العنوان من الحياة- من أنفسكم!!
الكاتب أكرم رضا
تاريخ النشر السبت 28-يناير-2006
مشاهدات 69
نشر في العدد 1686
نشر في الصفحة 59
السبت 28-يناير-2006
قال لي صاحبي المقبل على الزواج: أحيانًا أقف أمام قوله تعالى ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا﴾ (الروم : ۲۱) متعجبًا، خاصة عندما أجد تلك المشكلات بين الأزواج التي تصل أحيانا إلى الفرقة لا أقول غير الآمنة ولكن المدمرة!!
قلت له: ولماذا يأخذك العجب من الآية أم من التطبيق؟
قال: في النهاية وحتى لا أخوض في القرآن بغير علم، أصل إلى نتيجة أن هذه المشكلات وتلك التفجيرات سببها خطأ عند الاختيار أدى إلى أن كل واحد منهما اختار الطرف الآخر ليس من نفسه.
ابتسمت متعجبًا من فكرة صاحبي، ولكن استدركت قائلًا: معنى ذلك أن كل زوج يقع في مشكلة مع زوجته يستشعر الغربة النفسية معها أو العكس.
قال صاحبي: أظن ذلك، فإن الإنسان لا يخاصم نفسه ولا يكرهها ولا يتشاجر معها ولا يطلقها أو يطلب الانفصال عنها.
أردت أن أستمر مع صاحبي الفيلسوف إلى آخر تأملاته.. وقلت له: ولكن ما تقوله هو قمة التفاهم مع النفس التي سماها القرآن ﴿النَّفْسُ الْـمُطْمَئِنَّةُ﴾ إلا أن الله -تعالى- ذكر أيضًا ﴿النَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾... و....
وقف الكلام على لساني متأرجحًا وأنا أرى تلك النظرة الفزعة في عين صاحبي المقبل على الزواج وهو يصرخ: يا خبر أبيض، يعني ممكن يتزوج المرء نفسًا أمارة بالسوء.
ابتسمت ضاحكًا من تعبير صاحبي ثم قلت له بهدوء:
في البداية لابد أن نفهم معني النفس في هذه الآية ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا﴾ يعني منكم ومن جنسكم كما بين المفسرون، فزوجك أو زوجتك بشر مثلك ليست من كوكب آخر أو فصيل مختلف أو كائن غيرك يحتاج ترويضًا واستئناسًا، وفهم المعنى هكذا يحل مشكلتك حول الاختلاف رغم تطابق النفوس، ولكن رغم ذلك أعود لأستعير تشبيهك اللطيف للعلاقة بين الزوجين بعلاقة الإنسان مع نفسه حتى تصبح علاقة مطمئنة أو قائمة على التلاوم أو التآمر بالسوء.
وأيضًا عرف المفسرون النفس في هذه الحالة بالقلب الذي يعني مجموعة الحاجات والرغبات ونواتج التربية والبيئة المحيطة التي كونت تلك النفس، وعلى هذا فعندما تتصاعد المشكلات بين الزوجين اللذين قال الله عنهما إنهما من نفس واحدة ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (الأعراف: ١٨٩) فهي ليس سببها اختلاف النفوس إنما اختلاف النفسيات.
وإذا كان الهدف الأساسي لكل طرف في البيت هو تغيير الطرف الأخر لصالحه، فإن ذلك هو الفشل لأنه لا يفي أبدا بتحقيق قوله تعالى: ﴿مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ﴾ أو ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.
فليكن الهدف هو فهم النفسيات ومعرفة جوانبها، ومحاولة التأقلم معها، وإدراك العوامل التي يستطيع كل طرف أن يستخرج بها أفضل ما عند الآخر.
وأعود فأستعير تأملاتك القرآنية يا صديقي واستهدي بقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا (٨) قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا (٩) وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا(١٠)﴾ (الشمس: ٧-١٠).
فإدراكنا أن أي إنسان يحتوي قلبه على شكلي السلوك، وأن تنمية إحدى البذرتين تؤدي إلى نموها على حساب الأخرى وتجعل حجم التفاهم بين النفسيات يعلو ويعلو.
وأقول لكل زوج، تذكر حكاية الضلع وأنك إذا ذهبت تقيمه كسرته، وأن قمة الذكاء الزوجي أن تستمتع به على ما فيه.. ثم هل أستطيع أن أقول أيضًا للزوجات نفس الكلام؟ وأنك تستطيعين أن تستمتعي بزوجك على عوج، خاصة إذا كان هذا العوج ناتج تربية طويلة وبيئة مختلفة، بل أحيانًا وجهة نظر، ثم إدراكًا منك لأبعاده، وفوق ذلك كله اعترافًا من زوجك به؟
أظن أن هذه العوامل كلها ستؤدي في النهاية إلى فهم النفسيات والوصول الحقيقي إلى قوله تعالى: ﴿مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ﴾.
ثم تكون أغنيتنا المفضلة هي:
إذا رأيته رأيتني *** وإذا رأيتني رأيتنا
أحبه حتى أحبني *** وأناديه في شوقي يا أنا
ابتسم صديقي، وقال مداعبًا: مقبولة منك رغم أن الشعر مكسور.