العنوان من قتل «آنا ليند».. الوزيرة التي تحدت بوش وشارون؟
الكاتب يحيى أبو زكريا
تاريخ النشر السبت 20-سبتمبر-2003
مشاهدات 71
نشر في العدد 1569
نشر في الصفحة 45
السبت 20-سبتمبر-2003
لم تكن آنا ليند وزيرة الخارجية السويدية، التي قضت مؤخرًا بعد أن طعنت بسكين من مجهول، لم تكن كما يقول المقربون منها مجرّد دبلوماسية تتقن فن العلاقات السياسية والإصلاح بين المتخاصمين الدوليين، بل نجحت في دمج السياسي بالثقافي والدبلوماسي بالإنساني، مسلكيتها الدبلوماسية وماسية نزعة إنسانية كانت تسقطها على كل مواقفها، كانت في خط المستضعفين، وضد عسكرة الدبلوماسية فوقفت بقوة ضدّ الحرب الأمريكية على أفغانستان وبعدها على العراق، وتحدث رئيس الوزراء الصهيوني شارون أكثر من مرة ووصفته بالمجنون وأعلنت في القناة التلفزيونية الرسمية أنها ستقاطع البضائع الإسرائيلية ولن تشتري الفواكه الإسرائيلية.
تحدت الدانمارك عندما قررت الإساءة إلى اللاجئين القادمين من العالم الثالث، ومدت يدها إلى الأفغان الذين رفضت أستراليا استقبالهم وأعلنت عن استعدادها للتوسط بين الكوريتين.
وفوق هذا وذاك وصفت الرئيس الأمريكي بالأحمق، في أوج الغطرسة الأمريكية والترهيب الأمريكي لأوروبا.
كانت تعرف الكثير عن العالم العربي والإسلامي وحتى الفضائيات العربية كانت تعرفها وتعرف عدد مشاهديها، وعندما اتصلت بمكتبها الترتيب لقاء صحفي معها اتضح لي أنها تعرف الكثير عنّا.
وعندما حضرت واشنطن وتل أبيب تعاملها مع أبي مازن دون غيره قالت آنا: إنّ أمريكا وإسرائيل طبعتا قبلة الموت على جبين محمود عباس وكانت تقصد الموت السياسي.
كان مكتبها في ستوكهولم مفتوحًا لأي عربي ومسلم، كانت تلقائية في حياتها متواضعة تتجول وحدها في الأسواق بين الناس، وتسافر بالقطار لتزور أولادها في منطقة نيشوبينغ إحدى محافظات السويد.
كانت آنا ليند تمثل مستقبل السويد باعتبارها كانت ستصبح رئيسة الوزراء، وكانت تؤمن إلى النخاع بحوار الحضارات والديانات.. أقامت وزارتها مؤتمرًا كبيرًا في ستوكهولم قبل سنوات عن أوروبا والإسلام دعيت إليه شخصيات إسلامية من كل البقاع وربما بعض هذه الشخصيات يتهم بالراديكالية في بلادها، لكن آنا ليند تؤمن بأن الأمر مادام محصورًا في دائرة الفكر والنقاش فلا ضير في ذلك، وبالإمكان مقارعة الحجة بالحجة، والفكرة بالفكرة، والدليل بالدليل.
وعندما اعتقلت الأجهزة الأمنية الأمريكية محمد غزالي الجزائري الذي يحمل الجنسية السويدية في باكستان واقتادته إلى جوانتانامو أرسلت وفدًا من وزارتي الخارجية والداخلية المطالبة واشنطن بإطلاق سراحه فورًا حتى لو كان مسلمًا يؤدي الصلاة ويحرص على الصيام، فمادام مواطنًا سويديًّا فلابد أن يعود إلى ذويه، خصوصًا أن واشنطن لا تملك أدلة ضده، وهددت باستدعاء السفير السويدي من واشنطن ما لم يعد غزالي إلى أبيه مهدي غزالي الذي استقبلته ليند ورئيس الوزراء، وهو الملتحي الذي يعتمر طاقية وربما لو كان يتجول في بعض شوارع العالم العربي لجري اعتقاله! هذه المواقف الشجاعة وغيرها -خصوصًا وأن عمرها السياسي بدأ منذ كانت طالبة في جامعة أوبسالا -جعلتها محلّ احترام السويديين بمختلف ألوان طيفهم السياسي، كما تمتعت بتقدير الجاليّة العربية والمسلمة.
من قتل آنا؟
تجدر الإشارة إلى أنّ رئيس وزراء السويد الأسبق ألوف بالمه - اغتيل في فبراير ١٩٨٦ - كان هو الآخر مناهضًا للأمركة وكان يتظاهر ضد السفارة الأمريكية في ستوكهولم منددًا بحروب فيتنام وغيرها، ولا يزال قاتله مجهولًا، وعندما يلف الغموض الجهة القاتلة فمعنى ذلك أنّ هذه الجهة تتمتع باحتراف شديد ودقة أمنية متناهية حيث اختفى القاتل ولم يترك إلا بعض ما يشوش به على المحققين أمر هويته، وإما أن الأجهزة السويدية عجزت عن الوصول إلى هوية قاتل بالمه أو أنها وصلت إليه وأخفت الأمر لأنّ هذه الجهة المنفذة تسيطر على العالم ولا يمكن تحدّيها كما يقول بعض السويديين.
والأمر نفسه يتعلّق بآنا ليند حيث كانت واشنطن وتل أبيب من أبرز المتضررين من مواقفها وتصريحاتها التي كادت تحرّض أوروبا على الخط الأمريكي والصهيوني، ولا يسمح لشخصية من وزن آنا أن تخرج عن الخط الذي تريده أمريكا وإسرائيل أن يسود في أوروبا.
نائبة المدعية العامة أغنيتا بليبيري أعلنت عن اعتقال شخص عمره ٣٢ سنة اقتيد إلى التحقيق وهو معروف بسوابقه في مجال استخدام السكاكين، غير أنّ الجهات الإعلامية والسياسية في ستوكهولم بدأت تطرح العديد من التساؤلات ومنها: أين ذهبت شرائط كاميرات الفيديو المنتشرة في المحلات التي كانت فيها آنا؟ ألا يعقل أنّها صورت الجاني وهو يقترف جريمته!
هل وضع بصمات أخرى غير بصماته على السكين المتروك في موقع الحدث المراوغة الأجهزة الأمنية؟
أسئلة تولّد أسئلة، كما يقول الفلاسفة، والمضمون واحد أن قاتل آنا لا يختلف عن قاتل ألوف بالمه، وكلاهما لا يريد أن تكون السويد في خط الانتصار للمظلومين في الأرض.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل