العنوان من هدي المصطفى ﷺ في رمضان
الكاتب د. مسعود صبري
تاريخ النشر السبت 22-أكتوبر-2005
مشاهدات 60
نشر في العدد 1674
نشر في الصفحة 40
السبت 22-أكتوبر-2005
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي. للصائم فرحتان : فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».
ما أجمل أن نعرف حال الرسول ﷺ في رمضان حتى نهتدي بهديه، ونقتفي أثره، ومعرفتنا بهديه ﷺ تكون من خلال أحاديثه والأحوال التي نقلها عنه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
وأول ما يطالعنا في حال الرسول ﷺ في رمضان، هو الاستعداد له قبل مجيئه بل وتذكير الناس بما فيه من فضل عظيم، وشحذ الهمم لذلك، ووضع برنامج عملي بشكل كامل، حتى يكون خطة قابلة للتنفيذ، كما ورد عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله ﷺ في آخر يوم من شعبان فقال: «يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر جعل الله تعالى صيامه فريضة وقيام ليله تطوعًا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه رزق المؤمن، من فطر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره، من غير أن ينقص من أجره شيء. قالوا : يا رسول الله، ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم؟ فقال رسول الله ﷺ: يعطي الله عز وجل هذا الثواب من فطر صائماً على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن.
وهذا شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، فمن خفف عن مملوكه فيه غفر الله تعالى له وأعتقه من النار، استكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم عز وجل وخصلتين لا غنى لكم عنهما .. أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم عز وجل فشهادة أن لا إله إلا الله وأن تستغفروه، وأما الخصلتان اللتان لا غنى لكم عنهما فتسألون الله تعالى الجنة وتعوذون به من النار.. ومن سقى صائماً سقاه الله تعالى من حوض شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة.
كما كان من هديه التشوف لرمضان والدعاء بذلك وبلغنا رمضان.
التنوع في العبادات
وكان من هديه أنه ينوع في العبادات في رمضان، وأن يكثر منها، كما قال الإمام ابن القيم: وكان من هديه في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات.
فكان جبريل عليه الصلاة والسلام يدارسه القرآن في رمضان.
وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان، يكثر فيه من الصدقة والإحسان، وتلاوة القرآن، والصلاة والذكر والاعتكاف، وكان يخص رمضان من العبادة بما لا يخص غيره به من الشهور حتى إنه كان ليواصل فيه أحيانا ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة.
إذن أبرز عبادات الرسول في رمضان:
(۱) مدارسة القرآن الكريم.
(۲) التحلي بصفة الجود والكرم
(۳) تفطير الصائمين، فكان يفطر الصائمين، ويحث على ذلك فيقول ﷺ : «من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً».. (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه).
(٤) الإكثار من تلاوة القرآن والتلاوة غير المدارسة.
(٥) الإكثار من الصلاة من النوافل والسنن والقيام والتهجد، وكان يقول ﷺ: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» (متفق عليه، بل ويدعو للمحافظة على التراويح مع الإمام حتى ينصرف، فيروى عنه قوله : «من قام مع إمامه حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» (رواه أصحاب السنن).
(6) الإكثار من ذكر الله تعالى، من أذكار الحال، وأذكار الصباح والمساء، والاستغفار وغير ذلك من الذكر.
(۷) المحافظة على سنة الاعتكاف، في العشر الأواخر من رمضان، فقد كان النبي يعتكف العشر الأواخر، ولما كان آخر عام له. اعتكف عشرين يومًا.
(۸) العمرة في رمضان، وكان النبي ﷺ يحث على العمرة في رمضان، ويقول: «عمرة في رمضان تعدل حجة معي» (متفق عليه) وذلك حتى يتسارع الناس ويتسابقون لأداء العمرة في هذا الشهر الكريم.
(۹) تحري ليلة القدر، كما قال ﷺ: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (رواه البخاري وغيره).
وفي الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر فبم أدعو ؟ قال : قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» .. (رواه الترمذي والحاكم).
(۱۰) التحلي بالأخلاق الفاضلة، وحسن معاملة الناس، وخاصة في رمضان، وأن يكون للصيام تأثير على أخلاق الإنسان، كما ورد عنه ﷺ: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (رواه البخاري وأصحاب السنن). وقوله : «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا التعب والنصب» (رواه ابن ماجه).
وقد خاطب الرسول ﷺ معشر الصائمين قائلا : «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصحب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم» (متفق عليه). وفي الإعلان عن الصيام هنا إشارة إلى التزام قواعد الصيام، والتبرؤ من كل ما يناقضه من قول سيئ، أو فعل فاحش، وأن المسلم التزم منهج المؤمنين في الصيام.
هديه في الإفطار
كان يفطر ﷺ قبل أن يصلي، وكان فطره على رطبات إن وجدها، فإن لم يجدها فعلى تمرات، فإن لم يجد فعلى حسوات من ماء. وفي ذلك يقول الدكتور محمد أحمد المسير: « من السنة تعجيل الفطر عقب تحقق غروب الشمس، فذلك أنشط للصائم، لأن الإنسان بعد أداء صيام اليوم قد يعتريه فتور لا يتناسب معه أداء صلاة المغرب على الفور.. وأيضاً فإن استشعار المسلم بأداء الصوم يقتضي أن يعلم بانتهاء الوقت المحدد وأن يخرج من الصوم لكي يفرح بتوفيق الله له. وهذا الخروج من الصوم لا يتحقق إلا بتناول الطعام الذي كان محظورًا عليه.. ويتحقق تعجيل الفطر بتناول أي شيء يقطع الصوم كتمرات أو بعض الماء، ثم يصلي المغرب وبعدها يتناول طعامه.
ولا بأس من أن يتم الإنسان فطره كاملًا ثم يصلي المغرب إذا كان في حاجة إلى الطعام ويشق عليه إحسان الصلاة مع انتظار الطعام».
مدارسة القرآن والإكثار من صلاة النوافل والاعتكاف من هدي الرسول في الشهر الفضيل
ويقول الدكتور حسان شمسي باشا : «ووراء التعجيل بالإفطار فوائد طبية وآثار صحية ونفسية مهمة للصائمين، فالصائم في أمس الحاجة إلى ما يذهب شعور الظمأ والجوع، والتأخير في الإفطار يزيد انخفاض سكر الدم ويؤدي إلى الشعور بالهبوط العام، وهو تعذيب نفسي تأباه الشريعة السمحاء. ومن سنن الرسول ﷺ أنه كان يعجل فطره، ويعجل صلاة المغرب، حيث كان يقدمها على إكمال طعام فطره، وفي ذلك حكمة بالغة. فدخول كمية بسيطة من الطعام للمعدة ثم تركها فترة دون إدخال طعام آخر عليها يعد منبهًا بسيطًا للمعدة والأمعاء، ويزيل في الوقت نفسه الشعور بالنهم والشراهة والإكثار من الدعاء.
وروي عنه أنه كان يقول عند فطره «اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت فتقبل منا إنك أنت السميع العليم».. (رواه الطبراني وابن السني، وهو عند أبي داود بدون الزيادة الأخيرة).
وأخرج أبو داود أنه كان يقول: «اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت. وروي عنه أنه كان يقول: ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله تعالى».. وكان يحث على الدعاء عند الفطر، ويقول: «إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد» (رواه ابن ماجه).
وكان من هديه ﷺ الحرص على تناول طعام السحور، كما ورد ففي الحديث الصحيح: «تسحروا فإن السحور بركة» (متفق عليه). وعنه ﷺ أنه قال : «ولا تزال أمتي بخير ما عجلوا بالفطر وأخروا السحور» (رواه أحمد).
ويعلل العلماء تأخير السحور لأنه يقوي المرء ويجعله قادرًا على الصيام، ويخفف مشقته، كما أن فيه الاستيقاظ مبكراً، وهو مظنة الذكر والاستغفار في السحر، والدعاء في مثل الوقت مقبول، وهو وقت تتنزل فيه الرحمات والنفحات، ويستعد فيه المسلم أيضًا لصلاة الفجر، فيجمع المسلم بين التقوي على الصوم، وبين أداء هذه العبادات.
وحين يفعل المسلم تلك العبادات التي كان يؤديها النبي ﷺ ، ويلتزم بهديه في آدابه، فإنه يعيش رمضان، كما كان الرسول ﷺ يعيشه، محاولًا الاقتداء به، لينال الفلاح في الدارين، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب :21).