; من مشكلات العصر: ضعف التركيز | مجلة المجتمع

العنوان من مشكلات العصر: ضعف التركيز

الكاتب د. فتحي يكن

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1999

مشاهدات 71

نشر في العدد 1355

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 22-يونيو-1999

من مشكلات هذا العصر -وما أكثرها– مشكلة ضعف التركيز وتكاد تكون هذه المشكلة عامة ومتفاقمة، وتعاني منها النسبة الكبرى من الناس على مختلف فئاتهم وأعمارهم ومواقعهم. 

تفاقم هذه المشكلة واتساع نطاقها يجب أن يطرحها بقوة على بساط البحث والدراسة والتحليل لمعرفة أسبابها، واكتشاف مخاطرها، وبالتالي تقديم الحلول المناسبة لها. 

ماذا أعني بضعف التركيز؟

ابتداًء لا بُدَّ من تعريف واضح للتركيز: 

التركيز هو القدرة على استجماع ملكات التفكير في اتجاه موضوع واحد وقضية واحدة. 

وهو القدرة على الفصل بين الموضوعات الشتى المطروحة، وإعطاء كل موضوع حقه من الاهتمام تدبرًا وتنفيذًا. 

وهو القدرة على تصنيف الموضوعات والهموم والقضايا التي يواجهها الإنسان وفق سلم الأولويات والأهميات؛ بحيث لا يطغى الأقل أهمية على المهم، والمهم على الأهم. 

والتركيز هو القدرة على التحكم في زناد الفكر وشحذه في اتجاه القضية المراد تناولها. 

فطرية التركيز 

والتركيز حالة فطرية خلقية، وهو إحدى النعم التي أنعم الله بها على عباده ليتمكنوا من مواجهة الحياة بكل تضاريسها، وليعيشوا حياة سوية متوازنة، وليميزوا بين الخير والشر والخطأ والصواب، والصحيح والسقيم. 

والخطاب الرباني القائل: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (الأحزاب: ٤)، والتوجيه النبوي: «إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه»، إنما هو إشارة إلى ضرورة التركيز. 

كما أن الحديث النبوي المتعلق بسلامة الصلاة، والمتمثل في قوله صلي الله عليه وسلم: «ليس للإنسان من صلاته إلا ما عقل منها»، إنما هو إشارة واضحة إلى أهمية التركيز ابتدًاء وانتهًاء. 

بل إن الآيات التي تصف الناجحين والموفقين بأنهم قوم يتفكرون ويعقلون ويبصرون الدليل على فطرية التركيز في تكوين الإنسان. 

من هنا كان ضعف التركيز وانعدامه حالة مرضية شاذة يجب أن تعالج وليس حالة طبيعية مع التسليم بتفاوت القدرات الذهنية بين الناس. 

أما المصابون بخلل عقلي وضعف خلقي في الاستيعاب والتركيز فهؤلاء في الأساس هم المستثنون، والمعفون من الحساب، لسقوط التكليف عنهم، وهذا دليل في حد ذاته على أن الأصل هو القدرة على التركيز: «رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل» «رواه الترمذي». 

 

محاسن التركيز 

نستطيع القول إن امتلاك القدرة على التركيز يعني امتلاك القدرة على ممارسة الحياة ممارسة صحية وسليمة في كل مجالاتها: 

فالنجاح في التجارة يحتاج إلى تركيز وإعمال فكر. 

والنجاح في التعليم والتعلم يحتاج إلى تركيز وشحذ ذهن. 

والنجاح في السياسة يحتاج إلى التركيز وإشغال النظر.

والنجاح في الدعوة يحتاج إلى التركيز والعمل بالحكمة والموعظة الحسنة. 

وهكذا الإنسان في حياته الخاصة والعامة، في البيت والمدرسة والجامعة، في الصناعة والتجارة، في العلاقات الاجتماعية والدبلوماسية والسياسية، لا غنى له عن التركيز لأنه بدونه لا محالة فارغ وضائع وفاشل.

التركيز يقوى ويضعف: والتركيز كقدرة ذهنية وطاقة عقلية عرضة للقوة والضعف، والزيادة والنقصان كأي قدرة وطاقة أخرى، بل إن هذه الطاقة أكثر عرضة للتغير من غيرها. 

من أسباب قوة التركيز وضعفه

لضعف التركيز أسباب متعددة متنوعة منها الحسي، ومنها النفسي، ومنها المادي، ومنها المعنوي. 

إن معرفة الإنسان للوجود، وتحديده لغايته في هذه الحياة يعتبر الخطوة الأولى على طريق التركيز، بل هو الذي يضع الإنسان على السكة الصحيحة والطريق القويم، وهو بالتالي يعينه على استجماع كل شيء وتوجيهه في هذا الاتجاه. 

والإيمان بالله تعالى من شأنه أن يمنح الإنسان سكينة وطمأنينة تساعدانه على تسخير ما أنعم الله به عليه من طاقات واستنهاض ما حباه به من إمكانات قد لا تتوافر لسواه، فالتركيز وليد الصفاء ونتاج الطمأنينة، وقد يستحيل على المكدر والمضطرب والقلق امتلاك القدرة على التركيز، وصدق الله تعالى حيث يقول: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: ٢٨). 

والطاعة والعبادة وأعمال البر والدعوة والجهاد، والبذل والعطاء وإحسانها والإكثار منها يجلي غبش النفوس وكدرها، ويشحذ ملكات الأذهان وقدراتها، في حين أن المعاصي والآثام وإتيان المنكرات يطفئ نور القلوب وشعلة العقول وصدق الإمام الشافعي حيث يقول: 

شَكَوتُ إِلى وَكيعٍ سوءَ حِفظي

                              فَأَرشَدَني إِلى تَركِ المَعاصي

وَأَخبَرَني بِأَنَّ العِلمَ نورٌ

                         وَنورُ اللَهِ لا يُهدى لِعاصي

واتباع السلوك النبوي في كل مجالات الحياة من شأنه أن يضمن سلامة الإنسان في تفكيره وسلوكه، وجاء في الأثر: « مَنْ عَمِل بِمَا علِم ورَّثه الله علمَ ما لمْ يعلم ». 

  • فكثرة الطعام وإدخال الطعام على الطعام، يدمران القدرة على التفكير والتركيز، ويجعلان الإنسان إناء مملوءًا بالأطعمة والأشربة والأبخرة التي تخدر الطاقة الذهنية تخديرًا كليًا، وما يقال في شهوة البطن يقال في شهوة الفرج. 

  • وعدم إعطاء الجسد حقه من النوم الفطري الصحيح من غير منومات ولا مهدئات، واعتماد نوم آخر الليل عوضًا عن أوله، واستبدال نوم الليل بنوم النهار –كما هو الحال في معظم بلادنا– من شأنه أن يضعف القدرة على الاستيعاب والتركيز فضلًا عن الإنتاج والعطاء. 

  • ومتابعة البرامج الأسطورية والأفلام الافتراضية عبر الفضائيات وأجهزة الكمبيوتر والإنترنت من غير ضوابط وحدود، وقواعد من شأنه -وكما يقول علماء الغرب– أن يدمر الحجيرات الذهنية، ويتلف القدرات العقلية، ويؤدي إلى انعدام الوزن والذهول، وتشتيت التفكير، وبالتالي انعدام التركيز. 

أظن أن هذه المعضلة تحتاج من الدعاة والمربين ومن مؤسسات الدعوة والتربية والتعليم الأهلية والرسمية التأمل والتفكير، لوضع حلول جذرية تحول دون وقوع كارثة اجتماعية وخيمة العواقب.

 

الرابط المختصر :