; موريتانيا: الاتجاهات السياسية في موريتانيا عبر تجربة الانتخابات البلدية الأخيرة | مجلة المجتمع

العنوان موريتانيا: الاتجاهات السياسية في موريتانيا عبر تجربة الانتخابات البلدية الأخيرة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1987

مشاهدات 70

نشر في العدد 811

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 31-مارس-1987

 ● من مظاهرات الشعب الموريتاني

لأول مرة في موريتانيا تحاول الحكومة السير على طريق الديمقراطية الغربية، فإنه رغم اتصال موريتانيا بالغرب عن طريق الاستعمار الفرنسي لم تعرف موريتانيا من الديمقراطية إلا شعارات جوفاء، لكن الحكومة الموريتانية الحالية بدأت محاولاتها لانتهاج الديمقراطية بدعوة الشعب الموريتاني لأول مرة إلى الدخول في تجربة انتخاب مجالس البلديات، التي سوف تقوم بإدارة شؤون البلديات الاقتصادية والاجتماعية، فقد أصدرت الحكومة قانونًا تم بموجبه إنشاء هذه البلديات في المدن الكبرى كمرحلة أولى، ثم في القرى والأرياف كمرحلة تالية. وقد نصَّت المادة السادسة من الفصل الأول من هذا القانون على أن عدد أعضاء مجلس البلدية يكون ٢٠ عضوًا، إذا كان سُكان المدينة أو القرية أقل من خمسة ألاف مواطن، ويتزايد عدد أعضاء المجلس بتزايد عدد سُكان المدن، لتقف عند ست وثلاثين عضوًا، كما حصل ذلك في نواكشوط العاصمة أكبر مدن موريتانيا على الإطلاق.

لقد بدأت الانتخابات لاختيار أعضاء مجالس البلدية في جميع أنحاء البلاد في الأول من ديسمبر ٨٦، ووصل عدد القوائم الانتخابية إلى ثمانٍ وعشرين قائمةً موزعةً على ثلاث عشرة مدينةً وقريةً.

اتجاهات المرشحين:

من الصعب تحديد اتجاهات كل القوائم الانتخابية على مستوى الجمهورية، لذلك نكتفي بتسليط الضوء على اتجاهات المرشحين الذين شكلوا القوائم الانتخابية الأربع في نواكشوط العاصمة التي تنافست على ٣٦ مقعدًا بلديًا، وتلك القوائم

الانتخابية هي:

1- قائمة الاتحاد الوطني الديمقراطي: 

الذي انطلق في برامجه الانتخابية وطروحاته السياسية من منطلق القبلية والفئوية والعرقية، تؤازره في ذلك حركتان سياسيتان هما: اليمين الشيوعي بأقنعته المختلفة ووجوهه المتعددة والبعثيون، وقد استغل هؤلاء المرشحون فئة من التجار الذين تربطهم بهم صِلة قرابة أو صداقة أبشع استغلال؛ حيث أنفقوا عشرات الملايين في

الحملات الانتخابية لمرشحي الاتحاد.

 ٢- قائمة الاتحاد من أجل التقدم والأِخوة:

وقد انضم إليها مجموعة من العناصر المثقفة، وعلى رأسهم أستاذ جامعي عُرف بالنزاهة عبر تاريخه الوظيفي الحافل بالأمانة والإخلاص وحُب الوطن، مما جعل هذه القائمة تكسب ثقة مجموعتين سياسيتين هما: الإسلاميون من جهة والناصريون القوميون من جهة أخرى، وهما فئتان لهما وزنهما وشعبيتهما في المجتمع الموريتاني، وخاصة في أوساط المثقفين، وإن كانت الحركة الناصرية قد بدأت تعرف نوعًا من الانحسار في السنوات الأخيرة؛ نتيجة لفكرها القومي العنصري الذي لا يتمشى مع واقع موريتانيا الاجتماعي، الذي يتميز بتعدد الأعراق والأجناس والألوان. هذه القائمة الثانية «الاتحاد من أجل التقدم والإِخوة» لم تستغل الحملة الدعائية الانتخابية كما فعلت منافساتها من القوائم الأخرى، ولولا المد الشعبي الذي يتمتع به مساندوها؛ لما حصلت على ما حصلت عليه من أصوات الناخبين. 

3- قائمة الاتحاد من أجل التجديد: 

وهي من صُنع الحركة اليسارية الشيوعية يساندها بعض الأشخاص لاعتبارات قبلية وفئوية، وقد استغلت هذه القائمة الحملة الانتخابية أكثر من أي قائمة أخرى؛ حيث نظمت مسيرات بالسيارات ترافقها طائرات، وأقامت مسرحيات مجانية للدعاية لأفكارها السياسية، كما استغلت الإذاعة والتلفاز أكبر استغلال، وأنفقت في حملتها الانتخابية ما لم تنفقه أي قائمة أخرى إلا قائمة الاتحاد الوطني الديمقراطي.

4- قائمة الوحدة والتقدم:

 وقد تكونت هذه القائمة كرد فعل قبلي ردًّا على عنصرية القائمة الأولى «الاتحاد الوطني الديمقراطي» وعرقية القائمة الثالثة «الاتحاد من أجل التجديد» كما ساهم في تكوين هذه القائمة الرابعة التناقض القائم بين جناحي الحركة الشيوعية. وقد تميزت قائمة الوحدة والتقدم بتأييد المواطنين السود بشكل ملحوظ؛ حيث تقوم سياسة هذه القائمة على إنصاف السود في المجتمع الموريتاني، ومساواتهم بغيرهم من المواطنين في الحقوق والوظائف والحرية. ولكن مشكلة هذه القائمة كانت في قلة العناصر المثقفة ذات التجربة السياسية الواسعة، وكذلك قلة الإمكانية المادية لتمويل حملاتها الانتخابية.

فوز قائمتين في نواكشوط:

لقد أُجريت هذه الانتخابات على دورتين؛ وذلك لعدم حصول بعض القوائم الانتخابية على الأغلبية القانونية الضرورية؛ حيث كانت نتائج الدورة الأولى كما يلي: 

-قائمة الاتحاد الوطني الديمقراطي – 42% من مجموع الأصوات․

-قائمة الاتحاد من أجل التقدم والإِخوة -٣٠ ٪ من مجموع الأصوات.

-قائمة الاتحاد من أجل التجديد – 14% من مجموع الأصوات․

-قائمة الوحدة والتقدم – 11% من مجموع الأصوات․

وقد أدت نتائج الدورة الانتخابية الأولى إلى إقصاء القائمتين الأخيرتين وهما: قائمة الاتحاد من أجل التجديد، وقائمة الوحدة والتقدم؛ لعدم حصول أي منهما على النسبة القانونية من الأصوات. 

وتم تأهيل القائمتين الأوليين «الاتحاد الوطني الديمقراطي والاتحاد من أجل التقدم والأِخوة» لخوض الشوط الثاني من هذه الانتخابات، والذي جاءت نتائجها

كالتالي:

-قائمة الاتحاد الوطني الديمقراطي – 50% من مجموع الأصوات․

-قائمة الاتحاد من أجل التقدم والأِخوة - 48%․

وفي ضوء تلك النتيجة النهائية تقاسمت القائمتان مقاعد البلدية الستة والثلاثين

حيث كان نصيب الاتحاد الوطني ١٩ مقعدًا، ونصيب الاتحاد من أجل التقدم والأِخوة ١٧ مقعدًا، وسوف ينتخب رئيس مجلس البلدية من القائمة صاحبة الأغلبية ويتم انتخابه بالأغلبية.

ملاحظات ونصائح:

في ضوء هذا النموذج الديمقراطي الذي فصلناه عن انتخابات مجلس بلدية نواكشوط العاصمة، ومن منطلق الحرص على هذه التجربة الديمقراطية الجديدة في موريتانيا ننصح بالآتي:

-أن تكون هذه التجربة بداية خطوات متزنة نحو الشورى الإسلامية التي تطمئن

إليها نفوس المجتمع الإسلامي، وموريتانيا جزء من هذا المجتمع العريض.

-ألا تكون امتدادًا للديمقراطية الغربية، بل نابعة من تراثنا الإسلامي، مستلهمة منه

الرشد والهداية.

-أن تأخذ الواقع الموريتاني العرقي بالحسبان «عرب + بربر + زنوج» للانطلاق من المفهوم الإسلامي للوحدة، والمساواة بين العناصر الاجتماعية المختلفة ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13).

ومن الملاحظات الهامة على سير انتخابات نواكشوط ما يلي: 

-كانت المزايدة بالإسلام واضحة في الحملات الانتخابية؛ حيث كانت كل قائمة انتخابية مهما كان اتجاهها أو برامجها الانتخابية، تتمسح بالإسلام، وتخصص له جانبًا كبيرًا من برامجها وخطبها السياسية. وذلك لدغدغة العواطف الدينية الأصيلة لدى الشعب الموريتاني المسلم. كما يشير ذلك إلى تنامي أتباع الاتجاه الإسلامي في موريتانيا؛ حيث أصبح يحسب له ألف حساب في كل عمل سياسي. 

-كما يلاحظ أنه تم تمثيل كل الحركات السياسية الموجودة في البلد على مستوى انتخابات نواكشوط باستثناء حركة واحدة، وهي حركة دعاة القومية الأفريقية التي أصبح معظمهم الآن وراء قضبان السجون لأسباب سياسية.

-لوحظ قصور فادح في تسجيل الناخبين؛ إذ إن مدينة نواكشوط التي يبلغ تعداد سكانها 400 ألف نسمة لم يسجل منهم سوی (١٠٤) آلاف نسمة لأسباب إدارية. -رافق الحملة الانتخابية تبذير فاحش للأموال بغير حق شرعي ولا مصلحة عامة، في حين تعيش شريحة من الشعب في جوع في الأحياء الفقيرة المحيطة بالعاصمة نواكشوط. إلى جانب محاولات التأثير على آراء المواطنين وكسب أصواتهم بالوسائل المادية.

هذه بعض الملاحظات التي يمكن تسجيلها على التجربة الديمقراطية الفتية في موريتانيا، فلعل الأيام تزود القائمين على هذه التجربة بمزيد من الخبرات السياسية والفنية للانطلاق بهذه التجربة نحو آفاق ديمقراطية واسعة، تعتمد على الشورى الإسلامية؛ لتحقيق طموحات وآمال الشعب الموريتاني المسلم في الأمن والاستقرار والازدهار الاقتصادي والسياسي.

الرابط المختصر :