العنوان موريتانيا .. استمرار الأزمة والبحث عن مخرج
الكاتب سيد أحمد ولد باب
تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2008
مشاهدات 54
نشر في العدد 1819
نشر في الصفحة 20
السبت 13-سبتمبر-2008
- هل تنجح فرنسا في إعادة «ولد الشيخ عبد الله» إلى سدة الحكم من جديد؟
- الأزمة تصاعدت بفعل الصراع المحتدم بين أطراف المشهد السياسي وميل المواقف الخارجية لصالح المناوئين للانقلاب.
- جرح الديمقراطية النازف بات مثار قلق عربي ودولي بعد أن استفحلت الأزمة الداخلية وبات الجيش طرفًا فيها.
- وزير الخارجية الفرنسي يعتزم زيارة نواكشوط خلال الأسابيع القادمة لمناقشة حل الأزمة مع القوى السياسية الموريتانية.
دخلت الأزمة السياسية في موريتانيا شهرها الثاني، وسط مخاوف جدية من تدهور الأوضاع الأمنية، بعد الأزمة الخانقة التي تعيشها البلاد منذ الإطاحة برئيسها المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، في انقلاب عسكري على يد الجنرالات المقربين منه في السادس من أغسطس الماضي.
وقد انقسمت الساحة السياسية في البلاد إلى جبهتين: أولهما, الجبهة الوطنية لإعادة الديمقراطية التي ترفض الاعتراف بالأمر الواقع أو التعامل مع المؤسسات التنفيذية أو الدستورية التي أفرزها انقلاب الجنرال النافذ محمد ولد عبد العزيز، ومن أبرز رواد هذا الطرح رئيس البرلمان الموريتاني مسعود ولد بلخير الذي يقود حزب التحالف الشعبي التقدمي، ومحمد جميل ولد منصور رئيس حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل» الذي يمثل الإخوان المسلمين في موريتانيا، وحزب اتحاد قوى التقدم اليساري بزعامة محمد ولد مولود.. وبعض فلول الحزب الحاكم سابقا «عادل» الذي انضم أغلب قادته للحركة الانقلابية الجديدة.
بينما يتزعم الجبهة الأخرى نواب البرلمان الموريتاني المنسحبون من حزب عادل، والبالغ عددهم ٦٧ نائبًا: بقيادة النائب يحيى ولد عبد القهار، وحزب الاتحاد والتغيير الموريتاني الذي يقوده الضابط السابق صالح ولد حننا، وبعض التشكيلات السياسية الصغيرة الأخرى، بعد أن تراجع زعيم المعارضة الموريتانية أحمد ولد داداه عن مواقفه السابقة مع رئيس حركة التجديد والقيادي الزنجي مختار إبراهيما صار، إثر رفض رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد ولد عبد العزيز إعطاء ضمانات سياسية بشأن المرحلة الانتقالية القادمة.
صراع داخلي
الأزمة السياسية في موريتانيا الناجمة عن انقلاب السادس من أغسطس تعمقت خلال الأسابيع الأخيرة بفعل الصراع المحتدم بين أطراف المشهد السياسي، كما عمقتها المواقف الخارجية التي مالت في مجملها لصالح المناوئين للانقلاب.
فقد بدأ الجنرال محمد ولد عبد العزيز، والفريق الداعم له معركة كسر العظام مع رئيس الجمعية الوطنية «الغرفة الأولى للبرلمان» ورئيس الجبهة مسعود ولد بلخير من خلال عقد دورة برلمانية تحت إشراف نائبه العربي ولد جدين، وهو قائد أركان سابق للجيش الموريتاني، وأحد الموالين للحركة الانقلابية، في محاولة لسحب البساط من تحت زعيم الأرقاء السابقين مسعود ولد بلخير، الذي رفض عقد الدورة البرلمانية مع نواب الجبهة، كما قام العسكريون بتوجيه تهم بالفساد لرئيس مجلس الشيوخ با أمبارى الذي ينص الدستور على توليه مقاليد السلطة في البلاد بعد عجز الرئيس المنتخب عن تأدية مهامه، في محاولة لإجباره على الاستقالة من رئاسة المجلس، وقاموا كذلك بتنصيب لجنة برلمانية للتحقيق مع عقيلة الرئيس المخلوع سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله بتهم تتعلق بالفساد واستغلال النفوذ، ضمت عددًا من نواب المعارضة السابقة، وأبرز المساندين للانقلاب في مجلس الشيوخ.
في المقابل صعدت الجبهة الوطنية لإعادة الديمقراطية للبلاد، من أنشطتها المناوئة لحكم الجيش وحركت النقابات العمالية، ونزلت إلى الشارع في مسيرات تطالب بالإفراج عن رئيس البلاد المخلوع، وكثفت جهودها السياسية لإقناع القوى الخارجية بالضغط على قادة الانقلاب؛ بل ذهب رئيس حزب اتحاد قوى التقدم محمد ولد مولود، وهو أحد أبرز منظريها، إلى توجيه دعوة صريحة للغرب بفرض حصار اقتصادي على موريتانيا لإجبار العسكريين على التخلي عن السلطة وفرض المسار الديمقراطي في البلاد، وإن نفت الجبهة بشكل قاطع ما تردد عن دعوة أمريكية للتدخل العسكري في موريتانيا للإطاحة بالجنرال عزيز.
وقد أقدم الجيش على اعتقال رئيس الوزراء السابق، ووضعه تحت الإقامة الجبرية في مدينة المجرية، وسط البلاد بعد رفضه الاعتراف بالوزير الجديد مولاي ولد محمد لغظف، وتلويحه بإجراء تعيينات سياسية الهدف منها التشويش على الحكام الجدد.
مواقف خارجية
وقد شكلت المواقف الخارجية ضربة قوية لحكم الجيش وخصوصًا بعد الإعلان عن تجميد الأموال التي حصلت عليها موريتانيا ضمن اجتماع باريس ٢٠٠٧م والمقدرة بملياري دولار، وانسحاب قطر من مشروع للحديد كانت تنوي إقامته شمال موريتانيا بتكلفة ناهزت ثلاثة مليارات، وإعلان الولايات المتحدة واليابان والأمم المتحدة وفرنسا تجميد مساعداتها لموريتانيا بعد الانقلاب الجديد، وتجميد البرلمان الأوروبي للأموال الموريتانية المستحقة مقابل الصيد في المياه الإقليمية، غير أن الموقف الفرنسي كان الأكثر إثارة بالنسبة للمتابعين.
ففرنسا التي راهن الانقلابيون على موقفها من الرئيس المخلوع سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله.. بعد الضربات الأمنية التي تلقاها رعايا فرنسيون في موريتانيا. نهاية عام ٢٠٠٧م ومطلع عام ٢٠٠٨م. فاجأت الجميع بمواقفها الصارمة تجاه الحركة الانقلابية، وأعلنت الرئاسة الفرنسية رفضها القاطع للانقلاب، كما رفضت الاعتراف بالنتائج المترتبة عليه، وعلقت تعاونها العسكري مع موريتانيا، وفرضت حظرًا للسفر على أعضاء المجلس العسكري (۱۱ عضوًا)، وأعضاء الحكومة الجديدة (۲۲ عضوًا) ولوحت بعقوبات مالية وسياسية قد تطال بعض الداعمين لحكم الجيش، واستصدرت قرارًا من مجلس الأمن يدين الانقلاب، ويطالب بالإفراج عن الرئيس المخلوع بدون أي شروط.
البحث عن حل
جرح الديمقراطية النازف في موريتانيا منذ الإطاحة بالرئيس المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله بات مثار قلق عربي ودولي بعد أن استفحلت الأزمة الداخلية في البلاد، وبات الجيش طرفًا فيها، وهو ما دفع الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية إلى التداعي لاجتماع طارئ في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لوضع خارطة طريق، تمكن من إنهاء الأزمة السياسية، وعودة الشرعية الدستورية للبلاد.
الاجتماع الذي عقد في الرابع من سبتمبر انتهى إلى توجيه دعوة للمعسكرين بالإفراج الفوري عن الرئيس المعتقل، كما كلف المجتمعون رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي بلقاء الرئيس الموريتاني المعتقل والضباط، والبحث عن حل للأزمة بالتعاون مع القوى السياسية في البلاد.
ووفق التسريبات المتوافرة حتى الآن، فإن النقاش ينصب على خارطة الطريق الفرنسية التي يقال: إن وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير، سيناقشها خلال الأسابيع القادمة مع القوى السياسية في موريتانيا ضمن زيارته المرتقبة إلى نواكشوط، ومن أبرز بنودها:
الإفراج عن الرئيس الموريتاني سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله.. وإعادته إلى منصبه كرئيس منتخب لموريتانيا، والإعلان عن التراجع عن الحركة التصحيحية التي قادها الجيش.
الإبقاء على الضباط في مناصبهم القيادية التي كانوا يحتلونها قبل إقدام الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله على إقالتهم بشكل جماعي يوم السادس من أغسطس قبل ساعات من الانقلاب الذي قاده قائد الحرس الرئاسي الجنرال محمد ولد عبد العزيز.
تعجيل الانتخابات البرلمانية والرئاسية تحت إشراف دولي لاختيار مؤسسات دستورية جديدة، تنهي حالة الاحتقان السياسي الحالي، وقد لا يكون الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله من بين المشاركين فيها، شأنه شأن العسكريين.
إجراء إصلاحات دستورية تضمن توازن السلطة، ومنح البرلمان والوزير الأول المزيد من الصلاحيات لطمأنة القوى السياسية الأخرى، وتحديد جبهة النواب.
غير أن أبرز العقبات في وجه المبادرة الفرنسية الجديدة هي موقف رئيس المجلس العسكري الحاكم الجنرال محمد ولد عبد العزيز الذي أعلن صراحة رفضه لأي حل يكون من بين بنوده عودة الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله للسلطة، تاركًا المجال مفتوحًا أمام أي حلول أخرى، أو اقتراحات تتوافق عليها القوى السياسية في البلاد.
ومع ذلك، فقد أوفد الجنرال عزيز وزيره المقرب منه في التشكيلة الوزارية الجديدة ولد إبراهيم أخليل إلى فرنسا للقاء المسؤولين والتباحث بشأن الأوضاع المستقبلية والحلول الممكنة، في وقت حددت فيه الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية رئيس البرلمان مسعود ولد بلخير، كمفوض باسمها في أي اتفاق قد تتوصل إليه الأطراف.