
ولست هنا أناقش المحادثة بين الشاب والفتاة في غرف «الشات» من حيث حلها وحرمتها، ولكني أناقش سيل الفتاوى والاستشارات الفنية المتخصصة التي يدلي بها من ليس أهلًا لها، دون تركيز ولا روية، ولا علم؛ حيث لم يفرق صاحبنا في الفتوى السابقة بين غرفة الشات وغرفة النوم!!
لقد كان الرد مضحكًا مخيفًا، أما كونه مضحكًا فلأن المفتي لم يميز بين غرفة «الشات» وغرفة النوم؛ لذا فعلى من يتصدى للفتوى أن يكون واسع الثقافة، ملمًّا بظروف عصره، ورحم الله الإمام الشافعي، الذي كان حريصًا على ذلك، وقد طور فقهه حسب العصر والقطر، كما أنه -رحمه الله- عندما ظهر «علم الفراسة»، ذهب إلى اليمن كي يتعلمه، وهو علم كان آنذاك حديثًا، وقد هاجمه بعض العلماء المعاصرين له دون أن ينظروا فيه على عكس تعامل الإمام الشافعي مع هذا العلم؛ حيث امتنع عن إبداء رأيه فيه إلا بعد دراسته.
وعن سيولة الفتاوى والاستشارات الفضائية المضحكة، يقول الصحفي بلال فضل: «أصبح سيل الفتاوى الذي ينهال على برامج الفضائيات أمرًا يدعو إلى السخرية المريرة، لا أستبعد أن نسمع قريبًا أحدًا يسأل: ما حكم الانفراد بحارس المرمى؟ وهل يعتبر ذلك خلوة شرعية؟ وما حكم حمل حامل الراية»؟
إلى هذا الحد تمثل هذه الفوضى الفضائية خطرًا على ثقافتنا وثوابتنا وقناعاتنا، لذلك فقد حرص المخلصون على التصدي لهذا الخطر والوقاية منه، وتوالت النداءات والصيحات والتحذيرات من هذا الخطر، بل عقدت من أجل ذلك مؤتمرات، كان من أهمها المؤتمر المنعقد في دولة الكويت في الفترة من ٩- ١١ من جمادى الأولى ١٤٢٨هـ- الموافق ٢٦- ٢٨ من مايو ٢٠٠٧م، وكان عنوانه: منهجية الإفتاء في عالم مفتوح الواقع الماثل والأمل المرتجى.
إن للفتوى في حياة المسلمين مهمة شرعية حيوية شريفة لها أثرها الفعال في حياة الفرد والمجتمع والأمة قاطبة بيد أن واقع الفتاوى في الفضائيات الآن ينطق بممارسات خاطئة ومكدرات خطيرة، لذا فقد حرص الشرع الحنيف على ضبطها، وهذا ما نلمسه في قول الله تبارك وتعالى، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43)، وقال أيضًا: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء: 83).
ثانيًا: فوضى الاستشارات:
وفي برنامج آخر تحدثت سيدة فقالت: طفلي يبلغ من العمر خمس سنوات، وقد سألني أين الله؟ ولماذا لا أراه؟ فماذا أقول لطفلي؟
فرد الشيخ قائلًا: قولي له الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير! فتعجبت لإجابة الشيخ المتحدث كيف بطفل لم يتجاوز الخامسة من عمره أن يفهم هذا الكلام الكبير؟ كيف يستوعب ذلك؟ لماذا نعبث بفكر أولادنا وعقولهم؟
ثالثًا: فوضى الإثارة:
وثمة أشكال أخرى للفوضى الفضائية ذاع انتشارها، واشتد خطرها، ومن أبرزها امتهان المرأة بجعلها وسيلة لترويج سلعة أو بدعوى حرية الفن، وقد تشاهد مذيعة تحاور شيخًا أو عالماً في حكم شرعي هي أصلاً لا تلتزم به، مما يوقع أطفالنا وشبابنا وفتياتنا في تناقض فكري، ويسبب اضطرابا في النسق القيمي لديهم.
رابعًا: شهوة الكلام أو سعار الشهرة:
نزلت ضيفًا على أحد الأصدقاء يومًا، وكان التلفاز مفتوحًا، وإذا بي أشاهد على إحدى الفضائيات أحد الزملاء الكرام، وهو أستاذ جامعي أعرفه، ولكنه لا يجيد أدنى مهارات الإلقاء وحقيقة لقد أصابني السأم والملل من كثرة التهتهة واللجلجة والأخطاء، وأصبت بتيه؛ لأنه يتحدث دون فكرة، بل ظللت مشفقًا عليه طوال حديثه وفي كل لحظة كنت أدعو الله أن يستره، وينهي هذا الموقف على خير، فلماذا يقذف الرجل بنفسه إلى مثل هذه المواقف التي لا يمتلك متطلباتها؟
خامسًا: ركوب الموجة:
ومن فوضى الفضائيات أيضًا أن يتحدث الجميع -أيا كان تخصصه- عمّا يشتهيه الجمهور أي «يركب الموجة» -كما يعبر عامة الناس- ناسين أو متناسين تخصصاتهم ورسالة كل منهم في الحياة، فمثلًا نجد الطبيب، والشيخ، والقاضي والمهندس، والكيميائي، والمعلم، وغيرهم يتحدثون عن الجنس، والحياة الجنسية، وكأن الحياة اختزلت في الجنس، ولم يتبق في حياة الناس إلا هذه المشكلة فهل تحولت الفضائيات إلى برنامج ما يشتهيه المشاهدون على غرار ما يطلبه المستمعون؟!
إن خطورة فوضى الفضائيات كبيرة، وخاصة إذا أدركنا عزوف الناس عن وسائط الثقافة والمعرفة الأخرى، كالقراءة، والاطلاع، والإذاعة، فهل من سبيل إلى إنهاء هذه الفوضى وضبط الفضائيات؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل