; صور تربوية من البيئة الإسلامية والعربية (5) مواقف من تربية النبي صلى الله عليه وسلم للشباب | مجلة المجتمع

العنوان صور تربوية من البيئة الإسلامية والعربية (5) مواقف من تربية النبي صلى الله عليه وسلم للشباب

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 23-فبراير-2013

مشاهدات 68

نشر في العدد 2041

نشر في الصفحة 58

السبت 23-فبراير-2013

التربية بالموقف من أفعل الأساليب التربوية التي شهد لها المربون قديماً وحديثاً، وهو أسلوب نحن في أشد الاحتياج إليه الآن، بعد أن طفت على سطح الحياة مشكلات خطيرة - خاصة في الأوساط الشبابية - سواء على مستوى الفرد، أم الأسرة، أم المجتمع، أم الأمة قاطبة. ولقد استخدم الرسول الكريم هذا الأسلوب التربوي المؤثر في تربية الشباب، فتخرج في مدرسته صلى الله عليه وسلم رجال فتحوا الدنيا، ونشروا فيها الإسلام والعدل والسلام، صرنا نفخر بهم، ونعتز بتاريخهم وأمجادهم، فإذا وُجد المربي المؤثر في الشباب، فإنه يستطيع أن يربي جيلاً من الرجال يقودون الأمة إلى المجد والعلا.

ثقته صلى الله عليه وسلم بالشباب

من ذلك - على سبيل التمثيل لا الحصر - ثقته بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه عندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، حيث كلفة أن ينام مكانة تمويهاً على الأعداء من مشركي قريش، كما أسند إليه مهمة توصيل الأمانات إلى أهلها. ومن ذلك - أيضاً - تكليفه أسامة بن زيد بن حارثة قيادة الجيش إلى الشام وهو حديث السن، وكان كثير من كبار المهاجرين والأنصار في الجيش تحت إمرة أسامة رضي الله عنهم، كان من بينهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

ولا يخفى على أي مربٍّ ما لذلك من تأثر تربوي على الشخصية، فتكليف على المهام التي أُسندت إليه إنما هو تربية له وصقل لشخصيته، كذلك قيادة أسامة رضي الله عنه للجيش، إذ من شأن ذلك إكسابه مهارات القيادة والحنكة والدربة القيادية في ساحات الجهاد. ومن ذلك - أيضاً - اختياره صلى الله عليه وسلم دار الأرقم ابن أبي الأرقم لتكون مقراً لاجتماعه بأصحابه ولقائه بهم، أخذاً بالاحتياطات الأمنية، وتجنباً لكيد قريش وتآمرها وأذاها. وكان عُمْر الأرقم رضي الله عنه حينذاك قريباً من العشرين سنة! شاب في العشرين من عمره يؤ تمن على سر دعوة كاملة، بل مستقبل أمة بأسرها! ومن صور ثقة النبي صلى الله عليه وسلم بالشباب أن حملهم رسالات عبادية ودعوية، وأعطاهم كافة الصلاحيات، من هؤلاء مثلاً مصعب بن عمير سفير الإسلام إلى المدينة، ومعاذ بن جبل إلى اليمن، وأسماء بن حارثة إلى قومه، حيث أمره بتبليغ قومه صيام عاشوراء قائلاً له: «مُرْ قومك فليصوموا هذا اليوم »، قال: أرأيت إن وجدتهم قد طعموا؟ قال: «فليتموا بقية يومهم»ابن حجر العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة.

تقديره صلى الله عليه وسلم لعلم الشباب

فقد كان صلى الله عليه وسلم يثني على شباب الصحابة المهتمين بالعلم، وينزلهم منازلهم، ويبرز مكانتهم، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد - أي عبدالله بن مسعود - ومعاذ بن جبل، وأُبي من كعب، وسالم مولى حذيفة »رواه البخاري ومسلم، لقد برَّز صلى الله عليه وسلم مكانة معاذ بن جبل العلمية - وكان شاباً - بقوله: «أعلم أمتى بالحلال والحرام معاذ بن جبل .»

مبادرتهم بالعلم

لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم معلماً للشباب عندما يسألونه فقط، أو عندما يعلّم الناس مجتمعين، بل كان يخص الشباب بأن يبادرهم

بالسؤال على انفراد أو في جماعة إن لم يسألوا، ومن ذلك ابتداؤه معاذ بن جبل رضي الله عنه عندما كان رديفة، حيث قال له: «يا معاذ ابن جبل »، فأجابه معاذ: لبيك يا رسول الله وسعديك، وكررها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً، ثم قال: «هل تدرون ما حق الله على العباد؟ ،» قال معاذ: الله ورسوله أعلم، قال: «فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً »، ثم قال: «هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ »، قال معاذ: الله ورسوله أعلم، قال: «ألا يعذبهم .»

ومن ذلك ابتداؤه صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه حين قال له: «يا أبا هريرة، كن ورعاً تكن أعبد الناس، وكن قنعاً تكن أسعد الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمناً، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلماً، وأقِلّ الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب »رواه ابن ماجه.

كما أوصى صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل بالمراقبة والإخلاص والعلم والطهر، وذلك كله يزيد الإيمان في قلب العبد، فمن وصاياه صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه: «اعبد الله كأنك تراه، وأعدد نفسك في الموتى، واذكر الله عند كل حجر وشجر، وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية »رواه الطبراني والمنذري. ومن وصاياه صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه أيضاً: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن »أخرجه الترمذي.

كما أوصاه أيضاً قائلاً: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ »، قال معاذ: بلى، فأخذ بلسانه وقال: «تكف عليك هذا »، قال معاذ: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به! قال: «ثكلتك أمك يا معاذ، هل يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم »رواه أحمد والترمذي. ومن ذلك وصيته صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن عمر، فعنه رضي الله عنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل .» تلك تربية للسان الذي هو ملاك الأمر حسبما وصفه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، إذ بين الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه أن في صيانة اللسان سلامة، وأن يحذر زلله بالإمساك عن الكلام أو الإقلال منه.

يربيهم على غض البصر

يقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: «يا علي، لا تُتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة » متفق عليه. ولما سأل جريرُ بن عبد الله رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة أمره صلى الله عليه وسلم أن يصرف بصره. صحيح مسلم.

ما أحوج شبابنا في عصرنا هذا الذي يموج بالفتن والشهوات إلى هذه التربية البصرية، فكثير من الشباب قد تغلبه نفسه، ولا يستطيع أن يتحكم في هواه وشهواته، فيصبح أسيراً لنزواته، ويهوي في مستنقع الرذيلة، فيخسر الدنيا والآخرة، ويضيع بذلك شبابنا الذين هم عماد نهضة الأمة وتقدمها. رباهم على إتقان العبادة فلقد كان صلى الله عليه وسلم حريصاً على تربية الشباب على استثمار شبابهم وطاقاتهم وأوقاتهم في العمل الصالح الذي يقربهم من الله تعالى، حيث إنه من صفات الشباب التي تؤهلهم إلى إحسان الصلة بالله: النشاط، والقوة، وصفاء الذهن، والصحة، والفراغ، إذ يتمتع الشباب بهذه الصفات أكثر من غيرهم.

فعن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عبد الله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل »رواه البخاري. كما أوصى صلى الله عليه وسلم ثوبان رضي الله عنه بكثرة السجود، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: «عليك بكثرة السجود، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة »رواه مسلم.

وعن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال: «سل »، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: «أو غير ذلك؟ ،» قلت: هو ذاك، قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود »رواه مسلم وأبو داود والنسائي.

ربَّاهم بضرب الأمثال

فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى »رواه مسلم. وفي تنفيره صلى الله عليه وسلم من الرجوع في الهبة يقول: «مثل العائد في صدقته كمثل الكلب يعود في قيئه »رواه مسلم.

وللترغيب في حفظ القرآن الكريم والمحافظة عليه يقول صلى الله عليه وسلم: «إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعلقة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت »متفق عليه. ففي هذا التوجيه النبوي مثَّل النبي صلى الله عليه وسلم الشخص الذي يحفظ القرآن بصاحب الإبل المعلقة المربوطة إن جعلها مربوطة استطاع أن يمسكها، وإن أطلق رباطها صعب عليه الإمساك بها.

وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر »رواه مسلم.

إنه صلى الله عليه وسلم في هذا التوجيه النبوي يبين لأصحابه كيف يتعاملون مع القرآن، وكيف يتربون على المنهج الرباني. وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بِجَدْيٍ أسكَّ ميت فتناوله، فأخذ بأذنه، ثم قال: «أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ »، فقالوا: ما نحبُّ أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: «أتحبون أنه لكم؟ »، قالوا: والله لو كان حياً كان عيباً فيه، لأنه أسكّ فكيف وهو ميت؟ فقال: «فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم »رواه مسلم. ففي هذا الحديث أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يربي أصحابه على الزهد في الدنيا، والإقبال على الآخرة.

الرابط المختصر :