العنوان من غرائب أحكام القضاء تبرير إشاعة الصور الخليعة.. بحجة الإلف والعادة!!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-1972
مشاهدات 70
نشر في العدد 124
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 31-أكتوبر-1972
من غرائب أحكام القضاء
تبرير إشاعة الصور الخليعة..
بحجة الإلف والعادة!!
والدفاع يقول:
• الشريعة الإسلامية، لا تخطر النظر للصور الإغرائية!
أما المنطق فيقول:
• يمكن غدًا تبرير، القتل والسرقة والفاحشة، بعلة الإلف.
وأما الشريعة فتقول:
• الوسيلة التي تؤدي إلى الحرام، حرام.
كانت وزارة الإعلام قد ضاقت ذرعًا بما تنشره جريدة «السياسة» من صور خليعة وتعليقات منافية للآداب العامة، فطالبت بمحاكمة أحد مصوريها لأنه نشر صورًا لإمرأة شبه عارية اعتبرتها وزارة الإعلام خدشًا للآداب العامة و مساسًا بحرية إحدى السيِدات الشخصية.
وبرأت المحكمة مصور السياسة من التهم، ففرحت الجريدة بذلك وأعادت نشر الصور مع نشر الحيثيات في مكان بارز، ومهما يكن حكم المحكمة فإن الجهة التي تتهم بمثل هذه التهم من جانب غير منحاز كوزارة الإعلام ليس لها أن تفرح كثيرًا -غير أن الشيء المثير في القضية هو أمران: أولًا: الفتوى الفقهية الغريبة التي أطلقها السيد عبد العزيز طاهر محامي المتهم بأن «الشريعة الغراء لا تحرِم النظر إلى صورة المرأة العارية ينصب على المرأة نفسها أو شبه العارية، بل التحريم والنظر إلى ما يعتبر منها عورات».
ولسنا ندرى هل نشكو هنا من قلة معلومات أو من التطاول على الدين وأحكام الله؟
ثانيًا: موقف القضاة عندنا وهم يصدرون أحكامًا نتحفظ في وصفها -لأنهم ملزمون بتشريعات غير إسلامية كتبها مستر فلان أو علان ليحتكم إليها المسلمون من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- خاتم الأنبياء والمرسلين.
لقد ورد في أسباب حكم المحكمة: إنها بمطالعتها للصور والتعليق مثار الاتهام لا ترى فيها ما يخدش الآداب العامة، «لماذا ؟» لأن نشر مثل هذه الصور والتعليقات مألوف حاليًا في الكويت وفي غيرها من البلاد العربية التي بها «بلاجات»، إذًا لأن مظاهر الفساد أصبحت مألوفة، يبرأ كل من يفسد ويروج للفساد، فما هو موقف السلطات التي سمحت بوجود هذه الظواهر المنافية للآداب حتى تصبح حجة لكلِ من يتهم بمخالفة خدش الآداب العامة؟
وما هو موقف وزارة الإعلام التي سمحت بدخول المجلات الخليعة التي استند عليها المحامي في تبرير فعل المتهم، كمجلة ألف ليلة وليلة والشبكة وغيرها.
إن هذا الاتجاه بالغ الخطورة!
إن الناس ينحرفون ويسقطون ويجلبون التعاسة على أنفسهم وحياتهم، نعم.
والجهد البشري الخيِر-سواء تمثل في موقف الدفاع عن العدالة من قبل المحامين أو في أحكام قضاة، أو في الحرص الشديد على سلامة الإنسان وعافيته الخلقية والجسمية- ينبغي أن يتركز في مساعدة الذين يتعبون أنفسهم بالانزلاق إلى أسفل.
وغير مفهوم، وغير مقبول البتة أن ينقلب الأمر رأسًا على عقب ويصير على النقيض تمامًا.
غير مقبول البتة أن يلجأ رجال إلى تبرير انحراف الناس باسم الإلف والعادة.
