; موت العلماء | مجلة المجتمع

العنوان موت العلماء

الكاتب أحمد الفلاح

تاريخ النشر السبت 04-يونيو-2011

مشاهدات 65

نشر في العدد 1955

نشر في الصفحة 54

السبت 04-يونيو-2011

إن مصداق الترابط والتكاتف بين أفراد المجتمع المسلم أن يحزن المسلم لحزن أخيه، ويفرح لفرحه ويشارك إخوانه المسلمين شعورهم يتألم لألمهم، ويؤمل لأملهم، فهذا الشعور والتجانس ترجمة عملية لذلك الوصف النبوي البليغ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» «أخرجه الشيخان، عن أبي موسى رضي الله عنه»، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد».

كانت تلك المعالم جلية واضحة في مجتمع الرعيل الأول، فلقد صور أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في توحد شعورهم ألمًا وأملًا.

أخرج الإمام اللالكاني عن أيوب السختياني يرحمه الله تعالى أنه قال: «إني أخبر بموت الرجل من أهل السنة فكأني أفقد بعض أعضائي». وأخرج عن حماد بن زيد يرحمه الله تعالى أنه قال: «كان أيوب يبلغه موت الفتى من أصحاب الحديث فيرى ذلك فيه». 

فإذا كان هذا شعورهم عند موت الفتى والرجل العادي من أهل السنة، فكيف تكون حالهم عند موت أحد علماء السنة؟

إن قضية موت العالم، تلك القضية التي تقض المضاجع، وتهيل المدامع، وكيف لا يكون الأمر كذلك، وموت العالم موت لخير كثير، فحياة العالم غنيمة، وموته مصيبة. 

وإن مما يحمد لمجتمعنا هذا معرفته المنزلة علمائه، يصدق ذلك ويؤكده مدى التعاطف والتأثر عند حدوث عارض مرضي يصيب أحد علمائه، وأعظم من ذلك ما يحدث عند موت أحدهم، وبيننا وبين الحاقدين يوم الجنائز.

ومن الشواهد على مصيبة المجتمع في موت العالم ما رواه النقلة في وصف جنازة الإمام أحمد يرحمه الله تعالى، فقد تأثر الناس عند مرضه، وزاد تأثرهم عند خبر موته، فقد جاء في ترجمته: أنه لما تسامع الناس بمرضه دخلوا عليه أفواجًا يسلمون عليه، فكثر الجمع، ثم أغلق باب الدرب إلى بيته، فكان الناس في الشوارع والمساجد، حتى تعطل الباعة، فلما ترامت الأنباء بموته أجهشت الأصوات بالبكاء.

حتى قال بن حريث: «ما من أهل بيت لم يدخل عليهم الحزن يوم موت أحمد بن حنبل إلا بيت سوء».

عن أبي الأسود قال: قدمت المدينة، فجلست إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فمرت بهم جنازة، فأثني على صاحبها خيرًا، فقال عمر وجبت، ثم مرت الثانية فأثني على صاحبها خيرًا، فقال عمر، وجبت، ثم مر بالثالثة فأثني على صاحبها شرًا، فقال عمر: وجبت فقال أبو الأسود: فقلت: وما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة» فقلنا: وثلاثة؟ قال: «وثلاثة» فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان ثم لم نسأله عن الواحد» «رواه البخاري». 

تأسي الصحابة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم لقول عمر وجبت.

  • المعتبرون في هذه الشهادة هم أهل الصلاح والفضل والصدق.
  • استبيان فضيلة هذه الأمة.
  • جواز الشاء على الميت بخلاف الحي حتى لا يغتر وينحرف المؤمنون شهداء الله في أرضه، وهذه الشهادة لا تختص بالصحابة رضي الله عنهم وحدهم، بل هي لمن بعدهم من المؤمنين الذين ساروا على طريقتهم واتبعوا نهجهم في هذا الإيمان والعلم والسلوك.

المؤمنون لا يختلفون في تقييم الرجال؛ لأنهم ينطلقون من أصل ثابت وهو اعتبار أعمال الرجال للكتاب والسنة لا العكس، لذلك اعتبر الشرع شهادة الأربعة والثلاثة والاثنين.

وإنما كان موت العلماء مصيبة عظمى وحادثاً جلل؟ا؛ لما لهم من الأثر البليغ في صلاح العباد والبلاد ولنا في ذلك عدة وقفات:

الوقفة الأولى:

إن الموت سنة ماضية في الناس: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ﴾ (آل عمران: 185)، قال الإمام ابن كثير يرحمه الله: «هذه الآية فيها تعزية جميع الناس، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت».

الوقفة الثانية:

إن الله تعالى حافظ لدينه وكتابه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)، قال الحافظ ابن كثير يرحمه الله: «قرر -تعالى- أنه هو الذي أنزل عليه الذكر، وهو القرآن، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل»، انتهى كلامه يرحمه الله تعالى.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا».

ما نفقهه من هذا الحديث:

  • الحث على حفظ العلم والتحذير من تسيد الجهلة.
  • يسود الجهلة عندما يقصر العلماء في واجبهم. 

وعلى كل حال كم مات من عالم؟ وكم دفن من إمام؟ بل قد مات النبي صلى الله عليه وسلم، ودين الله باق مات صلى الله عليه وسلم بعدما بلغ رسالة ربه أتم تبليغ، وبقي الدين بعده مرفوعا على يد رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، بل قد جاء في التنزيل: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: 144).

الوقفة الثالثة:

أن نلتف حول علمائنا، وننهل من معينهم ونستفيد من حكمتهم، وذلك علامة خير وفلاح وصلاح لشباب الأمة، وهو كذلك من توقير العلماء ومعرفة حقهم علينا ومكانتهم عندنا.

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه» «أخرجه الإمام أحمد والحاكم».

الوقفة الرابعة:

إن محبة الناس وتعاطفهم كثرت بالنوع لا بالكم من أهل الصلاح، وكثر عددهم عند تشييعهم لجنازة أهل العلم يزيد التفاؤل بخيرية هذا المجتمع.

الوقفة الخامسة:

كل منا يدعو بهذا الدعاء: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، هذا الدعاء من نسلك أي من ولدك أو من فضلك، بمعنى من تمت هدايته على يديك وتعلم وصلح أمره بسببك.

الوقفة السادسة:

هذه الأمة ولادة تأتي بمثل هذه النماذج من العلماء الصالحين ما استمرت الحياة.

تعلم ما الرزية فقد مال *** ولا شاة تموت ولا بعير

ولكن الرزية فقد حرّ *** يموت بموته بشر كثير

[1] (*) الأمين العام المساعد للأمانة العامة للعمل الخيري

الرابط المختصر :