العنوان أدب.. عدد 572
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مايو-1982
مشاهدات 58
نشر في العدد 572
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 25-مايو-1982
من الشعر الحديث
بحثًا عن شيخ أو رشاش أو قرآن
اقتحمت وحدات الأمن الوحشي..
بيتًا من غيرِ أمان..
بحثًا عن شيخ أو رشاش أو قرآن..
لم يجدوا شيئًا يُسرق..
خربوا البيت..
وقلبوا الأرض.. وحفروا الجدران..
لم يجدوا شيخًا أو رشاشًا أو قرآن..
فقتلوا الجيران!!
........
وجدوا طفلًا يبكي.. يحبو.. يبحث عن صدرٍ يُعطيه حنان..
والأم بجانبه جثة مقتولة..
يدها مقطوعة..
كانت تلبس فيها إسورة من ذهب من قبل القطع..
سرقوها..
كانوا في عجلة!.
فبيوت مسلمة أخرى ما زالت مُغلقة.. لم تدخلها وحدات الأمن تفتش عن:
شيخ أو رشاش أو قرآن..
......
وحبا الطفل على الجثة..
يفتح فاه ويلعق من دم أمه..
كانت مقتولة!.
يدها مقطوعة.. لم تلتف
لترضعه فبكى..
وبكي..
وبكي..
ضج الضابط من صوت الطفل الباكي..
فأشار إليه..
يُعطي أمرًا..
رفعوه عن الجثة..
و رموه من الشرفة!!
.........
كانوا عصبيين..
لم يجدوا شيخًا.. أو رشاشًا.. أو قرآن..
لم يجدوا مالًا..
بل وجدوا طفلًا.. فرموه من الشرفة..
هو من بيتٍ مسلم..
قد يكبر..
يحلم رشاشًا..
وبيده القرآن.. رموه من الشرفة..
.........
فهوى..
يبكي..
يبحث عن صدرٍ يُعطيه حنان؟!
- محمد النادر-
محطات صغيرة في المعركة
الحزن الأخرس
للأخت أم حمزة
حزن أخرس يعصف في كيان «فاتن»، شلال في دم يتدفق من ذراعها الأيمن بسمة منحوتة من الصبر على ثغرها، بقايا من شعرها الليلي، وبقايا مزق من خمارها الأسود.
في الشارع الممتد أمامها تسير بضعفٍ و وهن كعصفورة وجلة تخاف الريح والعزلة، تسير والناس من حولها غرباء، والشارع بارد متجمد القلب، وحجارة الطريق تحملها فوق دموعها..
وصلت البيت تطرق بابه.. طرقات لا روح فيها ولا حياء وتفتح الأم الباب: لتتلقى فاتن مُثقلة بالجراح والآهات والحسرات، والأم المصلوبة على مشانق العذاب تصرخ بحنان واجف القلب:
- فاتن.. ابنتي.. فاتن.. أحمد أسرع يا ولدي أسرع فاتن.. والدموع أشلاء دماء.. والدماء أشلاء قلب أم ذات يد بيضاء.. يهرول الفتى يحمل الفتاة بين ذراعيه.. بصدقٍ يهتز.. يجلجل العذاب في صدره المحزون... ويدور رأسه حشد من التصورات.. يهمس:
- إذًا لقد امتدت أيديهم إلى أحد الضعيفين.. إلى النساء لقد كبرت الشقة لقد اتسع الخرق...
صرخت الأم بذعر:
- أحمد أسرع إلى الطبيب..
خرج من البيت قطعة من العذاب المطحون وفي قلبه حداء الألم الممض، تهتف؛ فاتن.. فاتن بنيتي ماذا حدث.. هل.. هل.. هل.. و وراءه الأم الملهوفة: لكن أنى فاتن من الموت الذي ينسج حولها غلالات عدن السندسية.
- من خلال أمواج الموت والجراح:
- أماه لن أموت رخيصة.. لن أموت سأعيش.. حقولًا.. بيادر من الأشواك ينبت في عيونهم.. في دروبهم... تلك المظلية يا أمي مزقت حجابي!!
- فتتطلع الأم.. مزق الحجاب.. بقايا الشعر..
- ماذا يا فاتن.. حجابك؟! حجابك الذي أنفق والدك من أجله جل عمره في أقبية الظلم والظلام والعفن.. حجابك يا فاتن.
- نعم يا أمي حجابي الذي تركت من أجله كل ملذات الحياة الدنيوية وكل ما يلج في القرن العشرين.
- فاتن استريحي يا بنيتي.. الإسلام غريب.. والقابض على دينه كالقابض على الجمر.. فالصبر يا بنيتي الصبر..
- من غيابة الألم.. من وسع العذاب تقول فاتن..
- لقد امتدت يدها.. لوثت حجابي.. طعنتني في ذراعي.. جذت شعري.
- داست حجابي بحقدها وجنونها.. تدوس حجابي شعرت بكل حرارة العالم تغوص في صدري.. ليتها مزقت قلبي داسته- لهان الأمر.
- وماذا يا فاتن؟ ماذا حدث؟ لا.. يا بنيتي لا تتحدثي اهدئي.
- أماه أخرجت شرطي.. طعنتها.. صرخة و ولت هربت والخوف يطردها... خامرني شعور أن الحق بها.. أجز شعرها أدوس رأسها.