إلف وعادة! ما هذا الاتجاه العجيب، بل الموغل في الغرابة، إن هذا المنطق يستطيع -بالتصاعد أو التسلسل الطبيعي- أن يدمِر كل القيم والأخلاق بهذا المقياس العجيب، مقياس الإلف والعادة.
ويستطيع أن يجعل القوانين تجري لاهثة لمباركة كل انحراف ألِفه الناس، واستمروا في مشاهدته.
ويستطيع أن يحمي العدوان على القيم الثابتة في المجتمع.
إن صيانة العِرض والمال والعقيدة والدم والوطن، أمور يتفق عليها الجميع وتشرع القوانين لحمايتها.
ولنسأل بصراحة، أإذا استهان الناس بحرمة العرض فانتهكوها جهارًا، وبحرمة المال فاستباحوها نهارًا، وبحرمة العقيدة فطعنوها استهتارًا، وبحرمة الدم فاعتدوا عليها إصرارًا، وبحرمة الوطن فباعوها للأعداء، وأهدروها إهدارًا، ومضوا في هذا الانحراف الخطير حتى أصبح مألوفًا معتادًا.
فماذا يكون موقف القانون، والعدالة عندئذ؟
تماشيًا مع منطق تبرير الانحراف بحجة الإلف والعادة، فإن جرائم العدوان على العرض والمال والعقيدة والدم والوطن تصبح تصرفًا طبيعيًا لا عقاب عليه.
ثم من قال أن الصور العارية وشبه العارية أصبحت شيئًا مألوفًا؟
إن أصوات الاستنكار والاحتجاج ضد هذه الإثارات الجنسية المتعمدة، لا تزال ترتفع وتطالب بالحفاظ على الآداب العامة.
أصوات العلماء، والفضلاء والجمعيات الدينية، إلخ.
بل إن إقدام وزارة الإعلام على رفع دعوى ضد من نشر هذا النوع من الصور يعتبر نقضًا واقعيًا لتبرير الانحراف بحجة الإلف.
إن وزارة الإعلام لم تعتبر ذلك إلفًا معتادًا.
ألا يدل كلِ ذلك على استنكار هذا النوع من الصور التي تتعمد إشاعة الانحلال في المجتمع.
والاستنكار يعبر -بطبيعة الحال- عن الرفض، والاحتجاج، لا على الإلف والرضا.
بيد أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الجد والعمق.
إن وزارة الإعلام تشكر على هذه الخطوة، لكن هل هذا هو كل شيء؟!
إن وزارة الإعلام لا تستطيع أن تكون منطقية مع نفسها حين تترك الصحف المستهترة تغزو الكويت، وحين تخدش الآداب العامة في إذاعتها وتلفزيونها ومختلف وسائل إعلامها.
إن خطأ وزارة الإعلام أو تفريطها في القيام بواجبها تجاه موجة الانحلال التي غزت أجهزة الإعلام، تفريطها هذا أصبح مبررًا للانحراف، أن وزارة الإعلام مدعوة بحجة الإلف إلى القيام بواجبها حتى لا يكون عملها حجة في يد من يريد هدم أخلاق البلد.
ذلك من الناحية المنطقية.
أما من الجانب الشرعي، فإن الغرابة أشد وأكثر ذهولًا، إذ كيف يجرؤ أحد ويقول: إن الشريعة لا تحظر النظر إلى صور المرأة العارية؟
إن قاعدة سد الذرائع تحظر مثل هذه الصور.
إن الدراسات النفسية تقول إن المثيرات تحدث تهيجًا غير عادي في الغريزة الجنسية،
ولا يجادل إنسان -معه عقله وضميره- في أن الصور العارية تمثِل نوعًا من أخطر أنواع المثيرات.
والإثارة تؤدي إلى الوقوع في الحرام، بل إلى اقتراف جرائم جنسية، كالتي حدثت ولا تزال تحدث في بلدنا هذا، وببشاعة أفزعت الآباء والأمهات والأطفال والمسؤولين عن الأمن.
وهناك قاعدة إسلامية راسخة تقول «الوسيلة التي تؤدي إلى الحرام، حرام».