العنوان من عباءة الأقلية تخرج مختلف الاحتمالات!
الكاتب أسامة أحمد البدر
تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2001
مشاهدات 55
نشر في العدد 1447
نشر في الصفحة 30
السبت 21-أبريل-2001
ينقسم الناس إزاء كل عهد جديد إلى قسمين: متفائل ومتشائم... فالذين يفرحون لكل جديد ويستخفهم الطرب البوادر الانفراج النسبي الذي تصاحبه غالبًا... أولئك هم المتفائلون. أما الذين لا يعجبهم شيء.. ولا يجيدون إلا التنظير... فأولئك هم المتشائمون حقًا أو.. المتأمرون...
«نابليون» نفسه حين دخل مصر لابسًا عمامة العلماء.. وجد متفائلًا يصفق له.. والراحل الأسد، أول ما انقلب على رفاقه حاول أن يمد للناس حبل الوصال فيما يشبه الانتخابات الحرة ولو في حدود الإدارات المحلية في البلديات... ثم عاد بعدما تبين له أن أيًا من الرفاق لم ينتخبه أحدا .. مع هذا فهو لا يزال حتى الآن ظاهرة قابلة للجدل ما بين مؤيد ومعارض أو منتفع ومتضرر!!
على أن السيناريو الذي استمر عرضه الثلاثين عامًا متتابعة حتى أمل المشاهدين، صار لابد له أن يتبدل.. فالرائحة أخبث من أن تداريها عطور وسائل الإعلام المدربة.
«السيناريو الجديد» الذي بدأت حلقاته تعرض على الناس لتسليهم ليس إلا.. إنما هو« مطبوخ» من زمن.. من قبل« الرحيل».. توقيت الإخراج والأدوار الثانوية فقط هي التي تتم الآن المشهد الافتتاحي الذي فهمه الجميع - راضين أو مكرهين - هو أن الرئيس أو الملك - لا فرق - يجب أن يكون «منا»! أي من الأقلية المحمية من العسكر والحرس القديم والمنظمات الأمنية التي تغلغلت في البلاد، حتى صارت من أصحاب البيت!!.. بل ومحمية من المؤسسات الصورية التي لم يعد من مهامها أن تناقش حتى... ثم يمكن بعد هذا - أي بعد فرض هذه القاعدة الذهبية - أن يتناحر الناس للتنافس على بقية المرعى.... البرلمان أو الإدارة المحلية، أو.... الحقائب الوزارية حتى..!
هذا المشهد الافتتاحي استوعبه الجميع دون رغبة في الاعتراض ولا جدوى.. لا بل إن الناشطين منهم اليوم على الساحة الداخلية باتوا يتسابقون ليضمنوه ما دعي ببرامجهم السياسية.. فهذا فاروق المقداد، رأس ما دعي به التجمع من أجل الديمقراطية والوحدة، الذي يتأهب ليصير حزبًا يضم شيبان الناصرية المنقرضة حتى في موطنها الأصلي.. هذا الفاروق يطمئننا إلى أن المنطلقات النظرية لتجمعه تستظل بالخطوط العريضة التي حددها خطاب القسم التاريخي للرئيس الشاب الرأي العام الكويتية،( عدد ٢٠٠١/١/١٩م) ليلحقه في هذا منتدى الحوار الوطني، كما أسماه صاحبه النائب رياض سيف»، وعلى لسان أحد وجوهه البارزين هو الدكتور يوسف سلامة، من أن خطاب القسم مرة أخرى هو الذي يفتح الآفاق الرحبة لانطلاقتنا.
ومن هذا المشهد الافتتاحي الذي استوعبه الجميع كما نلاحظ تم تفصيل عباءة الحكم الجديدة... التي غدا ممكنًا بعد الآن أن تفرخ مختلف الاحتمالات.
