; من دروس قضية داغستان | مجلة المجتمع

العنوان من دروس قضية داغستان

الكاتب منير شفيق

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1999

مشاهدات 61

نشر في العدد 1370

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 05-أكتوبر-1999

أعادت قضية داغستان بعد كوسوفا، إثارة مشكلة معقدة تواجه الأمة الإسلامية، وذلك على مستوى الموقف من ثورة شعب مسلم يعيش ضمن بلاد يشاطر فيها شعبًا آخر او شعوبًا أخرى مما يعيد إثارة مشكلة الأقليات المسلمة وما تحمله من إثارة لقضية الانفصال.

تبدو المشكلة في ظاهرها بسيطة وعادلة، ولا سيما حين تكون تلك الأقلية تعاني من اضطهاد مزمن يشمل هويتها وحياتها الدينية، كما يشمل حقوقها المدنية وأوضاعها الاجتماعية والاقتصادية والحياتية عمومًا، ومن الممكن أن تساق هنا قائمة طويلة من المظالم الواقعة الحقوق المهدورة على مدى تاريخ طويل، كما يمكن أن يشار إلى فشل محاولات السعي السلمي لرفع تلك المظالم واحترام الحقوق، الأمر الذي يجعل اللجوء إلى السلاح الحل الوحيد المتاح تحت هدف الاستقلال أو الانفصال لتجتمع في آن واحد مسألة حق تقرير المصير لحقوق الإنسان، هذا إذا لم يستند إلى الحق شرعي بإقامة دولة إسلامية.

على أن الواقع الذي تعيشه الأقلية المسلمة أو الشعب المسلم، والواقع الإقليمي والدولي يبعدان عن تلك المشكلة معاملتها ببساطة أو بمنهج تبسيطي، وإن لم يبعدا عنها عدالتها في رفع الاضطهاد والمظالم وفي إحقاق الحقوق، ويزداد الأمر تعقيدًا عندما ينتقل الكفاح والمجاهدة والتدافع إلى مستوى المخاطبة بالسلاح، فينتقل الوضع إلى مستوى الصراع الدموي مع الأغلبية أو مع دولة الأغلبية ثم تدخل القضية إلى مستوى التدويل لتعزيز كل إشكالات الوضع الإقليمي والدولي، فتبدأ اللعبة الدولية دورتها مما يهدد قضية تلك الأقلية، إن لم يهدد وجودها، أم الاستقلال فيكون مصيره في أحسن الحالات الانتقال من تبعية إلى تبعية، أو إلى فوضى داخلية تتخبط أمام طريق مسدود إذا أخذنا بعين الاعتبار واقع الأمة الإسلامية في الظرف العالمي الراهن، فسنجده واقعًا مقسمًا إلى عشرات الدول وإلى أكثر من مائتي يجد مجتمع يأخذ شكل أقلية ضمن دولة غير إسلامية، وهذا يعني أن كل جزء من هذه الأجزاء نفسه يعالج قضاياه من موقعه المجدد وينظر إلى القضايا الإسلامية المختلفة من ذلك الموقع مع الشعور بوحدة الأمة، وبما يربطها من أواصر، وما تحمله من أهداف وأمال مشتركة ولكن ما إن تنزل تلك الوحدة والأواصر والأهداف والآمال إلى الواقع العملي المجزأ حتى ترتطم به وتبدأ التعقيدات التي لا نهاية لها .. هنا يظهر السؤال إذا كان الواقع المجزأ يفرض على كل جزء أن يبحث في قضيته المباشرة التي تلح عليه إلحاحًا فيضع أهدافه واستراتيجيته ويمضي في تحقيق ذلك بغض النظر عن أي اعتبار آخر يتعلق بظروف الأجزاء الأخرى، بل يتوقع منها أن تقف إلى جانبه وتناصره انطلاقًا من وحدة الأمة وواجب النصرة فيما بين المسلمين، فكيف يحل مثل هذا الإشكال عندما يعالج الجزء قضيته الخاصة يحدد عدوه ويتطلع من حوله في المجال الدولي إلى من يمكن أن يعينه، أو يحالفه أو يقف ضد عدوه الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى نشوء التضارب فيما بين الأجزاء عند تحديد العدو الذي تجب منازلته، والصديق الذي يمكن التحالف معه، فعدو هذا الجزء من العالم الإسلامي يلعب دور المعين مباشرة، أو بصورة غير مباشرة لجزء آخر أو أجزاء أخرى من الأمة له أو لها أعداء آخرون غير ذلك العدو، بل ربما تعتبر هذا العدو قوة محايدة، أو صديقة، أو أكثر من ذلك حسب كل حالة.

كيف يمكن أن تتحقق النصرة والحالة هكذا؟ ومن يضحي لمن؟ وإذا مضى كل انطلاقًا من قضيته، وارتفع بها إلى الحدود القصوى التي تتطلب تضامن الأمة تضامنًا فاعلًا وعاجلًا فكيف يمكن أن يتحقق التضامن في ظل الفوضى في تحديد الإستراتيجيات والأعداء. وتحديد توقيت فتح المعارك وإثارة الإشكالات الخاصة بكل جزء؟ ليس من السهل إعطاء إجابات بسيطة وسريعة عن هذه الأسئلة التي طرحها واقع شديد التعقيد لم يسبق للأمة أن واجهت مثله من قبل حتى في العقود القليلة الماضية.

كل إجابة عن هذه الأسئلة، خصوصًا إذا طلب منها أن تكون عملية ستنتهي بتوجهات تؤثر في الموقف العام للأمة كما في الموقف من قضية كل جزء، لهذا يجب أن تخضع لمناقشة معمقة. ولعل ملاحظة ما يجري على أرض الواقع من ناحية رصد حركة الواقع الإسلامي العام إزاء ما تفجر من قضايا من قبل هذا الجزء أو ذاك. وكيف عولج الإشكال عمليًا، كما من ناحية كيفية تصرف كل جزء إزاء قضيته ومراعاته لما هو عام وما هو خاص، لعل ذلك يساعد على التقدم بنظرة اكثر قربًا لواقع المشكلات، وبرؤية قريبة من الموقف الصحيح والأسلم والأكثر واقعية.

الرابط المختصر :