العنوان من يقف مع الرئيس سيزار؟
الكاتب مصطفي محمد الطحان
تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-2000
مشاهدات 67
نشر في العدد 1426
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 14-نوفمبر-2000
لم يقل أربكان أو يفعل أكثر مما يقوله ويفعله سيزار اليوم ولكن ربما تشفع للأخير علمانيته وتأييده للغرب
انشغلت الصحف التركية مؤخراً بالمواقف الحاسمة التي وقفها رئيس المحكمة الدستورية سابقاً رئيس الجمهورية حالياً أحمد نجدت سيزار.. بين مؤيد لمواقفه ومعارض لها.. الحكومة يتطاير الشرر من عينيها ضده، أما العسكر فقد وجهوا إنذارهم له.
فماذا فعل أحمد سيزار حتى أثار كل هذه الضجة؟
أصدرت حكومة بولنت أجاويد مرسوماً يقضي بطرد كل موظف يشتبه بميوله الإسلامية، أو له علاقة بالقضية الكردية، بناء على تقرير يقدمه مفتشان أو مخبران وأرسل المرسوم إلى رئيس الجمهورية ليوقعه، وهنا كانت المفاجأة فقد رفض الرئيس توقيع المرسوم وعلل ذلك بأن مسألة كهذه تستلزم قانوناً لا مرسوماً، فهي على هذا النحو تخالف الدستور وتتعارض مع حقوق الإنسان، خصوصاً أنها تؤدي إلى طرد الاف الموظفين دون محاكمة أو إعطائهم حق الدفاع عن أنفسهم وغضب أركان، الحكومة غضباً شديداً.. وأعادوا المرسوم ثانية للرئيس مشفوعاً بتهديدات صدرت عن رئيس أركان الجيش، وتصريحات نارية صدرت عن بعض الوزراء بضرورة تحديد صلاحيات، الرئيس، وبعضهم طالب بعزله هجمة صحفية مريرة لفتت نظر الرئيس إن كان لا يعلم بأن رفضه توقيع المرسوم مشكلة خطيرة، فهو يعرقل المعركة التي تخوضها تركيا دفاعاً، مبادئها العلمانية، وموقف الرئيس يجعل من الصعوبة، على الحكومة أن تقوم بدورها وتحمي النظام الدستوري في البلاد!
رفض الرئيس المرسوم للمرة الثانية، وضمن الرفض قوله إنه مع النظام العلماني وليس مؤيداً للرجعية أو الانفصاليين بحال،إلا أنه عبر عن ضرورة إصلاح النظام والدستور، وسيادة القانون والديمقراطية ومرسوم الحكومة مناقض لكل ما سبق، إذ يكفي قرار مخبرين لطرد أي موظف وبعدها يحق له أن يلجأ للقضاء لإثبات براءته أي أن المتهم مدان حتى تثبت براءته.
ورفض سيزار كذلك التوقيع على مرسوم حكومي آخر يقضي بخصخصة ثلاثة بنوك حسبما تعهدت تركيا في اتفاقها مع البنك الدولي ضمن خطتها لمحاربة التضخم وحصولها على قرض مقداره بليون ونصف البليون دولار، وطلب سيزار عرض المرسوم على البرلمان الذي كان على وشك استئناف عمله بعد انقضاء عطلته وادعت الحكومة أن ذلك سيؤخر تنفيذ المرسوم وحصول تركيا على القرض!
وبالطبع لا بد من معرفة الأسباب الحقيقية التي تجنبت الحكومة ذكرها حول هذا المرسوم الذي تريد تمريره قبل يوم واحد من استئناف البرلمان عمله هذه البنوك يرأسها أقارب ديميريل الرئيس السابق وهو الذي وقع مرسوماً قبل نهاية خدمته بأيام يقضي بأن تخصخص الحكومة البنوك المهددة بالإفلاس.
ولقد أفلست هذه البنوك بالفعل بعد أن نقل أقارب ديميرال خزائنها إلى جيوبهم وأصبح إلزاماً على الحكومة أن تخصخصها.. ألم نقل إن الاقتصاد المتدهور سببه الفساد وأن الفساد يشمل الجميع، واتهم هذه المرة الرئيس سيزار رئيس الوزراء اجاويد بالخروج على القانون ونصحه بأن يعرض مراسيمه على البرلمان.
موقف آخر لا يقل خطورة عن الموقف السابق وقفه رئيس الجمهورية من تعيينات هيئة التعليم العالي لرؤساء الجامعات، فقد أعاد القائمة التي اعتمدها مجلس التعليم العالي والتي تضم أسماء المرشحين لرئاسة ٢٢ جامعة تركية بحجة أن الأمر تم بصورة غير ديمقراطية.
ينص القانون على إجراء الانتخابات في كل جامعة بين المرشحين من أعضاء الهيئة التعليمية الرئاسة الجامعة لتحديد ستة من الذين حصلوا على أكثرية الأصوات وتقديم قائمة بأسماء الأشخاص السنة إلى مجلس التعليم العالي الذي يقوم بعرض قائمة على رئيس الجمهورية بأسماء ثلاثة منهم يكونون عادة من الحاصلين على أغلبية الأصوات ويقوم رئيس الجمهورية باختيار واحد منهم لمنصب رئاسة الجامعة.
مجلس التعليم العالي قدم هذه المرة قوائم تضم أسماء الثلاثة الحاصلين على أقل الأصوات بعضهم حصل على صوت واحد فقط هو صوته.
قضية الجامعات في غاية الأهمية، فهي التي في أذهان الجيل تؤكد الفكر العلماني الغربي وعمداء الجامعات هم الذين يمنعون الطالبات المحجبات من دخول الكليات ولهذا فقد كان رؤساء الجمهوريات السابقين وخاصة ديميريل يعين هؤلاء الذين لم ينتخبهم أحد لتنفيذ سياسات الإقصاء..
فلسفة الحكم
لقد لخص الرئيس سيزار الذي يتعرض لحملة شرسة من أرباب الحكومة، فلسفته في الحكم في الخطاب الذي القاه بمناسبة افتتاح الدورة الحادية والعشرين للبرلمان، وقوبلت أفكاره بعاصفة من التصفيق.
لم يتحدث الرئيس عن مشكلات تركيا المعروفة ولكنه تحدث عن كيفية النهوض بالبلاد والوصول بها إلى مراتب الدول المتقدمة المتحضرة.
شدد في كلمته على سيادة القانون وضرورة التزام القيادات الحاكمة به قبل الشعب وقال «إن أهم مشكلات تركيا هي أن البعض يظهر أن القوانين وضعت من أجل أن يتقيد الشعب بها فقط فيما الحكام لهم حرية الخروج عليها وقتما شاءوا».
واتجه سيزار إلى نواب البرلمان طالباً منهم إعادة النظر في الدستور الحالي وإعداد دستور جديد يضمن الحريات الفردية بشكل أوسع ويعزز فعلياً سيادة القانون.
وانتقل إلى تبرير مواقفه عندما رفض ما قدمته له الحكومة من مراسيم قانونية، مذكرا بأن صلاحيات رئيس الجمهورية تتجاوز سلطته الإجرائية إلى السلطة الرقابية والقضائية.
ودون أن يسمي الجيش علناً هذه المرة، طالب سيزار مجدداً بإخضاع كل قرارات قيادات الدولة بما فيها قرارات رئيس الجمهورية إلى سلطة القضاء، مؤكداً أنه حتى في المناطق والمحافظات التي تخضع لقانون الطوارئ – أي الحكم العسكري وغالبيتها محافظات جنوب شرقي تركيا – يجب أن تخضع الأحكام والقوانين هناك لسلطة القضاء.
ولكن ما خطورة مواقف الرئيس حتى تستوجب كل هذه الضجة؟
1– قرار تسريح الموظفين الإسلاميين إنما هو الخطوة التالية والأهم بعد الخطوة الأولى التي تمثلت بإغلاق حزب الرفاه وإسقاط حكومة أربكان، وإغلاق مدارس الأئمة والخطباء ومحاربة الحجاب الإسلامي في المدارس والجامعات والدوائر الرسمية.
فما معنى الخطوة الأولى إن لم تتلوها الخطوة الثانية المتمثلة في طرد الموظفين الإسلاميين من المدارس ومن الجامعات ومن دوائر الدولة المختلفة وما معنى أن يحارب حزب الفضيلة في البرلمان بينما يسيطر على25٪ من بلديات تركيا.
ما معنى أن تحارب الأصولية الإسلامية بينما الإسلاميون يسيطرون على شركات كبرى في الاقتصاد وعلى مراكز إعلامية قوية ومحترمة.