فالتعددية السياسية بعد الآن غدت واردة ويجوز التكلم فيها أو طرحها.. لأنه لم يعد هناك ما يمنع من قيامها بعد كل ما تأصل في مفهوم السياسة السورية.. مادامت هذه الأحزاب - وهي ما تزال أجنة . قد تعهدت بالالتزام بهذا الخط الأساسي الجديد، ولكن على الذين يتغنون بهذا الإنجاز التاريخي أن يجيبونا عن هذا السؤال: على أي شيء سوف تقوم هذه الأحزاب الجديدة إذا قامت؟.. وما برنامجها السياسي الذي يمكن لها أن تطرحه إذا أرادت حقًا أن تجمع حولها الناس لا أن تكون مجرد ديكورات جديدة لتزيين اللوحة وتجميلها فحسب.. بل ما المرتكزات المسموح لها غير خطاب القسم والتي يمكنها أن تتحفنا بها؟! لعلها ستنادي بمحاربة الفساد موضة البلد هذه الأيام... كيف وقد كفاها الرئيس بنفسه هذه المهمة قبل أن تثقله أعباء الرئاسة؟ وهل سيجرؤون حقًا على الاقتراب.
مجرد الاقتراب - من تلك الملفات الملتهبة التي تخص ذوي القربى؟ وإذا حصل فماذا يمكن أن يكون موقف الرفاق.. إلا يعد هذا الطرح من قبل الأحزاب الأجنة تعديًا مشبوهًا للدور التاريخي الذي اضطلع به الرفاق ولا يزالون؟... أم أن هذه الأحزاب المنتظرة سوف تنادي بإطلاق الحريات العامة وحق كل مواطن في أن يتنفس دون أن يتهم بالخيانة والتأمر على أمن الوطن والمواطنين؟، ومن يدري فربما يركبها الانسجام مع دورها الجديد فتذهب إلى المطالبة بإطلاق المساجين.. نحن نتساءل عن أولئك المساجين السياسيين الذين تجاوزوا العشرين عامًا سجنًا. ما مصيرهم؟ وأي برنامج سياسي يتجرأ أنًيتحدث كلمة عنهم؟!..
الأحزاب الجديدة.. وانقضاض الديناصورات أي أحزاب هذه التي ستنشأ في سورية بعد ثلاثين عامًا ضمر خلالها كل فكر سياسي.. وأي برامج جديدة ومحترمة يمكن أن تطرحها إذا كانت وهي أجنة تبدو مشوهة. مكفوفة اليدين عن مجمل القضايا المهمة التي يمكن لحزب يحترم نفسه أن يقوم عليها؟
ثمة فاصل إعلاني طريف يحسن عرضه بين هذه المشاهد وهو الإعلان عن السماح بإعادة إصدار صحيفة نضال الشعب الشيوعية التي استمر تعطش الشعب السوري المسلم إلى غيثها خمسين عامًا!!
نعود بعد هذا الفاصل الممتع لنتابع أحداث المسلسل.. ولكن تستميح بعض المشاهدين عذرًا لأن المشهد الذي تخوفوا منه وهو انقضاض الديناصورات على هذه المسيرة المظفرة هذا المشهد - وليطمئنوا - لن يعرض الآن - ولا بعد الآن لسبب بسيط هو أن المخرج الراحل، قد حفظ لهم حصتهم من الكعكة، كما كانت مع شرط بسيط هو أن يطوروا أنفسهم شكلًا ومضمونًا. وإذا لم يتمكنوا من خلع جلودهم البالية فليسلموا الراية إلى الجيل الجديد - من أبنائهم ليس إلا. تمامًا كما حدث حين تم انتخاب بعض أعضاء القيادة القطرية - وهي أعلى سلطة سياسية معترف بها إلى الآن من أبناء الرجال الذين ناضلوا!
على أن المشهد المفاجأة الذي إذا تم فعلًا فإنه يعتبر أكثر المشاهد سخونة، ويستحق التصفيق الشديد!!.. هذا المشهد هو ما تناقلته الصحف عن التفكير في إلغاء الشرط الانتخابي الذي يفرض أن يكون (٦٧) من أعضاء أي مجلس منتخب من الرفاق البعثيين وأحبابهم من أعضاء الجبهة الوطنية التقدمية ذات الإقبال الجماهيري منقطع النظير !!.. هذا المشهد إن اكتمل فإنه سيعتبر بحق الرصاصة الأخيرة في جسد الحزب الحاكم الذي آل به المطاف النضالي أن يكون مجرد مطية تمكن ذوي القربي من استلام أرفع المناصب في الدولة.. بل جميع مناصب الدولة.
وعلى هذا فسيتفكك الحزب الحاكم بعد ستين عامًا من النضال الثوري.. إما من نفسه أو بفعل عوامل الزمن.. وذلك لسبب بسيط هو أن إلغاء هذا الشرط الانتخابي سيسحب البساط من تحت أرجل كل الرفاق ويتركهم للعراء لأنه ما من أحد يمتلك حريته سيفكر بعدها في انتخاب أي منهم لما يحفل به سجلهم «النضالي» من صفحات مخابراتية على الشعب بكل فئاته.. وبعد هذا سوف يستعاض عن ولاء هؤلاء الرفاق بولاء الكتائب الأمنية من ذوي القربي المضمون تفانيهم في حماية الرموز الذين أسسوا لهم دولة ما كانوا يحلمون بها من قبل.
مشادة إرهابية
ثمة مشهد يتم عرضه هذه الأيام، وهو حصول مشادة إرهابية، بين أعضاء الحزب الحاكم الذين أحسوا بأن كثيرًا من الصلاحيات تنسحب من أيديهم وبين بعض الناشطين من المثقفين وجماعة حقوق الإنسان، أو من يسمون بدعاة المجتمع المدني هذه المشادة تشهد مثلها في كل مسلسل درامي ليزيد من حرارة اللقطات ويسخن المشاهد التالية وينفخ في رماد الحركة ليزيد الانفعال لدى المتلقي... ليأتي بعدها المخرج، فيحل المشادة بأن يقبل الطرفين بعضهم بعضًا بعد أن يلتجنوا إليه باعتباره الأب لكل الأطراف الذين يسعهم ويحنو عليهم ويحل مشكلاتهم وخلافاتهم الصبيانية!.
ويبقى أن نذكر أن المشهد الختامي في هذا السيناريو هو هذا الخطاب التالي:« أيتها الجماهير الطيبة جدًا.. بما أنكم تمكنتم من هضم تنصيب الرئيس الشاب بكل هذه الروح الحضارية المشهودة فإنه غدا بإمكانكم الآن أن تعيشوا حياتكم كما يحلو لكم.. ستزول الأحكام العرفية أو تتجمد.. وسنمنحكم شيئًا من الديمقراطية التي تشتاقون إليها.. وسيمكنكم التمتع بما تتناقله الفضائيات ولو كان ضد توجهاتنا القومية دون أن نزيل الأطباق اللاقطة لها ونحن نستطيع لو شئنا»، وسيكون بإمكانكم أن تقولوا في منتدياتكم ما تشاءون مادام كله في النهاية سيصعد إلى سدة الرئاسة.. التي اتفقنا أنها وقف علينا.. وسوف نرى بحكمتنا ما نبقي من هذا الكل الذي يصدر عنكم وما نذر....
وتعود لنؤكد أن الناس إزاء كل جديد صنفان متفائل ومتشائم. أما المتفائل المتجاوب والمتعاون فهو الجدير بأن يبقى معنا... وأما المتشائم الذي يعطي أذنه للخارج.. فما أجدر أن يقصى عنا أو ينفى من الأرض. وأكيد.. أكيد أن كل هذا الكلام الذي سبق سوف يصنف مع الذين يقصون أو ينفون من الأرض.. والله وحده المستعان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل