العنوان موسم الهجوم البروتستانتي
الكاتب نبيلة عبدالعزيز حويحي
تاريخ النشر السبت 10-مايو-2003
مشاهدات 61
نشر في العدد 1550
نشر في الصفحة 48
السبت 10-مايو-2003
لم تكن المستشرقة الإنجليزية «كارين أرمسترونج» مجانبة للحقيقة، أو بعيدة تمامًا عن الصواب حين قالت في كتابها؛ محمد ﷺ: الإسلام في الغرب خارج دائرة النيات الحسنة.
نشرت صحيفة أمريكية مؤخرًا كاريكاتيرًا بذيئًا لرسام يدعى «دوج مارليت»، يصور فيه شخص النبي الكريم ﷺ بقيادة شاحنة نووية لتدمير العالم.. ولم يكن «مارليت» أول من يهاجم الإسلام، وربما لن يكون الأخير، فمن قبله خرج أباء الكنيسة البروتستانتية في أمريكا؛ ليقودوا هجومًا شرسًا على الإسلام، ما تزال أصداؤه وتوابعه مستمرة.. وإذا كان التهجم على الإسلام ورسوله ﷺ لن يغير من الأمر شيئًا؛ لأن دين الله محفوظ بحفظ الله سبحانه وتعالى لكتابه، وليس بمقدور أحد أن يغير شيئًا فيه، إلا أن اللافت للانتباه أن الهجوم على الإسلام تتبعه دائمًا حملة دعائية واسعة النطاق، تنعكس في صورة اعتداءات ومضايقات تقع على المسلمين والعرب في أمريكا، وتؤثر على السياسة الأمريكية ذاتها تجاه قضايا العرب والمسلمين العادلة.. ومن هنا كان اهتمامنا بالرصد والمتابعة.
ولكي نفهم ما يحدث لابد أن نشير إلى أن المجتمع الأمريكي يكاد ينقسم في عقيدته إلى قسمين كبيرين: الأغلبية الساحقة بروتستانت متعصبون لمذهبهم «بما فيهم أغلب أصحاب النفوذ والتأثير في دوائر صنع القرار وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي».
أما القسم الآخر وإن كان أقل عددًا إلا أن تأثيره كبير في صياغة وتوجيه القرار، فهناك ما يقرب من سبعين مليون مسيحي يميني وهم ما يطلق عليهم المسيحيون الأصوليون، الذين يرون أن انتصار إسرائيل هو انتصار لمشيئة الرب، وأن امتلاك اليهود للأراضي الفلسطينية وعودة اليهود إلى فلسطين علامة على المجيء الثاني للمسيح، الذي ستسبقه حروب واضطرابات عميقة ليأتي المسيح ويحكم الأرض، وفي هذا الوقت سوف يفنى غير المسيحيين ويتحول من يتبقى من اليهود إلى المسيحية.
ومن هنا يأتي الحماس المبالغ فيه، والتأييد المستمر لإسرائيل من قبل هؤلاء، والتبرعات المالية الضخمة التي تذهب إلى إسرائيل؛ لأنهم يرون انتصارها وازدهارها علامة مبشرة باقتراب المجيء الثاني للمسيح.
والمسيحيون الأصوليون لا يقلقهم شيء أكثر من انسحاب إسرائيل من أي أرض فلسطينية تحتلها، لأن في ذلك تأخيرًا لمجيء المسيح.
يشير بعض وسائل الإعلام، إلى أن اليمين المسيحي الأصولي أرسل مائة ألف احتجاج إلى البيت الأبيض؛ للاعتراض على الضغوط الأمريكية على إسرائيل، التي دعت فيها الخارجية الأمريكية إلى سحب القوات الإسرائيلية من المناطق المحتلة عام ١٩٦٧م.
جذور التعصب البروتستانتي
القسم الأكبر من الأمريكيين الذين يدينون بالمذهب البروتستانتي المتعصب يحتاج إلى وقفة أيضًا، فقد كان الراهب والمفكر الألماني «مارتن لوثر»، «١٤٨٣ م - ١٥٤٦م» قد انفصل عن الكنيسة الكاثوليكية وأسس الكنيسة اللوثرية، التي سرعان ما أصبحت كنيسة الدولة في شمال أوروبا: ألمانيا والدانمارك وأيسلندا والنرويج والسويد وفنلندا، وفي كندا والولايات المتحدة.
ومن الغريب أن «لوثر» كان ينادي في البداية بموقف متسامح مع الأتراك المسلمين، لأنه رأى فيهم عقوبة ربانية عادلة للمسيحيين بسبب ذنوبهم وأخطائهم، ولكن مع اقتراب الأتراك من أبواب فيينا عام ١٥٢٩م، أصبحت لهجة لوثر أكثر عنفًا وتطرفًا، وراح يصف الإسلام بأنه دين العنف الذي يخدم المسيح الدجال، وأن المسلمين معادون للعقل، وأن الحل الأكثر جدوى معهم هو مواجهتهم بقوة السيف.
وأصبح الإسلام في نظر «لوثر» يمثل جسد المسيح الدجال، بينما البابا في روما رأس هذا الجسد، ومن ثم فقد صار البابا والإسلام العدوين اللدودين للكنيسة اللوثرية، وبات الإسلام بنظر لوثر وأباء كنيسته مرادفًا لمفهوم الخطيئة، واعتبروه «عملًا بدون إيمان»، وانسحب الوصف بالطبع على الكاثوليك.
أما الكاثوليك فقد اتهموا البروتستان والإسلام معًا بأنهما «إيمان بدون عمل»، أي أرى الإسلام صار بنظر كل من الطرفين تهمة يحاول أحدهما إلصاقها بالآخر، وراجت هذه الظاهر بين الكنيستين بصورة مضحكة، فالبروتستانت يتهمون الكاثوليك بأنهم «كاثوليك محمديون»، وفي المقابل طرح الكاثوليك الفكرة القائلة بأن «البروستانت هم إسلاميون يريدون تخريب الكنيسة وزعزعة أمنها واستقرارها».
ومن هنا وضع «مارتن لوثر» بذرة الحقد على الإسلام، والخوف منه على الكنيسة اللوثرية باعتباره عدوًا مخيفًا وإرهابًا.
وكانت نظرة الأدباء في الغرب متأثرة تمامًا، بما شاع من أوهام وأساطير وأكاذيب وخرافات عن النبي -صلى الله عليه وسلم- والإسلام.
كما فعل «فولتير» الفرنسي، و«دانتي» الإيطالي، و«شاتوبريان» الفرنسي الذي هاجم الإسلام، وامتدح الحملات الصليبية.. وكان لابد لكل هذه الأفكار والبدع أن تتراكم في الوجدان المسيحي، وتتسلل إلى الذاكرة الغربية.
آباء الكنيسة يقودون الحرب
لذا لم تكن مفاجأة أن يخرج القس الأمريكي «بيلي جراهام»، وهو صديق مقرب للرئيس الأمريكي «بوش» -بعد أحداث 11 سبتمبر- ليشعل نيران الهجوم على الإسلام والمسلمين، ويصفه بديانة الشر، وانتقلت عدوى الهجوم إلى الجميع، بما يعكس أن مخزن البارود بالعقل الغربي لايزال قابلًا للانفجار بوجه الإسلام والمسلمين في كل وقت.
وخرج من بعده القس الأمريكي المتطرف «جيري فالويل» في حديثه لشبكة سي بي إس؛ ليتهم العقيدة الإسلامية بأنها تدعو إلى الحقد والإرهاب.
وفي يونيو ٢٠٠٢م خرج قس آخر يدعى «جيري فاينز» خلال المؤتمر السنوي للمعمدانيين الجنوبيين؛ ليتهم الإسلام بالعنف والإرهاب، ويحاول الهجوم على شخص النبي الكريم، وهذه مجرد نماذج من الهجوم الذي يشنه أباء الكنيسة البروتستانتية على الإسلام، ووصل إلى أيدينا عبر وسائل الإعلام المختلفة.
وهي تؤكد -على أقل تقدير- أن مقولة الرئيس الأمريكي بشأن الحرب الصليبية الجديدة على الإسلام، لم تكن زلة لسان أو خطأ غير مقصود، وإن كانت دواعي السياسة قد دفعته إلى التراجع عنها، إلا أنها تفضح ما في الوجدان الغربي من هواجس مريبة وخوف قديم وقائم من الإسلام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل