العنوان من «النحس»: الشيخ أم الضابط؟
الكاتب عامر العريض
تاريخ النشر السبت 29-ديسمبر-2001
مشاهدات 55
نشر في العدد 1482
نشر في الصفحة 35
السبت 29-ديسمبر-2001
لم أتمالك نفسي عند سماعي ذلك.. وأفلتت دمعة من عيني.. فلكم وقع في نفسي شعور الرجل بأننا جميعًا أبناؤه
شاهدت حلقة من برنامج تبثه قناة الزيتونة التونسية من لندن تضمنت شهادة مؤلمة لعائلة الشهيد عبد الستار الطرابلسي، وهو "أصيل" منطقة السلوقية بولاية باجة، كان يشتغل بمركز الفرز الآلي للبريد بالولاية ويقيم في المدينة نفسها حتى ألقي عليه القبض يوم ٢٦ مايو ۱۹۸۷م بعد مداهمة عنيفة لمنزله. تعرض الشاب للتعذيب على أيدي أعوان الأمن بباجة تحت الإشراف المباشر لرئيس المنطقة، وهو ضابط برتبة عالية مما أدى إلى وفاته بعد أسبوع من إيقافه.
عرضت قناة الزيتونة مشكورة بانوراما من الشهادات الأفراد من عائلته وأصدقائه، وبينها شهادة الأم التي تناثرت عباراتها مع تناثر دموعها وعبراتها، وشهادة شقيقه الذي لا يعلم إلا الله كم عانى إلى اليوم بسبب تهمة أنه شقيق شهيد معارض. واستوقفتني شهادة والده السيد أحمد الطرابلسي، شيخ تجاوز العقد السادس من عمره قضاه في الكد لتربية أبنائه بعد أن قدم تضحيات من أجل خروج المستعمر وبناء الوطن وتشييد المؤسسات بما فيها منطقة الأمن التي قتل بها ابنه.
شهادته جاءت بتفاصيل كثيرة، فالرجل يتذكر يوميات ابنه الأخيرة ويحاول أن يمسك عواطفه ويصبر أمام الكاميرا، وأكثر ما شد انتباهي هو معاملة رئيس منطقة الأمن الجهوي بباجة له عندما ذهب يسأل بلوعة الأب عن ابنه المفقود منذ أربعة أيام، ولا أحد يعرف أنه في غياهب تلك الفرقة يلاقي صنوفاً من التعذيب وسوء المعاملة، فقد قال له الضابط، "يا شيبة النحس امشي يا شيبة النحس يا حلوف، ربك (جل جلاله) لو تدخل بنفسه لن يُخْرِجَهُ من هنا.. امشي يا كلب وإلا أدخلناك معه. امشي امشي.."
وكان يدفعه ويصيح ويسب لفظ الجلالة والدين والنبي وكل المقدسات والأصل والفصل والعرب وكل من هب ودب.. ولا ندري إن كان الضابط في كامل مداركه العقلية أم أنه كان في حالة سكر وعربدة، فكل الذي نعرفه أن ذلك حدث خلال ساعات العمل الرسمية وهو المسؤول الأول عن أعوان الأمن بالولاية كلها.
وقد دأبت قناة الزيتونة، منذ إطلالتها على عرض شهادات مهمة في برامجها، كما عرضت قناة المستقلة شهادة مؤثرة لوالدة سجين الحق العام الجهيناوي الذي قتل تحت التعذيب بالسجن المدني 9 أبريل أخيراً.
تلك الشهادات تعكس حجم الفاجعة التي تعيشها تونس وتتكرر في أرجائها. سألت أحد مشرفي فريق قناة الزيتونة جمال الدلالي - القيادي الطلابي السابق - عن المسحة الحزينة التي بدت لي غالبة على القناة، فقال ألا ترى أن أبرز ما في تونس اليوم كثرة المظالم وتوسعها وأن هذه العشرية تعج بالمآسي التي فرض عليها الصمت دهراً من الزمن؟
كنت دائماً أقول لبعض الأصدقاء: عندما تكشف البطاقة عدد ٢.. أو يفتح الصندوق الأسود لتونس، بلغة الطائرات، لمعرفة ما بداخله خلال العشرية المنصرمة سيكشف عن أهوال سود وصفحات من الظلم الأزرق، مورست على آلاف التونسيين وتعرضت لها عائلات وقرى بأكملها... تكشف تلك الأيام من الآلام والآهات والويلات التي تنفطر لها القلوب السليمة.
لقد عادت بي الحادثة إلى سنة ۱۹۹۹م، كنت يومها في تونس العاصمة وقد صدرت في شأني وفي غيري برقيات تفتيش شديدة اللهجة تم تعميمها مع الصور الشخصية على المؤسسات كما بثتها التلفزة والصحافة المكتوبة، فاضطررت للاختفاء وأخذ الاحتياطات عند التنقل أو مقابلة بعض الإخوة، وقد استشهد في تلك الأيام - ١١ يوليو ۱۹۹۱م - الأخ عبد الواحد العبدلي عندما أطلق عليه البوليس السياسي الرصاص بمدينة سوسة، وهو طالب متفوق في دراسته بدار المعلمين العليا وكان من نشطاء الحركة الطلابية المتدينين.
تعرض عبد الواحد لإطلاق نار عندما هاجمه جيش من الأعوان بمنزله مع عدد من زملائه منهم الدكتور شكري الزغلامي، الذي لا يزال يقضي عقوبة طويلة بالسجن منذ ذلك التاريخ وآخرون بعضهم أنهى أعوام السجن الضيق وواصل سنوات الجمر في السجن الكبير.
الغريب أن الضابط الذي أطلق الرصاص القاتل لم يتعرض لمجرد مسألة ونقل إلى مدينة أخرى، ثم أرسل ملحقاً أمنياً بالسفارة التونسية بباريس وترقى في سلمه الوظيفي.
لقاء مع والد شهيد
طلبت من أحد الإخوة ولم يكن يومها هدفاً للاعتقال أن يساعدني على اللقاء بوالد الشهيد عبد الواحد، ولم أكن قد تشرفت بمعرفة العائلة من قبل، وليس لدي ما أقدمه وإنما كان همي أن أواسيه وأن أحاول التخفيف عنه مما أصابه، وقد يسر الله ذلك اللقاء في إحدى ضواحي العاصمة رغم ما ذكرت من الظروف الاستثنائية. فالبلد في حالة طوارئ قصوى غير معلنة بسبب مخلفات حرب الخليج الثانية والحملة الشعواء التي تشنها الأجهزة على حركة النهضة وأنصارها.
التقيت الرجل ثم جلس وجلست في خشوع وهو شيخ أنهكته المحن وزاده استشهاد فلذة كبده عقوداً من الزمن تقدماً في السن. حمدت الله الذي لا يحمد على كل الأحوال غيره، وقدمت له التعازي باسمي ونيابة عن كل إخواني، ثم استدركت بأننا جميعاً نتقبل التعازي مثله لأننا إخوة عبد الواحد. ثم استدركت ثانية وقلت له: يا عمي إذا كان عبد الواحد - رحمه الله تعالى - قد توفي برصاص ظالم في ساحة الشرف، فإنه شهيد ولم يرتكب جريمة غير حسن الخلق والاستقامة والتفوق.. فأبشر يا عم، فإنك أب لشهيد وأكرم به من مقام رفيع... ونحن كلنا أبناؤك ولن يضيع دم عبد الواحد بحول الله في الدنيا والآخرة. وسألته عن الفاضلة والدة الشهيد وعن أحواله. الأب، وما إذا كان تعرض لمضايقات بعد استشهاد ابنه...
قال الرجل في صبر وثبات: يا بني بارك الله فيك وفي إخوانك.. صحيح أني فقدت أغلى أبنائي ولكن الحمد لله أولاً على كل حال، وثانياً لأنني لم أفقده ظالماً أو معتدياً أو مجرماً وإنما متديناً وصادقاً عابداً لله تعالى، وثالثاً لأنكم جميعاً أبنائي.
ولم أتمالك نفسي عند سماعي ذلك منه إذ أفلتت دمعة من عيني.. فلكم وقع في نفسي شعور الرجل بأننا جميعاً أبناؤه.. معنى جلل ومسؤولية عظيمة... وقلت: يا عم صحيح أنه لا أحد منا في موقع عبد الواحد يرحمه الله، وقد أكرمه الله تعالى بوسام الشهادة.. إلا أن الله قد جعلك في موقع الأب العالي القدر وموضع الحب للآلاف من أبناء تونس.
