; من الحياة.. نظرات في مشكلات الشباب (۱) | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة.. نظرات في مشكلات الشباب (۱)

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2012

مشاهدات 70

نشر في العدد 1999

نشر في الصفحة 60

السبت 21-أبريل-2012

جلس أربعة شبان يتجاذبون الحديث، فقال أحدهم، معلقاً على ما يراه في الفضائيات من مشاهد لاستعراض الفتيات والنساء، وكذلك ما يراه في الطرق والأسواق لولا أن لي أخوات بنات أخاف عليهن لفعلت وفعلت.. وقال الثاني: أما أنا فتعودت منذ طفولتي أن أفعل ما أريد.. أما الشاب الثالث؛ فصمت ولم يتكلم، فقيل له: ما لك لا تشاركنا الحديث؟ ألأنك تزوجت؟ فقال ضاحكا: حتى الزواج لم يعصمني من الوقوع في هذه الفتن.. وختم الرابع بقوله: أما أنا فلما أتزوج بعد ولكني تربيت على الوقاية التي تحميني لقد وعيت قول الله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (النور:٣٠).

والتوجيه النبوي: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (رواه البخاري). 

تلك مسارات أربعة لسلوك الشباب أمام الفتن والمغريات، إما أن يعف الشاب خوفا على أخواته ومحارمه، وإما أن يرتع في الشهوات وإما أن يتذبذب بين العصمة والوقوع في الفتنة حتى وإن كان متزوجًا، وإما أن يعصم نفسه لخوفه من الله تعالى، وهذا أفضلهم، وهذا النمط من الشباب يكافئه الله تعالى بالعصمة لخشيته من ربه، قال تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف:٢٤).

 والشباب هم عدة الأمة في حاضرها، وأملها وطموحاتها في المستقبل، وهم وقودها في حربها، ونباتها في سلمها، وبنهوضهم تنهض أوطانهم وأمتهم وبضياعهم تضيع الأوطان والأمم، ومن ثم وجب علينا أن نوليهم اهتماما خاصا، كما فعل رسول الله ﷺ، كما ينبغي أن تعمل الفكر -دائمًا- في مشكلاتهم، لتشخيصها، ومساعدتهم على حلها.

ولقد أدرك أعداؤنا هذه الحقيقة، وعلموا أن قوة أي أمة تكمن في شبابها، فوجهوا سهامهم إلى عقول شبابنا وقلوبهم، لينالوا منهم، وأعملوا فكرهم، ومكروا بهم مكر الليل والنهار، لتخريب طاقاتهم، وتكالبوا على أفلاذ أكبادنا من كل حدب وصوب للقضاء على أغلى وأعظم مقدرات الأمة ورصيدها، وسعوا بكل الوسائل إلى إفساد الشباب وتدميرهم وتعطيل قدراتهم ومواهبهم وعطائهم. 

إن مشكلات الشباب في الوطن العربي والعالم الإسلامي من القضايا المصيرية التي تحدد مستقبل الأمة، وفي معالجتها تحقيق للتنمية الاقتصادية وتقدم الأمة ورقيها. 

إن الأمة تعاني سيطرة الغير عليها، وما ذلك إلا لضعفها، فإذا أردنا أن نمتلك إرادتنا فلا بد أن نكون أقوياء، ولن نكون أقوياء إلا إذا فَعَلْنا طاقات شبابنا، وإلا فأروني أي أمة تقدمت دون طاقات شبابها؟! 

لا أدري عم أتحدث، فشبابنا غارق في بحر لجي من المشكلات، يأس وعدم طموح، أو طموحات تفوق الإمكانات، وبطالة وندرة فرص العمل، ضغوط أسرية وممارسات تعسفية في البيت والمدرسة والحياة، وترتب على ذلك إدمان لـ«الشات» أو المخدرات أو الصور والمواقع الإباحية ولقد يسرت التكنولوجيا ذلك على كثير من شبابنا، فبدلاً من أن يستخدم التكنولوجيا والتقنيات استخداما إيجابياً، رأينا كثيراً من شبابنا يستغلها سلبيا، فاستغرقته مقاطع الفيديو الجنسية الداعية إلى التحلل من القيم والكرامة، وربما شهر بالآخرين، وذلك نتيجة ضعف الوازع الديني أو غيابه ومن مشكلات الشباب -أيضًا- أن كثيراً منهم عندما يفكر لا يخرج من الصندوق، وذلك يعكس جهله بذاته، وتسليمه بالأمر الواقع، والجنوح إلى الممارسة الروتينية النمطية في مواقف الحياة.

وثمة مشكلات أخرى تواجه شبابنا فكثير منهم يفتقد هويته الإسلامية، نتيجة للغزو الفكري الذي يقتحم علينا بيوتنا وكثيرًا من مؤسسات المجتمع، وبتأثير الإعلام المسموم، الهابط غير الهادف، كما تبرز مشكلة ضعف العقيدة لدى كثير من هؤلاء الشباب نتيجة لبث الأفكار الهدامة، وانتشار المؤسسات التي تخطط لذلك وتنفذه كالماركسية والماسونية والبهائية ونوادي الروتاري، وهي مؤسسات لم تكتف باستهداف العقيدة، وإنما تسعى سعيا دؤوبا إلى إفساد أخلاق الأمة وخاصة شبابها. 

وتواجه شبابنا مشكلات وتحديات أخرى ربما تأتي من وسائل إعلامنا، وعلى ألسنة أبناء جلدتنا عبر رسائل ووسائل رخيصة هابطة تنفث سمومها في عقول شبابنا ووجدانهم، وتستهدف تجفيف المنابع الفكرية الأصيلة. 

وثمة مشكلة أخرى تصوب سهامها إلى اللغة العربية، قاصدة بذلك تضييع ركن أساسي من هويتنا، وذلك بمحاربة اللغة العربية -التي هي لغة القرآن- ووصفها بالقصور، وعدم قدرتها على مواكبة تطورات العصر، بالإضافة إلى الترويج الواسع لتعليم اللغات الأجنبية على حساب لغتنا العربية وثمة جهات أخرى معادية تسعى ليل نهار إلى تزييف التاريخ الإسلامي وتشويهه والتشكيك في حوادثه.

والراصد للسهام الموجهة إلى شبابنا يستطيع أن يتأكد أن ثم مخططاً عدوانيا يستهدف إغراقهم في الشهوات ووسائل الترفيه الهدامة الفارغة، التي تستهدف طاقات الأمة وأوقات الشباب فيما هو هدام وتخريبي.

حتى في الثورات التي قصدت إلى الإصلاح والحريات، رأينا فئات مأجورة من الشباب تدعو إلى الشذوذ الجنسي وتقنينه وتقعيده، وسن قوانين لزواج المثليين وغير ذلك من مبادئ إفساد الأخلاق العامة تحت

مسمى التحرر والحريات الشخصية.

والأعجب من ذلك أن تعقد مؤتمرات وتبذل جهود ضخمة وتنفق أموال طائلة لنشر هذه الرذائل، ولاستقطاب المرأة العربية والمسلمة، والتغرير بها تحت دعاوى «تحرير المرأة ومساواتها بالرجل»، وغير ذلك من الشعارات التي ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها من قبله العذاب.

لقد ذهب القوم -في سبيل تحقيق أهدافهم المغرضة الهدامة- مذاهب شتى، فحاولوا بكل ما أوتوا من قوة أن ينحرفوا بالشباب عن جادة الحق والصواب والشرف والكرامة، حاولوا أن يصبغوهم بالصبغة العربية، وأن يخلعوا من قلوبهم الولاء لدينهم وأمتهم، فإستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وأحلوا الثقافات الرخيصة محل الثقافة الإسلامية العربية، ومجدوا كل باطل وتافه، وناصبوا الحق وأهله العداء، وشوهوا صورة الأطهار الأنقياء والأتقياء، وألبسوا أعمالهم غير الشريفة هذه ثوب التحرر «الفكري والإبداع»، وهو تزييف ما بعده تزييف. 

كما يعاني شبابنا مشكلة البطالة، نتيجة قلة فرص العمل أو ندرتها، وتبع ذلك تدني دخل الفرد وانخفاض مستوى المعيشة وانتشار الفقر، وذلك كله أدى إلى بروز مشكلات عنقودية أخرى، كلجوء الشباب إلى إدمان المخدرات، للهروب من واقعهم المؤلم، والتحايل للحصول على المال بطرق غير شرعية كالسرقة والرشوة، والاتجار في الممنوعات كما انتشر الإرهاب، والجهل والمرض، وهجرة الشباب -وخاصة المتميزين، وهم الرصيد الحقيقي للأمة- إلى بلاد أجنبية، وحرمان أوطانهم من تميزهم، بالإضافة إلى ما حدث على صعيد الأسرة العربية المسلمة من تفكك في الروابط بين أفرادها، والتحلل الأخلاقي. 

وتشير الإحصاءات العلمية التي رصدتها بعض المراكز الاجتماعية والتربوية إلى ۸۰٪ ممن يترددون على مقاهي الإنترنت تقل أعمارهم عن ثلاثين سنة وأن أكثرهم يستخدمونه استخدامًا سيئًا! فهل بعد ذلك إهدار لطاقات الأمة؟!

أهم أسباب مشكلات الشباب

إن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ما الأسباب التي أدت إلى هذه المشكلات الشبابية؟

إن من أهم العوامل التي أدت إلى مشكلات الشباب ما يلي:

١ـ غياب القدوة الصالحة والقيادة الحكيمة للشباب، ومن ثم ضيعت طاقات الشباب، وشتتوا.

٢- عدم قيام الوسائط التربوية بأدوارها الحقيقية، ومن أهم هذه الوسائط الأسرة والمدرسة، حيث تراجع دور الآباء والأمهات نتيجة انشغال الأب بالعمل، وضعف أداء الأم، لانشغالها، أو لضعف ثقافتها التربوية، وسوء تعاملها مع أولادها.

٣- فساد كثير من وسائل الإعلام والقائمين عليها، والعاملين بها. 

4- عدم استيعاب الشباب، وضعف الاهتمام باستثمار أوقاتهم فيما يفيد. 

٥- غياب الحوار في المؤسسات التربوية والأسرة، مما أدى إلى تهميش رأي الأبناء، وذلك دفع الشباب إلى إيجاد مخرج يتنفسون فيه الصعداء، ويبدون به آراءهم، نتيجة لانفراد الأب أو الأم أو المعلم بالقرار والاستبداد والقهر والشعور بتدني الذات ومن ثم لجأ الشباب للبحث عن ذواتهم في أماكن أخرى.

نحو تصور علاجي

ثم سؤال آخر يفرض نفسه، هو: ما سبل علاج هذه المشكلات الشبابية؟ إن تجاوز الواقع المؤلم للشباب الآن يحتاج إلى تضافر الجهود الفردية والمؤسسية للأخذ بيدهم إلى بر الأمان، وجادة الصواب والرشد، ولعل أهم المعينات على ذلك ما يلي: 

1- وجود القدوة الصالحة في البيت والمدرسة والصحبة الصالحة، التي تؤثر إيجاباً في الشباب، وتأخذ بيدهم إلى جادة الطريق السوي. 

۲- تقوية الجانب الإيماني لدى الشباب لأنه مناط القول والعمل وسائر السلوكيات والتصرفات.

٣- تبصير الشباب بضوابط الانفتاح على الآخرين، فـ« الحكمة ضالة المؤمن، أني وجدها فهو أحق بها»، وهذا يعني أنه لا بأس من الانفتاح على الثقافات الأخرى، ولكن ينبغي أن يكون ذلك وفق ضوابط.

والقاعدة في ذلك: «أن أفتح نافذتي لأجدد هواء غرفتي، ولكن شريطة ألا أسمح للهواء أن يقتلعني من جذوري».

٤- توفير فرص عمل للشباب، لتضييق حجم البطالة، ثم القضاء عليها، وإتاحة الفرصة أمامهم كي يفكروا ويبدعوا وينتجوا.

٥- تهيئة وسائل إيجابية لاستثمار أوقات فراغ الشباب لممارسة الرياضة، والقراءة والاطلاع، والمشاركة في خدمة البيئة. 

٦- سد أبواب الفتن وطرق الانحراف وتصحيح مسار الإعلام، بحيث يتحول من الهدم إلى البناء، ومن الإفساد إلى الإصلاح.

٧- تنمية الشعور بالذات لدى الشباب وابتكار وسائل جديدة لغرس الولاء والانتماء فيهم نحو دينهم وأمتهم.

٨- تنمية حب العلم والعمل في نفوس الشباب.

٩- نشر ثقافة الحوار بين الشباب والإكثار من الحوار الهادئ معهم، وإعطاؤهم فرصة لإبداء آرائهم ومناقشتها.

[1] أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية

الرابط المختصر :