; من ينقذ حضارة وادي الرافدين؟ | مجلة المجتمع

العنوان من ينقذ حضارة وادي الرافدين؟

الكاتب إسراء علي

تاريخ النشر السبت 05-يوليو-2008

مشاهدات 65

نشر في العدد 1809

نشر في الصفحة 20

السبت 05-يوليو-2008

(100) ألف قطعة أثرية اختفت في ظل الاحتلال

أدى الاجتياح الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣م، والفراغ الأمني الحاصل آنذاك، إلى حدوث عمليات نهب الجميع مرافق الدولة وهذا ناتج طبيعي لدولة يغيب فيها القانون كليا، بعد حل الجيش والشرطة، وإمساك قوات الاحتلال بزمام الأمن الداخلي، مما ساعد على تفشي حالات السرقة بشكل مستمر.

والمحزن في الأمر أن تمتد عمليات النهب لتطال المخزون التراثي الثقافي الحضاري لبلاد الرافدين، التي تعد أحد أغنى وأقدم حضارات العالم؛ إذ تعود إلى أكثر من أربعة آلاف عام قبل الميلاد.

وقد تعرضت الآثار العراقية لعمليات واسعة من السرقة والتهريب من متاحف بغداد والمناطق الأثرية الموجودة على امتداد البلاد، قامت بها عصابات مافيا دولية منظمة ومحترفة تحت أنظار قوات الاحتلال دون أي تدخل منها لوقف هذه الأعمال التي تمثل أكبر عملية سطو لثقافات الشعوب في التاريخ الحديث، رغم مسؤوليتها القانونية بموجب المادة (۲۷) من اتفاقية «لاهاي» لسنة ۱۹۰۷م، واتفاقية لاهاي السنة ١٩٥٤م، وبموجب البروتوكول الأول والثاني لسنة ۱۹۷۷م، والتطبيقات القضائية التي سادت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتضمنت أحكامًا بحق العسكريين النازيين الذين ارتكبوا جرائم مماثلة في بعض دول أوروبا.

الباحث المتخصص بالمخطوطات «أسامة النقشبندي» كشف عن فقدان عدد كبير من المخطوطات أثناء الغزوات التي تعرضت لها بلاد الرافدين على مر التاريخ، مؤكدًا أن بعض المخطوطات سُرقت علنًا ومثبتة بالوثائق، منها ما سرقه يهوذا البغدادي عام ١٩٥٢م، وباعها تهريبًا إلى مكتبة «برزدنت» الأمريكية بمبلغ ٧٥ ألف دولار، وهناك مخطوطات تم تهريبها قبل الاحتلال بسنوات تمثل التراث العلمي، واشترتها من المهربين مكتبة وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» ولا تزال مخطوطات كثيرة هناك، إضافة إلى مخطوطات «لفائف» يهودية من البردي.

تدمير الآثار!

الدكتور «دوني جورج» الرئيس السابق للهيئة العامة للآثار والتراث في العراق والمدير السابق لمتحف بغداد الذي غادر العراق عام ٢٠٠٦م بعد تلقيه تهديدات بالقتل ذكر في وقت سابق أن القوات الأمريكية الغازية قامت بإنزال على موقع في تل اللحم بمحافظة «ذي قار» خلال حرب ۱۹۹۱م، وبعد حفر مواضع للآليات عثروا على كميات من الآثار يصعب معرفة عددها فأخذوها معهم ودمروا جزءًا كبيرًا منها. 

وفي مدينة «أور» التاريخية التي كان يقطنها سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام قامت قوات الاحتلال بتسيير دباباتها عن عمد وبكل ثقلها في موقع المدينة، فكانت النتيجة تحطيم القطع الأثرية المدفونة غير المكتشفة.

وأضاف: وجدنا الجدار الجنوبي للمدينة الأثرية وقد أصابته ٤٠٠ طلقة مدفع رشاش خاص بالدبابات تعبيرًا عن الحقد الدفين للعرب وتاريخهم، وما نجا من آثار العراق من السرقة لم ينج من التدمير المتعمد من قبل قوات الاحتلال.

وحول اقتحام قاعات المتحف العراقي وخزائنه أكد «جورج» وجود أدلة وحقائق تثبت أن سرقة الآثار من المتحف العراقي في بغداد تم بشكل منظم خلال الأيام الأولى للاحتلال عام ۲۰۰۳م نفذتها عصابات مدربة، ويدل على ذلك طريقة اقتحامهم للمبنى؛ إذ دخلوا بعد ثقب الجدران والنوافذ وإحداث الفجوات فيها.

وأشار «جورج» إلى أن اللصوص كانوا يعرفون ما يريدون، فهناك نسخة طبق الأصل من المسلة السوداء الشريعة حمورابي الموجودة في متحف اللوفر» في باريس لم يسرقوها لمعرفتهم بعدم أصليتها موضحًا أن وحدة للدبابات الأمريكية كانت موجودة على بعد ٥٠ مترًا من مبنى المتحف صباح الأربعاء ١٢ أبريل ٢٠٠٣م، وحين طلب العاملون في المتحف من ضباط الوحدة حماية المتحف رفضوا.

وعبر «جورج» عن انزعاجه الشديد عندما تذكر ذهابه شخصيًّا إلى مقر قوات مشاة البحرية الأمريكية المارينز ليطلب النجدة، إلا إنهم لم يُعيروا رجاءه اهتماما يُذكر، وأبلغوه بأنه ليس لديهم أوامر للقيام بهذه المهمة.

نهب متحف بغداد

صدر كتاب بعنوان «نهب المتحف العراقي» ساهم فيه عدد من أبرز علماء الآثار في العراق، أورد معلومات عن العثور على ٧ آلاف قطعة من أصل ١٥ ألف قطعة سُرقت من متحف بغداد بعد الاحتلال واسترجاع آلاف منها من داخل العراق والعثور على (۲۰۰۰) قطعة في الأردن، و (٥٠٠) في فرنسا، و (۳۰۰) في إيطاليا وسورية و (٢٥٠) في سويسرا لم تتم إعادتها فيما يلف الغموض مصير مجموعة الأختام السومرية البالغة نحو ٦ آلاف ختم يعود معظمها إلى أوائل عصر الكتابة والتدوين.

١٠٠ ألف قطعة مسروقة

سرق من جميع مناطق العراق حوالي ۱۰۰ ألف قطعة أثرية بينها أشهر القطع في العالم مثل القناع الذهبي لسرجون الأكدي» «٢٥٠٠ قبل الميلاد»، و«قيثارة أور» (٣٥٠٠ ق.م)، وتماثيل سومرية كبيرة، وكذلك عاجيات نمرود، التي لا تُقدر بثمن.. وقد تم العثور على تمثال الوركاء، إضافة إلى بعض الآثار المهمة الأخرى، حيث إن بعض المواطنين أخذوا آثارًا من المتاحف وسط الفوضى واحتفظوا بها في منازلهم لحمايتها ثم أعادوها إلى متاحفها بعد ذلك. 

ويورد «جورج» إحصائية أخرى لمجمل القطع المسروقة، والتي تبلغ نحو ١٥ ألف قطعة أعيد منها (۳۷۰۹) وتم استرداد (۸۲۲) قطعة عبر الشرطة الإيطالية المتخصصة بسرقة المواد الثقافية، لكن المفقود منها لايزال كبيرًا. ويحتاج إلى وقت وجهد واهتمام من مختلف الأطراف حتى يمكن جمعها، حيث سيجري ذلك بالتوازي مع عملية إعادة تأهيل مختبر المتحف وتدريب كوادر متخصصة بأعمال الترميم تكون قادرة على إنجاز مهمات كبيرة ومعقدة، تتجاوز آثار الخراب والتشويه الذي لحق بأقدم القطع والتماثيل الموجودة على وجه الأرض.

تحذيرات دولية

يُذكر أن مؤسسات مهمة في الولايات المتحدة وبريطانيا منها المعهد الأثري الأمريكي، وجامعة أكسفورد، والمتحف البريطاني، ومؤسسات عالمية أخرى معنية بالآثار والتراث، إضافة إلى مستشارين ثقافيين للبيت الأبيض حذروا الإدارة الأمريكية و«البنتاجون» قبل الحرب من هذا الأمر، وتم تزويدهم بإحداثيات للمواقع الأثرية المهمة والمتاحف والمراكز الفنية، وذلك ضمن سجلات وقوائم ضمت آلاف الأسماء، لكنها لم تمر التحذيرات أي أهمية.

ويقول «د. جورج»: إن ثلاث مجموعات دخلت إلى المتحف توزعت بين أروقته لكل منها مهمة؛ حيث تكفلت جميعها بالقضاء على المتحف بشكل كامل، حتى قطع الأثاث والمعدات التكنولوجية والمكتبية وصور الأرشيف والمقاعد والطاولات وكان أخطرها المجموعة التي سلكت طريقًا غير معروف حتى للعاملين في المتحف للوصول إلى المخازن وسرقة أكثر من خمسة آلاف ختم أسطواني وبعض الحلي الذهبية التي تعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد.. وعندما وصلت تلك المجموعة إلى القاعة البابلية قام أفرادها بتحطيم رؤوس تماثيل الأسود لعدم قدرتهم على سرقتها نظرًا لكبر حجمها. وكأنهم كانوا يعملون وفق قاعدة خذوا ما تستطيعون حمله أما ما تبقى فحطموه، أو أحرقوه وقد تأثرت مقتنيات المتحف بشكل كبير جراء التحطيم المتعمد، وأهمها مجموعة العاجيات التي تحتاج إلى عملية ترميم معقدة وكذلك موناليزا نمرود الشهيرة بابتسامتها وجميع التماثيل التي لم يتمكن السارقون من حملها فقاموا بتحطيمها.

آثار يشتريها اليهود

هناك مخطوطة يعود تاريخها إلى ألف عام كتبت على الرق تمت سرقتها من دار صدام للمخطوطات وقد يصل ثمنها إلى مائة ألف دولار، وثلاثة سيوف فضية مكتوب عليها بحروف ذهبية جمل عبرية من التوراة يعود تاريخها إلى أكثر من خمسمائة عام تم نقلها من معبد يهودي يقع في شارع المستنصر بجانب الرصافة من بغداد وقد اشتراها تاجر آثار وتحف يهودي مقيم في «إسرائيل» يتردد على العاصمة الأردنية عمان بين فترة وأخرى لشراء هذه النوادر بمبلغ ١٥٠ ألف دولار.

وللأسف الشديد، ما زالت الآثار العراقية تتعرض للتدمير والسرقة من قبل لصوص الآثار والمرتبطين بالخارج، من خلال نيش وسرقة المواقع الأثرية.. وتعد هذه العمليات أخطر من سرقة المتحف العراقي؛ لأن الآثار في هذه المواقع غير مسجلة، ما يجعل من الصعب تتبعها علمًا بأن هذه المواقع تخضع لسيطرة القوات الأمريكية المحتلة!! 

الرابط المختصر :