لقاء مع المعتمد
واصل أب الشهيد يقول: بالأمس دعيت إلى مكتب المعتمد الجهوي الذي وجدته في انتظاري.. ذلك. استقبلني وبعد السلام أعلمني بأن ابني قد صدمته سيارة أجرة وأنه توفي بسبب ذلك. وأنهم قرروا إعطائي تعويضاً يتمثل في الترخيص بفتح متجر أو امتلاك سيارة أجرة.
سألت المعتمد لماذا تعطونني تعويضات؟ قال للتخفيف عنك، ونحن حريصون جدا على إعطائك هذه التعويضات شريطة أن تتعهد بغلق الملف نهائيًا. قلت: لم أعلم من قبل أنكم تستدعون أهل كل من يموت بحادث مرور لإعطائهم تعويضات.. وفي كل الحالات إذا كان ابني قد صدمته سيارة فأنا لا أطلب غير رقمها وعنوان صاحبها للتحقيق والتقاضي، ورحم الله عبد الواحد فهذا قدر الله وقضاؤه. أما إذا كان ابني قد مات في ظروف أخرى تعلمونها جيداً فلتعلم ولتعلموا جميعًا أن كنوز الدنيا كلها لا تعوض قطرة واحدة من دم ابني.. وقبل إنهاء حديثي هددني المعتمد وتوعدني بكل المصائب إذا لم ألزم الصمت عن الموضوع وطردني من مكتبه وقال امشي يا شيبة النحس يا حلوف.
هذا مثال متكرر يومياً يكشف كيف يعامل هؤلاء الضباط والأعوان - الذين درسوا وتدربوا بأموال الشعب، وبفضل تضحيات الجيل السابق ضد المستعمر - عائلات المعارضين من كبار السن ومنهم من تجاوزت به قاطرة العمر السبعين.. يهان ويهدد بالضرب ويسب لأن ابنه عارض النظام وأدخل السجن، ومنهم من يحرم من جواز سفره لنفس السبب ولو لأداء فريضة الحج أو للعمرة يختتم بها حياته.
عندما كان هذا الضابط وبعض أعوانه يهينون رجلاً شيخاً من أشرف الرجال من الذين ساهموا في تحرير البلاد، وشيبة خير، في الخفاء وتحت جنح الظلام، كان ولي نعمته ورئيسه يزور ملجأ أو مأوى لكبار السن تحت النقل المباشر لعدسات التلفزيون من أجل استعمالها في الحملات الانتخابية، وبحثاً عن إضفاء جرعة من الإنسانية والرحمة المفقودة على سياسته.
كيف يعامل هكذا جيل ضحى ودفع الغالي والنفيس وحرم من الضروريات من أجل إخراج المستعمر وبناء الوطن؟!. هل هو مجرد ماض يتم استغلاله للحملات الانتخابية والاستعطاف وبعض التبرك، أم أنهم آباؤنا وأمهاتنا الذين نعتز بالانتساب إليهم فنحترمهم ونحفظ كرامتهم مهما كانت خصومتنا مع أبنائهم؟! فلهؤلاء علينا كل الحقوق وليس لنا تجاههم إلا الواجبات.
هل فكر هذا الضابط وأعوانه ماذا لو تعرض والد أحدهم لمثل هذه المعاملة؟ هل تراه يقبل بها؟! لا أظن ذلك مطلقاً، ورغم أنني لا أعرف ذاك الكوميسار صاحب الفعل الشائن ولا أحداً من أعوانه ومساعديه «وليس ذلك صعباً»، إلا أنني أتمنى أن يكونوا قد شاهدوا تلك المشاهد على شاشة "الزيتونة"، أو أن يقرؤوا هذا المقال، وبدل أن تأخذهم العزة بالإثم من جديد ليتهم يتوبون إلى الله ويكفرون عن فعلتهم الخسيسة في الدنيا قبل الآخرة.. فهنالك سيتقابل الظالم والمظلوم أمام القاضي مطلق العدل الذي لا يفلت من عقابه أحد ولا يقبل سبحانه تعلة تنفيذ الأوامر إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.