; من يوقظ الفتنة في فلسطين؟ | مجلة المجتمع

العنوان من يوقظ الفتنة في فلسطين؟

الكاتب عبدالعزيز العمري

تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1989

مشاهدات 57

نشر في العدد 933

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 19-سبتمبر-1989

-       بعض عناصر المنظمات في السجن يعتبرون الصلاة والصوم خرقا للصف الوطني

-       المطلوب من القيادة الموحدة إدانة هذه التصرفات لإثبات أنها لا تحظى بمباركتهم وتأييدهم

الانتفاضة المباركة في فلسطين المحتلة أحدثت العديد من الآثار الإيجابية على صعيد الشعب الفلسطيني.. كما شكلت خطرًا حقيقيًّا هدد الكيان اليهودي وهدد استقراره.. وقد تناولنا كثيرًا تلك الجوانب الإيجابية المشرقة التي أفرزتها انتفاضة الأهل في الداخل.. واليوم آن الاوان أن نكتب عن جانب سلبي وعن ممارسات خاطئة وتصرفات مشينة ظهرت وأطلت بوجهها القبيح من بين عطاءات الانتفاضة الطيبة.. وهنا سأحصر الحديث عن المشاكل والخلافات التي افتعلها ويفتعلها «بعض» عناصر الفصائل والمنظمات في سجون الاحتلال ضد أبناء الحركة الإسلامية.

فمما لا شك فيه أن أعداد الشهداء والجرحى والمعتقلين خلال الانتفاضة من أبناء الحركة الإسلامية يفوق أعداد أمثالهم من أبناء الفصائل والمنظمات الفلسطينية الأخرى، سواء كانت فتح أو الشعبية أو الشيوعيين أو غيرهم.. وهذا أمر طبيعي ومنطقي ويتماشى مع حجم فعالية وحضور كل من الحركة الإسلامية والاتجاهات الأخرى في الانتفاضة المباركة، وهذا شرف تعتز به الحركة الإسلامية المجاهدة في فلسطين المحتلة، والتي كان لها أيضًا شرف السبق في تفجير الانتفاضة وقيادتها واستيعاب حركة الجماهير الفلسطينية الغاضبة والثائرة على الاحتلال ووجوده البغيض.. وقدمت الحركة الإسلامية أوائل شهداء الانتفاضة في الوقت الذي كان فيه البعض يراقب ويحلل الانتفاضة ومن وراءها.. حتى ذهب تفكيرهم «الوطني!» إلى أنه قد تكون سلطات الاحتلال هي التي افتعلتها؟!

الإسلاميون يملأون المعتقلات

واستمرت حملات الاعتقالات ضد أبناء الشعب الفلسطيني البطل، وشملت هذه الاعتقالات كما هو معروف العديد من أبناء التنظيمات الإسلامية وغيرها.. إلا أن أعنف وأشرس حملة اعتقالات جماعية كانت ضد أبناء الحركة الإسلامية.. حيث تناقلت وكالات الأنباء العالمية أن أعداد الذين شملتهم الاعتقالات من عناصر حماس بلغ «٩٥٠» شخصًا؛ في حين أوردت وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» أن عدد الذين اعتقلوا من أبناء حاس بلغ «٣٥٠» شخصًا. أما سلطات الاحتلال فقد أعلنت من جانبها أن عدد الذين شملتهم الاعتقالات في هذه الحملة قد بلغ «250» عنصرًا من حماس.

وهكذا فقد ملأت أعداد الشباب المسلم المجاهد سجون الاحتلال في كل المناطق مع إخوانهم من أبناء الشعب الفلسطيني، سواء أولئك الذين ينتمون إلى الجبهات والفصائل أو الذين لا ينتمون إلى أي منها.. وفي داخل السجون والمعتقلات ظهرت «وطنية!» بعض أبناء الفصائل، وظهر «كفاحهم ونضالهم!» وظهر حرصهم على «الوحدة الوطنية المزعومة»!

إنهاء الوصاية على القضية

فقاموا في بعض المعتقلات بتفريغ شحنات الحقد والغيظ من الإسلام ومن الحركة الإسلامية والشباب المسلم المجاهد.. معبرين عن استيائهم وحنقهم للدور الذي قامت به الحركة الإسلامية بقيادة حماس في مواجهة الاحتلال وقيادة جماهير الشعب الفلسطيني وتنظيم الفعاليات والمواجهات الناجحة.. والتي كان تفاعل الجماهير الرائع معها إيذانًا ببدء مرحلة جديدة.. مرحلة الإسلام في مواجهة اليهود.. ومرحلة إنهاء الوصاية على القضية وعلى «العمل الوطني»، وإلغاء احتكار قيادة الجماهير الذي حاولت «وتحاول» هذه الفصائل أن تمارسه وتمنع الحركة الإسلامية منه.

