; من الحياة: نفحات الإيثار.. ولفحات الأثرَة | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة: نفحات الإيثار.. ولفحات الأثرَة

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 03-نوفمبر-2007

مشاهدات 49

نشر في العدد 1775

نشر في الصفحة 56

السبت 03-نوفمبر-2007

(*)أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد

حب الذات غريزة في بني الإنسان، فهل هي شر خالص؟ مهلًا أخي القارئ، لا تتعجل في الإجابة.. لقد كان السلف الصالح يتنافسون في الخيرات، ويأبى الواحد منهم إلا أن يسبق الجميع ويتصدر الفائزين، إذ كانت الجائزة هي إرضاء الله تعالى والفوز بالجنة.. فحبُّ الذات -إذن- ليس شرًا كله، بل هو واحد من أهم أسباب نجاة الإنسان، وإعمار الحياة وازدهارها وتقدمها!

بَيْدَ أنَّ حُبَّ الذات يصير نارًا تتأجج، تقضي على الأخضر واليابس في حياة البشر، وذلك إذا طغي الإنسان في مضمار سباق الحياة، ولم يفكر إلا في نفسه غير مبال بغيره.

غريزة حب النفس –إذن- قد تكون خيرًا، وذلك إذا سعى الإنسان إلى وقاية ذاته من الأخطار، ووقاها عذاب النار، وسعى إلى تحصين نفسه وتنمية ذاته، وبذل قصارى جهده لرفعة وطنه، حبًا ووفاءً وولاءً... وتنقلب غريزة حب النفس إلى شرّ مستطيرٍ، وتُخْشَى عواقبها عندما تتورم وتتضخم، ويشقى بها صاحبُها، ويَشْقى بها مَنْ حوله وَمَن يتعاملون معه، بل يشقى بها أفراد أسرته وسائر مجتمعه وأمته.

إن كثيرًا من الاضطرابات الاجتماعية التي نعانيها في بيوتنا ومجتمعاتنا مردها إلى فيروس الأثرة «الأنانية»، ففقدان الدفء الأسري، والحب بين الزوج وزوجته، وبينهما وبين أولادهما، وقلة الاكتراث بشؤون الأسرة ومتطلباتها ومسؤولياتها، وضعف الاهتمام بالوطن الذي نعيش فيه والأمة التي ننتمي إليها، والرسالة التي ننتسب إليها.. كل ذلك دليل على تفشّي فيروس الأثرة وتراجع الإيثار.

لقد سجل لنا القرآن الكريم تاريخ فريقين، أحدهما: اعتنق الإيثار منهجًا، ففاز في الدنيا والآخرة، والثاني: انحرفت به أنانيته، وطغت عليه أثرته، فخسر الدنيا والآخرة، فلنتعظ، ولنأخذ العبرة من العاقبتين.

يقول ربنا عز وجل عن الفريق الأول: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9) وللترغيب في حب الغير ذكر رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف -ضمن سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله- اثنين تحابّا في الله، وحثّ المسلم على أن يعلن عن حبه لأخيه حرصًا على تقوية الحب وتنمية المودة بين الإنسان وغيره.

كما شخّص ربنا عز وجل داء الفريق الثاني، وبيّن أضرارهم ولفحاتهم التي أضرتْ بالفرد أو المجتمع، فسجّل انسحابهم من غزوة أحد، وكشف عن الأنانية التي تغلغلت في نفوسهم فأعمتهم عن الذود عن العرض والأرض والدين والوطن. قال تعالى:. ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ (آل عمران: 154).

فهؤلاء يعيشون لمنافعهم الشخصية، فإن أعطوا رضوا، وإن لم يُعطوا سخطوا، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (التوبة: 58).

إن هذا النوع من البشر يسيء إلى مجتمعه ودينه وأسرته، ولا تحركه إلا منافعه الخاصة، ونزواته الشاردة المُلحُة المتعجّلة، ولا يهتم بزوجه، ولا أفلاذ أكباده..

إن كثيرًا من الأزواج ينشغل بهواياته وحاجاته واهتماماته، يعربد في الأسواق، ويتسكع في الطرقات، ويسهر على المقاهي والديوانيات، في حين أن أسرته في حاجة إلى ساعة يقضيها مع أفرادها، مع الزوجة والأولاد، ليشبعهم عاطفيًا، ويقيهم شر الانحرافات، ولينظر في احتياجاتهم، ويسعى إلى حل مشكلاتهم، ويفرح لفرحهم، ويهتم بأمورهم.

وعلى الجانب الآخر ثمة زوجات ينشغلن لتوافه الأمور، فتستغرقهن الموضة، وقصات الشعر، والتسوق وأحلام اليقظة بالعيش في القصور، والانشغال التام بعملهن وصديقاتهن والثرثرة في الهواتف، وينصرفن عن دورهن الذي من أجله خلقهن الله.

إن الأنانيين عندما يمارسون هذه السلوكيات في الأسرة يهلكون بذلك أنفسهم وأفلاذ أكبادهم الضعفاء، فأولادنا لا سلطان لهم علينا، وهم يشكون حالهم إلى ربهم، ولسان حالهم يقول: «أنجبتمونا، وأهملتمونا، فلا ملجأ لنا إلا الله»!!

يقول الشيخ محمد الغزالي في كتابه، «جدد حياتك»: «إن الدين حقوق وواجبات، وإن الدنيا حقوق وواجبات، وكُلُّ عَقْد ذي بال بين طرفين فهو ينطوي على حقوق وواجبات، فأدُ واجبك، واشعر بعبئه على كاهلك، ولا تلتمس منه المهارب. فإذا وفيت بما عليك فانتظر حقك، أو اطلبه كاملًا، فلن يعيبك أحد، أما أن ينطلق المرء في الدنيا متطلعًا شعاره: «هل من مزيد»، من غير كفاية ولا استحقاق، فهذه هي الكارثة، ومثل هذا المسلك لا تضمن به دنيا، ولا يصح به دين».

وقد حكى «ديل كارينجي» قصصًا كثيرة تهدف إلى انتزاع الأنانية من النفس البشرية، ثم قال: «أخال الكثيرين ممن يقرؤون هذا سيقولون: هذا الحديث عن الاهتمام بالناس وإسعادهم ما هو إلا سخافة، ووعظ ديني»، وسيُعلّق الواحد منهم قائلًا: لا، نفسي ولا، وليذهب الآخرون إلى الجحيم».

ويرد عليهم، كارينجي، قائلًا: إن كان هذا رأيك فليكن، ولكنك أن حسبت نفسك مصيبًا فكأنما تزعم أن كل الأنبياء والفلاسفة كانوا مخطئين، بل إن الملحدين اعتبروا الدعوة إلى الإيثار من عظم الحقائق، فهذا «هوسمان» وهو أستاذ بجامعة (كمبردج). يقول في محاضرة ألقاها عام ١٩٣٦م. «لعل من أعظم الحقائق التي وردت على لسان إنسان تلك التي انطوى عليها قول المسيح «عن ربه طبعًا»: (من وجد حياته ضيعها، ومن أضاع حياته من أجلي وجدها).

وقد كان «هوسمان» ملحدًا متشائمًا، وقد فكر في الانتحار أكثر من مرة، وبرغم ذلك كله... فقد أحس أن الإنسان الذي ينشغل بنفسه لا ينال من الحياة شيئًا يذكر، والأجدر به أن ينسى نفسه في معاونة الآخرين، وذلك طريقه لتحقيق متعة العيش.

وثم ملحد آخر اسمه «تيودور دريزر» قيل عنه إنه أشد ملحد أمريكي في القرن العشرين، لقد سخر من الأديان كلها، ووصفها بأنها أساطير وخرافات وخيالات. وقال عن الحياة: «إنها قصة يرويها أبله، لا معنى لها». ورغم ذلك فإن «دريزر» يقول: «إذا شاء الرجل أن يستخلص من الحياة متعة، فعليه أن يسهم في اجتلاب المتعة للآخرين، فإن متعة الشخص تعتمد على متعة الآخرين، ومتعة الآخرين تعتمد على متعته».

أخي القارئ الكريم، أخي الزوج، أختي الزوجة، أبنائي وبناتي في الأسر والبيوت، الآن عرفتم ما للإيثار من نفحات نُلطف بها بيوتنا، وتنمي الحب بيننا، وعرفتم ما للأثرة والأنانية من لفحات تحرق كل شيء جميل في البيت، وتلتهم السعادة والسكينة التهامًا كما تلتهم النار الهشيم.. الآن قرأتم هدي شرائع الله، ورأيتم نور السماء، بل قرأتم ما قاله الملحدون عن الإيثار والأثرة.. أما آن الأوان أن نحب غيرنا، وأن نجتهد في إسعاد زوجاتنا وأزواجنا وأولادنا وآبائنا.. فإن ذلك هو الطريق إلى إسعاد أنفسنا... فلنستمسك بالإيثار جلبًا لنفحاته، ولنقلع عن الأثرة (الأنانية درءًا للفحاتها).

الرابط المختصر :