- أماه للإنسان كرامة... للإنسان حرمة وأنا مسلمة وجئت يا أمي إليك بقلبٍ ممزق... وشعر مجذوذ وحجاب مخذول- أماه- والموت... الموت يرتعش راقصًا حول فاتن وفاتن تلهج لن أموت.. لن أموت..
- الطبيب لم يصل.. أحمد لم يصل.. والوقت يمر.. والدم لا يتوقف والأم هاجر أخرى تسعى بين الشارع والبيت بنفس ضارعة خاشعة.
- الشارع مقفر بارد.. والبيت ساكن.. وفاتن تنتفض تحت رعشات الموت.. وهاجر القرن العشرين.. تهتف:
- اللهم لا أسال رد القضاء وإني أسالك اللطف فيه.
- ومن بين زحام العذابات.. سمعت طرقات على الباب.. هرولت فتحت الباب.. دلف أحمد.. هتفت جزعة ملتاعة:
- الطبيب أين الطبيب يا أحمد؟ أين الطبيب يا ولدي؟
- الطبيب يا أمي.. هل في دمشق أطباء.. أين دمشق من الأطباء يا أمي.. بشق النفس أقنعت أحدهم.. سيصل بعد نصف ساعة.
صرخت الأم.. بعد نصف ساعة يا أحمد.. وفاتن والموت؟
- نصف ساعة من العذاب والقهر والألم والظلم.. مرت بطيئة- ثقيلة طرق الباب- خفق قلب أحمد.. أتراه الطبيب.. أم ماذا؟!
- فتحت الأم الباب.. وصرخت.. الطبيب يا أحمد- الطبيب يا أحمد الطبيب على سفته ابتسامة حزينة خائفة.. يضمد جراح الرأس يأخذه العجب... فالجراح تضحك...
- يا الله.. يا الله... لم يكن هناك لم يكن هناك سقوط في دوامة عنيفة لم يكن ذراع.. بل بقايا لحم ودم وعظم...
- بصوت مرير وجيع كأنه رجع الموت..
- يا أخي سنقطع الذراع.. سننقلها إلى المستشفى الخاص بي.
- وترن الكلمات.. تنوح جدران البيت..
- الأم تسقط على الأرض مكرورة مجهدة مقهورة.. «فاتن» والصبر اللؤلؤي الألق في عينيها من خلال الموت:
ألا إن سلعة الله غالية ألا أن سلعة الله الجنة.. لن أموت سأعيش سأعيش.. مازال في جعبتي الكثير..
- تقرر كل شيء بهدوء و روية تقرر كل شيء والنفوس الحزينة آبار حِرمان وأنهار مرارة و أوجاع. خرجوا من البيت بموكب حزين دامع.. العين والفؤاد ومع خروجهم ضحكت عيون الندى على شذرات الفجر الذهبية بعزة وشموخ و أزهرت حجارة الطريق بطولة وفداء على الرغم من قلب الأم المطعونة. التي تهمس..آه..
- يا دمشق آه أيها الوطن الحبيب يا من أصبحت قبرًا لولدي نذير.. أصبحت زنزانة لزوجي و ولدي عمر.. و أمسيت سكينًا تقطع ذراع فاتن... وقد تذبحها على أعتاب الظلم.
- نظرت عند الأفق القريب نحو المستقبل إنه أبيض شفاف غني و ألف شمس هبت من نومها تغمر ساحات دمشق بالضياء، إنها شمس الخلاص و الأمل.
- وفاتن لها ألف ذراع بل ألف جناح أخضر، يبرق يهلل يكبر يغني بالنصر القريب الكبير.
ونذير قبره يملأ الوادي سنابل وعطاء، والزنزانة أصبحت مسجدًا على أبوابه الآف الشباب، والحزن الذي كان أخرس أمسى فرحًا يغرد في قلب دمشق الخالدة.
رسالة إلى بلادي
أصبحتُ مُلتَهِب الحَنِين *** فكيف أنتِ ستُصْبحين
والحزن مَسَى بخافقي *** جرحًا يغوص فلا يبين
تبدين من خلف الغيوم *** لناظري ظلًا حزين
ظلًا تغطي بالسواد *** وضاع في فلك السنين
قد أعملت فيه الخطوب *** سيوفها حتى الوتين
ورمته مجروح الفؤاد *** فلا رجال ولا بنين
فمتى بلادي تسمعين *** آهات شعبك والأنين
ومتى تثور بخافقيك *** دماء منتقم طعين
غاصت بك الأرجاء *** وارتعشت أكفك والجبين
ونات بك الشطآن *** فالأنواء تلعب بالسفين
فإلى متى تهوين في *** اليم السحيق، وتغرقين
وقلاعك البيضاء يسرقها *** البغاة، وتسكتين؟
ومتى بلادي تسمعين *** صوت الشهيد وتُنصتين
أنا من دمائي قد رويت *** الأرض، هلا تنهلين!
فمتى بلادي تنهضين *** تسعين للنصر المبين
فكي القيود وهدمي *** الأسوار، وامتلكي العرين
وامحي بشلال الدماء *** مدامع الوطن السجين
هذا دمي يدعوك *** فامشي في دروب الخالدين
فأنا هناك زرعت *** أزهار الكرامة باليمين
وأنا هناك النور *** والأمجاد تسعى، واليقين!
فمتى بلادي تسمعين *** صوت الشهيد وتنصتين؟!
للأخ خالد/ أبو ظبي