هذا الدور الجديد، وهذا التنامي الرائع لشعبية الحركة الإسلامية ولجهادها، يبدو أنه لم يرق للبعض ممن كان في السابق يغرق الحركة الإسلامية والدور الإسلامي ببحر من الشائعات والتهم.. لتبقى الفصائل العلمانية والشيوعية تمارس وصايتها -بلا رقيب ولا حسيب- على الشعب الفلسطيني المسكين.

فماذا حدث في سجون الاحتلال؟!

أورد فيما يلي عرضًا موجزًا «لبعض» الممارسات الخاطئة التي حدثت في سجون الاحتلال والتي تضمنتها رسائل أو تقارير المعتقلين من أبناء الحركة الإسلامية في سجون الاحتلال:

- أحد عناصر الفصائل يقف في أحد المعتقلات ويقول بأعلى صوته، والغضب ظاهر على قسمات وجهه: «تمنع الدعوة إلى الصلاة والصوم، فهذا تنظير باسم الدين، وهذا خرق للصف الوطني». ثم أخذ يهدد بالضرب والتشهير لمن يدعو إلى مثل هذه الدعوات.

- في معظم السجون والمعتقلات يمنع أبناء الحركة الإسلامية من القيام بإعطاء الدروس وخطب الجمعة وإمامة الصلاة، ويدفع أبناء الفصائل ببعض الجهلة ممن لا يعلمون من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه.. ليقوموا بالخطب والإمامة.. على طريقتهم.

- ثلاثة شبان من الاتجاه الإسلامي فاتتهم صلاة الجماعة، فصلوا جماعة، فحضر موجه القسم من أبناء الفصائل وهم يصلون، فقال لمن حولهم: من سمح لهؤلاء بأن يصلوا جماعة؟! وكان الذين من حوله من اليساريين الماركسيين، فقالوا له: الله أمرهم بهذا. فقال لهم: هذا ممنوع، وعاتبهم على فعلتهم الخاطئة حسب رأيه!

- مجموعة من الشباب المسلم تقدر بخمسة شباب أنشدوا نشيدًا إسلاميًّا، وكانت النتيجة أن استفرد بعض المناضلين من أبناء الفصائل بهؤلاء الخمسة فضربوهم وجلدوهم واتهموهم بخرق الصف الوطني وأنهم «من الطابور الخامس».

- بالنسبة لتحديد الاتجاهات داخل المعتقل، لا يسمح بذلك إلا للشعبية والديمقراطية وفتح والشيوعي. أما الحركة الإسلامية فيعتبرونها خارجة عن الصف الوطني.. ويحاولون منع الشباب المسلم من أي تجمع تحت راية الحركة الإسلامية.. ويحاولون إجبار الشباب المسلم على البقاء «إداريًّا» تحت تنظيم الشيوعيين أو أي تنظيم آخر، ولا يسمح لهم بالاستقلالية...

- أثناء الجلسات، كل فصيل يأخذ جلساته في خيمته الخاصة به.. ويحاول أبناء الفصائل منع الشباب السلم من الحصول على خيمة خاصة بهم.. من أجل أن يعقدوا جلساتهم الخاصة في حر الشمس.

- يقوم أبناء الفصائل أصحاب الاتجاه العلماني بتهديد الشباب الصغار في المعتقلات بتشويه سمعتهم إذا ما أعلنوا ولاءهم للحركة الإسلامية.

- انتقل أحد أبناء الفصائل المتحرشين بالشباب المسلم من سجن مجدو إلى النقب، وحدث إشكال ما، فوقف في أيام شهر رمضان المبارك، وهو يشعل سيجارة وقال مهددًا: «يدي هذه ملطخة بدماء المسلمين في سجن مجدو».

- في كثير من الأقسام يحاولون منع حلقات القرآن والتشويش عليها، بتهمة التنظير لحماس من خلال القرآن الكريم.. في حين يعقدون باستمرار الجلسات التي تدعو إلى الإلحاد والشيوعية والعلمانية.

- في أحد المعتقلات استفردت مجموعة من عناصر المنظمات بأحد الشباب المسلم فضربوه، وأوثقوه بالمقعد ووضعوا على رأسه عشرة صحون من البلاستيك.. ثم أشعلوا فيها النيران.. فساحت على وجهه وصدره فأحدثت به حروقًا خطيرة نقل على إثرها إلى المستشفى.. وهكذا يمارسون «وطنيتهم» وكفاحهم ضد أبناء الحركة الإسلامية!

محاولات الإصلاح لم تجد

معلوماتنا تفيد أن هذه الممارسات السيئة ليست وليدة اليوم، وهي مستمرة منذ بدء الانتفاضة المباركة، وهي لم تكن محل حديث أو طرح عام من جانب الحركة الإسلامية لإعطاء المجال واسعًا لمحاولات الإصلاح ومحاولات التفاهم التي جرت عبر بعض الاتصالات مع قيادات وزعماء هذه الفصائل في الداخل.

لكن الأمر وصل حدًّا لا يمكن احتماله، ولا يمكن السكوت عليه، حيث تكررت هذه الممارسات وأصبحت طريقة يومية في تعامل بعض عناصر الفصائل مع أبناء الحركة الإسلامية.. ولم تؤد محاولات التفاهم «الأخوي» مع هؤلاء ثمارها.. وللأسف استمرأ القوم فعلتهم وتصرفاتهم..

استعراض العضلات ضد من؟!

إن عدم رد الشباب المسلم على هذه الاستفزازات وهذه الممارسات المشينة لم يكن يومًا عجزًا عن الرد، وإنما لقناعة الشباب المسلم بأن ساحة المواجهة واستعراض العضلات، هي ضد العدو المحتل وضد جنوده ومستوطنيه، وليس ضد أبناء الشعب الفلسطيني، وليس ضد عناصر الفصائل والمنظمات مهما اختلفنا معهم في الفكر وفي الرؤية، ومهما عارضنا توجهاتهم السياسية وتكتيكاتهم واستراتيجياتهم..

فالإسلاميون رغم شدة معارضتهم لتوجهات الفصائل وتنازلاتها، فإنهم يرفضون تمامًا أن تتحول هذه المعارضة إلى حالة اقتال أو نزاع أو أن تتحول عن مقاتلة اليهود إلى التحرش بعناصر الفصائل والانشغال بهم عن العدو الرئيسي.

ومع أنه من السهل جدًّا لمن أراد أن يلغي عقله أو يشطب ضميره أن يتصرف مثل تلك التصرفات المشينة، خاصة وأن العدد والقوة لا تعجز الشباب المسلم أبدًا.. إلا أن العقل والمصلحة الوطنية وضبط الأعصاب كانا دائمًا رائد الشباب المسلم في مثل هذه الحالات.

موقف طيب

وإنني إذ أثمن موقف الشباب الفلسطيني المسلم في المعتقلات إزاء هذه التصرفات المشينة لبعض عناصر المنظمات، وإذ أكبر فيهم ضبط أعصابهم، وشعورهم بالمسؤولية الوطنية، وحراجة الموقف وحساسيته، لأرجو أن يستمروا في محاولات الإصلاح الأخوي والودي وألا تستفزهم مثل هذه التصرفات المجنونة، فتزيد اللهب اشتعالًا، وعندها يفرك اليهود أيديهم فرحًا.. ساعتها نفشل وتذهب ريحنا، لا سمح الله.

الفتنة من يوقظها؟!

أقول هذا الكلام مع اعتقادي وإيماني بقول الله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ. إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )الشورى: 41) وأنه لو رد الشباب المسلم من أجل دفع المظلمة عن أنفسهم ودفع الأذى، وحتى لا يظن الآخرون أنهم عاجزون عن الرد، فإننا في هذه الحالة لا نستطيع أن نلومهم، وهذا ما أشار إليه معتقلو حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في رسالتهم التي أصدروها للرأي العام الفلسطيني بتاريخ 22/ 8/ 1989 حيث قالوا: «لكن حماس لن ترضى أبدًا أن يفسر حرصها على الوحدة والتفاهم على أنه ضعف منها، كما وأنها ترفض أن يستغل هذا الحرص للاعتداء على بعض أفرادها في المعتقلات، وإنها لتؤكد لكل من تسول له نفسه التعرض لأي معتقل من معتقليها بالإيذاء بأن يد حماس قوية وستصل إليه يومًا ما، وأنها تحتفظ لنفسها بحقها في الرد وبالأسلوب المناسب».

لكن أملنا أن يرتدع المشاغبون الجاهلون، وأن يأخذ الشباب المسلم بالعزائم وأن يتحملوا ظلم أبناء جلدتهم وأخطائهم ليس ضعفًا وقلة حيلة كما ذكرنا؛ ولكن من أجل أن تبقى الانتفاضة المباركة لا يعكر سماءها مثل هذه الفتن.. فالفتنة نائمة، ولعن الله من أيقظها.

حماس والقيادة الموحدة والميثاق المطلوب

وفي مثل هذه الأجواء، يجب أن يتحرك الحكماء وأصحاب الرأي والكلمة ويجب أن تتحرك القيادات المسئولة عن العناصر التي تحدث الفتنة والبلبلة داخل سجون الاحتلال من أجل وضع حد لكل ذلك، وإغلاق هذا الملف الأسود للأبد.. والمطلوب من الإخوة في القيادة الموحدة أن يؤكدوا رفضهم وإدانتهم لهذه التصرفات حتى يثبتوا أنها ليست سياسة من قبلهم وأنها لا تحظى بمباركتهم..

وأخيرًا أعتقد أنه بات من الأمور المستعجلة والمهمة أن تبادر قيادات حماس والقيادة الموحدة للالتقاء والاتفاق على «ميثاق شرف» ينظم التعامل والعلاقة بين الطرفين وبين عناصرها.. داخل السجون والمعتقلات.. حتى لا تتطور الأمور لأكثر من ذلك.. وساعتها لا ينفع الندم.. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )الأنفال:1).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل