العنوان من رسائل الروضة الشريفة.. أسطوانة التوبة
الكاتب محمد عبدالله فرح
تاريخ النشر السبت 06-نوفمبر-2010
مشاهدات 69
نشر في العدد 1926
نشر في الصفحة 45
السبت 06-نوفمبر-2010
المكان: من الروضة الشريفة من مسجد رسول الله ﷺ بجوار أسطوانة التوبة «أبي لبابة بن عبد المنذر أخي بني عمرو
بن عوف».. الزمان: قبل صلاة الصبح.
للتوبة دور كبير في بناء المجتمعات، فهي تزيد
المجتمع تلاحماً وترابطاً، غير أنها تفتح للعبد فرصة للرجوع إلى الله، وتكون بداية
لنفس جديدة من بعد الاعتراف بالذنب، والوقوف على نقاط الضعف والخلل في النفس
البشرية وإصلاحها.
والأسطوانة هي موضع توبة صحابي جليل ولها تاريخ
لما انصرف رسول الله ﷺ من غزوة الخندق ووضع المسلمون السلاح، أتى جبريل عليه السلام رسول
الله ﷺ فقال: «أوقد وضعت السلاح يا رسول الله؟»، فقال: «نعم»، فقال: «ما وضعت الملائكة السلاح بعد إن الله
يأمرك بالسير إلى بني قريظة»،
فأمر النبي ﷺ بلالًا رضي الله عنه فأذن في الناس: من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلين العصر
إلا في بني قريظة.
وقدم علي بن طالب رضي الله عنه برايته ﷺ إلى بني قريظة، وحاصرهم رسول الله ﷺ خمسًا وعشرين ليلة، وقذف الله في
قلوبهم الرعب فعرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد -وكان معهم حيي بن أخطب سيد بني النضير
في حصونهم- قال لهم: إما أن تؤمنوا بمحمد فوالله إنه نبي،
أو تقتلوا نساءكم وأبناءكم وتخرجوا مستقتلين ليس وراءكم ثقل وتبيتوا للمسلمين ليلة
السبت، فقالوا: لا نؤمن ولا نستحل السبت، وأي عيش لنا
بعد أبنائنا ونسائنا.
وأرسلوا إلى أبي لبابة وكانوا حلفاءه فاستشاروه: أننزل على حكم محمد ﷺ؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه، وهو الذبح. وفي رواية أخرى أنه لما جاءهم قام
إليه الرجال وأجهشت إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه؛ فرقّ لهم فكان منه ما
تقدم، قال أبو لبابة: فوالله مازالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله ﷺ. فلم يرجع إلى النبي ﷺ ومضى إلى المسجد وارتبط إلى جذع في
موضع أسطوانة التوبة، وأنزل الله عز وجل فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا
تخونوا اللهَ وَالرَّسُول وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 27)، وفي رواية أخرى: فربط نفسه في السارية وحلف لا يحل نفسه
حتى يحله رسول الله ﷺ أو تنزل توبته، قال: فجاءت فاطمة رضي الله عنها تحله، فقال: لا حتى يحلني رسول الله ﷺ فقال ﷺ: «إنما فاطمة بضعة مني»، وفي رواية لابن النجار أن أبا لبابة
عاهد الله تعالى ألا يطأ بني قريظة أبداً، وقال: لا يراني الله في بلد خنت الله ورسوله
فيه أبدًا، وإن النبي ﷺ قال لما بلغه خبره: «أما لو جاءني لأستغفرن الله له، فأما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذي
أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه فأنزلت توبته ورسول الله ﷺ في بيت أم سلمة قالت: فسمعت رسول الله ﷺ من السحر يضحك فقلت: مم تضحك أضحك الله سنك؟ قال: «تيب على أبي لبابة»، قلت: ألا أبشره بذلك يا رسول الله؟ قال: «بلى إن شئت»، فقامت على باب حجرتها -قبل أن يضرب عليهن الحجاب- فقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك. قال: فثار الناس إليه ليطلقوه، قال: لا والله حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقني بيده، فلما مر عليه
خارجًا إلى صلاة الصبح أطلقه.
ومن القصة نستفيد ما يلي:
- أن مجتمع المدينة مجتمع مترابط متحاب لا يمكن لأي صحابي أن يفشي سر
رسول الله ﷺ.
- أن التوبة باب لبناء المجتمع وتلاحمه فإن حدث شيء للبنة من لبناته فسرعان ما ترمم بالتوبة.
- حيلة اليهود في حالة ضعفهم المكر وفي حالة القوة لا يرقبون في مؤمن إلّا ولا ذمة.