العنوان من كتاب العلاقات الدولية في الإسلام: الحياد
الكاتب الشيخ محمد أبو زهرة
تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1983
مشاهدات 59
نشر في العدد 612
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 15-مارس-1983
يفرض
الحياد عند وجود قوتين متنازعتين في السلطان والنفوذ ورغبة السيطرة على شطر من
العالم، وعند وقوع حرب بين دولتين أو أكثر، ولعل هذا الاصطلاح لم يكن موجودًا بين
كتاب الفقه الإسلامي، حتى ادعى بعض كتاب العصر -الذين تصدوا للكتابة في فقه
العلاقات الدولية من غير أهل الفقه- أن الحياد لم يعرفه الإسلام، لأنه قسم الدار
إلى دار حرب ودار إسلام، ولا وسط بينهما، ومادام لا وسط فلا حياد، لأنه الوسط
المفروض، وقد بينا عند الكلام في دار الإسلام ودار الحرب أن الوسط موجود وهو دار
العهد، والآن نقول: إن هنا وسطًا آخر وهو دار الحياد، فقد فرض القرآن الكريم أن
حربًا نشبت بين المسلمين وغيرهم من الأقوام، وأن من هذه الأقوام من لا يريد أن
يقاتل مع المسلمين ولا مع خصومهم، وهؤلاء يريدون أن يكونوا محايدين في هذه الحرب
ولا يتدخلون فيها، فهؤلاء أوجب القرآن احترام حيادهم وألا يمسوا. وإليك النص
القرآني الدال على ذلك: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ
بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن
يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ
عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ
وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ
سَبِيلًا﴾ (النساء: 90).
فهذا
النص صريح قاطع في أن من يريد الحياد يعطاه، وهو يتفق مع المبادئ الإسلامية العامة
من أن الأصل هو السلم، وأن الحرب عارضة، فمن أراد السلم أعطي هذا الحق من غير أي
نظر آخر إلا الاستيثاق من أنه لا يريد حربًا ولا ينويها، أو يتخذ من ذلك وقتًا
للاستعداد القريب مع نية الاعتداء، وفي هذه الحال يجب الحذر الدائم، ولا يسوغ
الاعتداء في أي صورة من الصور كما بينا من قبل.
وإن
بعض الكتاب من المسلمين توهموا -كما أشرنا- أن الحياد غير ممكن بمقتضى الأحكام
الإسلامية، لأنهم لم يعتمدوا في فقه هذه القضية إلا الفروع الجزئية، ولم يعتمدوا
على أصل المصادر الإسلامية، والفروع الجزئية كان يفتى بها والحروب قائمة بالفعل
ولم يوجد طالب حياد فلم يفتوا به، ونحن في دراستنا كما أسلفنا اعتمدنا أولا على ما
جاء بكتاب الله تعالى وسنة رسوله.
- هذا هو حكم الحياد إذا طلبه
غير المسلمين وهم في حروب مع بعض الأعداء، ولننتقل إلى حكم الحياد إذا كانت
الحرب مستعرة بين دولتين، فهل يقف المسلمون على الحياد إن طلب إليهم ذلك؟
للإجابة
عن هذا السؤال نذكر للحياد ثلاث صور:
الصورة
الأولى: أن يكون النزاع بين المؤمنين بعضهم مع البعض، وهذه صورة أوجدها الزمان، إذ
تفرق المسلمون دولًا، ولم تكن بينهم جامعة قوية تجعل وحدتهم بارزة تمنع أي حرب
بينهم، وتقطع السبيل على من يريد الاعتداء من الطوائف الإسلامية. وقد وضح الإسلام
حكم هذه الصورة فأمر المؤمنين أن ينظروا في أي الطائفتين تكون في المعتدية، وتبتدئ
محاولة الصلح بينهما، فإن لم يمكن الصلح، فإنه من الواجب نصر المعتدى عليه ولا يصح
الوقوف على الحياد في هذه الحال. إذ فيه إقرار للظلم والظلم لا يجوز، ولا يقر
الظالم على ظلمه، وقد ورد النص القرآني بذلك، وقال صلى الله عليه
وسلم: «لتأخذن على يدي الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرًا (أي لتحملته
حملًا عليه) أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم تدعون فلا يستجاب لكم».
وإنه
لا يكفي معاونة المظلوم عند وقوع الظلم، بل يجب أن تعمل الدولة الإسلامية القوية
على تقوية دعائم الأمن بين الدول الإسلامية المتفرقة؛ بحيث يحسم الشر قبل وقوعه
وتقطع بذور الداء، فإن ذلك مما توجبه الوحدة الإسلامية، وإذا تعسر اجتماع المسلمين
تحت سلطان دولة واحدة فإن الواجب هو العمل على منع الظلم بين الدول الإسلامية
وتنمية العلاقات التجارية والاقتصادية والتعاون على دفع الاعتداء، فإن ذلك من
التعاون على البر والتقوى، وقد أمر به القرآن الكريم في عامة نصوصه.
الصورة
الثانية: أن تكون الحرب بين دولة إسلامية وأخرى غير إسلامية، وفي هذه الحال لا
يكون للحياد موضع، فإنه يكفي الاعتداء على مسلم لكي تتضافر القوى على دفع
الاعتداء، والاعتداء على أي مسلم في الأرض اعتداء على عامة المسلمين، لأن النبي
-صلى الله عليه وسلم- يقول: «المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله» والنبي
-صلى الله عليه وسلم- يقول أيضًا: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»
وغير ذلك من الأحاديث الدالة على التعاون الإسلامي عامة من غير قيد ولا شرط.
وقد
يفرض أن الدولة الإسلامية تكون معتدية، وفي هذا الحال يتقدم المسلمون لإصلاح الحال
ومنع الاعتداء.
الصورة
الثالثة: أن يكون القتال بين دولتين غير إسلاميتين، وهذه الصورة لها عدة شعب:
الشعبة
الأولى: أن تكون إحدى هاتين الدولتين علاقتها بالمسلمين ليست علاقة سلم وبينها
وبين المسلمين حرب ولكن سكتت السيوف لهدنة أو موادعة موقوتة، أو ليستعد كل واحد من
الفريقين، فإن كان ثمة اتفاق على موادعة فإنها واجبة الوفاء في المدة، إلا إذا
تبين أن هذه الموادعة ما كانت إلا لتتفرغ لحسم أمرها مع مخالفيها، ثم تعود
للانقضاض على المسلمين إذا خرجت مظفرة، فإنه في هذه الحال يتبين أن العهد ما كان
نقيًا خالصًا، وأن الدخل قد دخله، ولا يكون ما يدل على الاستقامة في الوفاء، وفي
هذه الحال يصح أن يقال: إن المصلحة الإسلامية يجب رعايتها وينبذ العهد لخوف
الخيانة.
الشعبة
الثانية: أن يكون بين المسلمين وإحدى الدولتين المتحاربتين حلف يوجب النصرة، وفي
هذه الحال لا يمكن أن يقف المسلمون على الحياد، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم-
أعلن الحرب على قريش لما نقضوا العهد وأغاروا على خزاعة الذين انضموا إلى عهد
النبي -صلى الله عليه وسلم- فتقدم النبي -صلى الله عليه وسلم- لغزو قريش وفتح مكة
وقال ثلاث مرات: «والله لأغزون قريشًا» ولذلك كان واجب الوفاء بالعهد يتقاضى
النبي صلى الله عليه وسلم أن يتقدم بالنصرة، وكذلك الشأن لمن جاءوا بعده من أصحابه
والذين اتبعوهم بإحسان.
وإن
السكوت في هذه الحال يعد نقضًا للعهد، فيكون الحياد ممنوعًا، بل لا يكون له موضع،
لأن الحياد حيث يكون الموقف متساويًا بالنسبة للطرفين المتنازعين.
الشعبة
الثالثة: أن تكون كلتا الدولتين المتحاربتين لا يربطهما بالمسلمين عهد ولا ذمة
توجب الوفاء، وفي هذه نرى أن الأحكام الإسلامية توجب تجنب الدخول في هذه الحرب
لثلاثة أسباب:
أولها: إن
الأصل في العلاقة بين المسلمين وغيرهم هو السلم، فمادام لا داعي للحرب فيتعين
السلم والحياد في هذه الحال هو السلم، وتقرير الحياد لهذا نتيجة مقررة الأصل
القاعدة الإسلامية.
الثاني: إن
الحروب في هذه الحال تكون لمآرب دنيوية لا لغايات تتعلق بالأخلاق والفضيلة،
وكلاهما ظالم. ولقد قال في قريب من هذا الإمام مالك: «دعهم ينتقم الله من ظالم
بظالم ثم ينتقم من كليهما».
الثالث: إن
دخول المسلمين في هذه الحرب تأييد لأحد الفريقين الظالمين على الآخر، وتأييد الظلم
لا يجوز، ولقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «من سعى مع ظالم دخل النار».
وقد
يفرض في هذه الحال أحد فرضين -قد يتخيلهما العقل وإن كان الواقع لا يؤيدهما:
الفرض
الأول: أن تكون إحدى الدولتين المتحاربتين تدافع عن عدالة أو هي في الواقع معتدى
عليها. وهي تدفع الظالم عن نفسها، فهل يكون للدولة الإسلامية أن تتقدم لنصرتها
وتخرج عن حيادها؟ فنقول: إنه على هذا الفرض قد يجوز أن تعاون المظلوم، بشرط النظر
إلى المصلحة الإسلامية في ذلك، فإنه قد يدفع ذلك إلى أن يتقوى المظلوم وقد ينقلب
ظالمًا، مادامت الحروب لا تقوم على أساس من الأخلاق الدينية الرشيدة، وقد تكون
النتيجة لهذا الدخول أن تعتدي الدولة الأخرى على الديار الإسلامية مدفوعة بالدفاع
عن النفس.
وولي
الأمر العادل المصلح يدرس الموضوع من كل نواحيه والأحوط بلا ريب التزام الحياد.
الفرض
الثاني: أن يكون أحد الفريقين ضعيفًا يريد الآخر القوي أن يلتهمه وفي قدرة الدولة
الإسلامية أن تدفع عنه الاعتداء الغاشم، وفي هذه الحال ترى أن المبادئ الإسلامية
توجب التقدم لنصرة الضعيف، فقد دعا الإسلام إلى إعانة الملهوف ودفع العدوان ونصر
الضعيف ما بل بحر صوفة، وإن دفع الظلم من المبادئ الإسلامية ولا شك أن هذا يكون
إذا طلب الضعيف هذه النصرة ويكون من الواجب الاستجابة لطلبه، لأن دولة القرآن هي
دولة الحق فيجب أن تكون نصيرة لكل حق مؤيدة له.
- هذا هو نظر الإسلام إلى
الحياد أوجبه عندما يطلبه أحد الأقوام كما بينا في صدر الكلام عليه، ومنعه
إذا كان القتال بين الدول الإسلامية تحقيقًا لمعنى الوحدة الإسلامية، ورجحه
عندما يكون غير رافع لباطل، ومنعه عندما يكون اعتداء على ضعيف.