وحتى لا يبدو الأمر وكأنه تعسف من جانب الحكومة فقد اتفق أجاويد مع رئيس البنك الدولي بأن يسرح آلاف الموظفين حتى تتمكن تركيا من تلقي ٢.٥ مليار دولار كفرض من البنك مؤامرة داخلية وخارجية ترعاها الولايات المتحدة لإقصاء الإسلاميين من مواقع التأثير.
۲ – وخطورة أخرى ترتبت على موقف سيزار وهي الهزة التي أحدثها موقفه في المجتمع التركي والاصطفاف الذي بدأ يتشكل على شكل تيار شعبي يضم شرائح من كل الاتجاهات، كالمعارضة الإسلامية والعلمانيين الذين يؤمنون فعلاً بالديمقراطية ومن بين هؤلاء معظم كتاب الزوايا في الصحف التركية المهمة.. هؤلاء بدأوا يكتبون صراحة عن الدكتاتورية وعن مفهوم الرجعية، وهل كل من تلبس الحجاب أو يصلي الجمعة رجعي، وعن الدستور وضرورة تغييره ليساير الدساتير الديمقراطية الأوروبية وعن المادة ۳۱۲ التي تحد من الحريات العامة والتي تسببت في سجن مئات المفكرين والقادة السياسيين.
٣- هذا التيار الجديد هو الذي شجع رئيس محاكم التمييز سامي سلجوق على الدعوة إلى تغيير المادة ٣١٢ من قانون العقوبات.. وفي خطاب القاه أمام اجتماع رسمي حضره كبار المسؤولين بمناسبة بدء الدورة القضائية الجديدة وصف رئيس محاكم التمييز النظام القضائي بأنه قاصر وعاجز وشدد على ضرورة مراعاة الحكام الميول الجماهير لدى اتخاذهم القرارات معيداً إلى الأذهان أن الديمقراطية تستند إلى حكم الشعب وذكر بأن القوانين التركية ما تزال تتضمن مواد تهدد حرية الفكر «أما دستور عام1982م فقد ولد بعاهة وأن معظم بنوده تحتاج إلى تغيير جذري».
٤– هذا الموقف هو الذي شجع وزير العدل حكمت سامي تورك ليرد على تصريحات رئيسه بولنت أجاويد عندما قال: إن من المحتمل أن يكون الأصوليون قد تمكنوا خلال السنوات الماضية من التسرب داخل الجهاز القضائي وإن الحكومة شرعت باتخاذ التدابير اللازمة لقطع الطريق على التسربات الأصولية الرجعية وعلى تصريحات رئيس الأركان حسين كيفرك أوغلو الذي قال: إن الدولة والقضاء ملينان بالموظفين الإسلاميين، ودعا السياسيين إلى الاقتداء بالجيش في كيفية التعامل مع هؤلاء، فرد وزير العدل بأنه ليس من حق أحد أن يتهم القضاء دون دليل، وعلى من يملك مثل هذا الدليل أن يتقدم به إلى وزارته.
من يقف وراء سيزار؟
يتمتع سيزار الذي جاء من المجهول بشعبية كبيرة.. وفي كل يوم تنسج حوله قصة فهو يأكل من راتبه، ويذهب للتسوق مع زوجته دون حراس أو خدم ويصر على ركوب سيارته دون موكب ويقف على إشارة المرور، ويقف في الطابور مثله مثل غيره لا ندري هل هذه القصص صحيحة أم مبالغ فيها.. ولكنه يبدو ا الا دخان بلا نار ولكن الأمر «في الغالب» أكبر من ذلك وترجح أن يكون الغرب الذي يخشى استفحال الأصولية في تركيا، هو الذي يقف وراء الرئيس، فللغرب أساليبه المختلفة في محاربة الإسلام.
أما أمريكا والكيان الصهيوني فيركزان على الجيش كأسهل الحلول وأقربها تناولاً، وأما أوروبا فتعتقد أن حرب الأصولية بهذا الأسلوب القمعي الاستفزازي سيزيدها رسوخاً.. وهي تريد أن تعالج الأمر بطريقة مختلفة بالنفس الطويل، والديمقراطية الغربية التي تبدل المفاهيم بالتدريج ولا نستبعد أن يكون ثناء الغرب على كفاءة سيزار يسير في هذا الاتجاه.
هل يلقى المصير ذاته؟
ونحن نتساءل: هل يلقى سيزار مصير أربكان؟ فأربكان لم يفعل ولم يقل أكثر مما فعله أو قاله رئيس الجمهورية اليوم.. أم تشفع له علمانيته وتأييد الغرب له؟