; من الحياة- والله يريد أن يتوب عليكم | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة- والله يريد أن يتوب عليكم

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 02-أغسطس-2008

مشاهدات 67

نشر في العدد 1813

نشر في الصفحة 57

السبت 02-أغسطس-2008

جاءتني رسائل كثيرة تدعوني إلى مخاطبة القراء للكتابة عن استثمار إقبال شهري شعبان ورمضان المبارك في التوبة إلى الله تعالى، وذلك إن دل فإنما يدل على خيرية هذه الأمة. 

معظم هذه الرسائل جاءتني من شباب القراء والفتيات، بعض هؤلاء أشاروا إلى شباب وفتيات يعرفونهم غرقى في الشهوات، وثمة رغبة لديهم في استنقاذهم، وبعض هؤلاء صارحني بشططه وضعفه، وخاصة فيما يتعلق بمشاهدة الصور، ودخول مواقع الإنترنت الإباحية، وغير ذلك من المعاصي على اختلاف أنواعها.

 قلت في نفسي: إنها ليست دعوة لفئة معينة دون فئة، فجميعنا في حاجة ماسة إلى التوبة، فهذا رسول الله ﷺ يقول فيما يرويه عنه أبو هريرة رضى الله عنه «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» ( رواه البخاري )، فأين نحن من رسول الله ﷺ؟

إذن نحن لسنا في حاجة إلى التوبة فحسب، بل نحن في حاجة ملحة إلى تكرار التوبة في اليوم عشرات المرات إن لم تكن مئات المرات.

 وقد بيّن القرآن الكريم أن الله تعالى يريد التوبة لعباده، قال تعالى ﴿وَٱللَّهُ یُرِیدُ أَن یَتُوبَ عَلَیۡكُمۡ وَیُرِیدُ ٱلَّذِینَ یَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَ ٰ⁠تِأَنتَمِیلُوا۟ مَیۡلًا عَظِیمًا ( النساء:27 ).

 ولقد حرص القرآن على غرس الأمل في نفوس العصاة المسرفين على أنفسهم في الذنوب ونأى بهـم عن دروب اليأس والقنوط قال الرحمن الرحيم: ﴿قُلۡ یَـٰعِبَادِیَ ٱلَّذِینَ أَسۡرَفُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُوا۟ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِیعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ ( الزمر:53 ).

 وكرر القرآن الكريم وأكثر من توجيهات العباد إلى التوبة، قال تعالى ﴿وَتُوبُوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِیعًا أَیُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ (النور:31)، وقال سبحانه ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إليه﴾ (هود: ۳)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا توبوا إلى الله توبة نصوحًا﴾ (التحريم: ۸).

  •  أبواب التوبة مفتوحة

 لقد أكدت السنة النبوية المطهرة أن الله عز وجل فتح أبواب التوبة على مصاريعها أمام عباده؛ فعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (رواه الترمذي).

 وعن أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها.. ( رواه مسلم ).

 وورد في القصة التي حكاها رسولنا الكريم لأصحابه. فيما رواه عنه أبو سعيد الخدري أن رجلًا قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم أراد التوبة فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب، فسأله  هل لي من توبة فقال الراهب: لا. فقتله وأكمل به المائة، ثم ذهب إلى عالم فسأله: هل لي من توبة فأجابه: نعم ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم وجهه إلى أن ينطلق إلى أرض يسكنها أناس يعبدون الله ليعبد الله معهم فانطلق الرجل، وفي منتصف الطريق قبضت روحه فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم حكمًا فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أقرب فهو له فقاسوا فوجدوه أقرب إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة، وهذه القصة واردة في حديث شريف متفق عليه. وفي رواية في الصحيح فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر، فجعل من أهلها. وفي رواية في الصحيح «فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقاربي، وقالوا قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له»

  •  فرحة الله بتوبة عبده

 ليت العصاة يستشعرون فرحة ربهم بتوبتهم، والله لو أدرك العاصي معنى فرحة الله به لبادر بالتوبة دون تردد ولا تسويف..

 هل تصورت هذا المعنى؟ هل استشعرت ماذا تعني فرحة ربك بك؟ يقول رسول الله ﷺ: «لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره، وقد أضله في أرض فلاة» (متفق عليه) وفي رواية لمسلم «لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح، (رواه مسلم).

 منهاج التوبة: للتوبة منهاج واضح المراحل، قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وربه لا تتعلق بحق إنسان فلها شروط ثلاثة: الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على عدم العودة إليها أبدًا، فإن فقد أحد الثلاثة فلا تصح التوبة.

 وإن كانت المعصية تتعلق بحق إنسان فشروطها أربعة، هذه الثلاثة المذكورة آنفًا، يضاف إليها شرط رابع هو أن يبرأ من حق صاحبها، فإن كان مالًا رده إلى صاحبه، وإن كان غيبة طلب العفو ممن اغتابه.. وهكذا.

  •  التوبة والصحة النفسية

 إن توبة العبد وإقلاعه عن معصية الخالق تعنى اصطلاحه مع ربه ثم مع نفسه، وذلك يحقق سكينة نفسية، وطمأنينة روحية قلبية، ويخلق في النفس البشرية إشراقًا ويجعل التائب يتقبل ذاته، ويعيش في سلام مع نفسه والآخرين. 

ويُعرف علماء النفس الصحة النفسية بأنها «القدرة على العيش في سلام مع النفس ومع الآخرين، مما يمكن الإنسان من مواجهة الأزمات النفسية وإثبات الذات والإنجاز والنجاح».

 وبالتدبر في هذا التعريف وما يحمله من معان يتأكد القارئ أن ثمة علاقة وطيدة بين التوبة وتحقيق الصحة النفسية، فالتوبة تشعر الإنسان بذاته، وعزيمته، وقدرته وقيمته الشخصية، وتشعره بالسرور والرضا والسعادة، وانتظار الفوز بالجنة والنعيم الأبقى، والتوبة أيضًا تقي الإنسان شر القلق والتوتر والاكتئاب واحتقار الذات والخوف من الحاضر والمستقبل.

 ولذلك نجد أن «رومان رولاند» قد انتقد سيجموند فرويد لأن الأخير لم يفهم المصدر الحقيقي للعواطف الدينية ولإغفاله تأثير الدين في الصحة النفسية، وتلك حقيقة أثبتتها البحوث النفسية، حيث قام عالم النفس العيادي «ديفيد لارسون» بتقويم كل البحوث النفسية المنشورة بأكبر مجلتين متخصصتين الطب النفسي بين عامي ۱۹۷۸ و ۱۹۸۹م، وتوصل إلى نتيجة مفادها أن ٨٤% من العينة كان للتدين أثر إيجابي في صحتهم النفسية، فهل نقتنص فرصة شهر رمضان الذهبية، ونتوب جميعًا إلى الله رب العالمين، لقد كان الصحابة عامهم كله رمضان!!

الرابط المختصر :