العنوان عمليات حماس تزلزل بناء الكيان الصهيوني
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-نوفمبر-1994
مشاهدات 50
نشر في العدد 1123
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 01-نوفمبر-1994
- سلطة عرفات تنصاع في خضوع ذليل لليهود وتشن حملة اعتقالات في صفوف كوادر حماس في غزة
القدس المحتلة: خاص لـ «المجتمع»من أمين أبو وردة (*)
بعد أن انتهت المعركة التي لم تدم أكثر من ساعتين والتي استشهد على أثرها هو ورفاقه، تقدم ضابط منه وفتشه فلم يجد معه سوى مصحف ومسدس، كان ذلك الشهيد هو الشيخ عز الدين القسام وكان الضابط من قوات جيش الاحتلال البريطاني. وكان التاريخ يومئذ 20 نوفمبر، تشرين الثاني 1935م.
أنهت تلك المواجهة حياة الشيخ الذي ألهب حماسة المتعطشين للجهاد والحرية في فلسطين، في مواجهة قوات الانتداب البريطاني، غير أن القسام، القادم إلى فلسطين من مدينة جبلة على الساحل السوري، ظل ملهمًا للفلسطينيين في نضالهم ضد البريطانيين و"الإسرائيليين" بعدهم.
ولعل ذلك الاسم الذي عاد للظهور مجددًا مع كل عملية ينفذها الجهاز العسكري لحركة المقاومة الإسلامية «حماس»، المعروف باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، كفيل أن يوضح العلاقة الجدلية التي يحملها نشطاء حركة «حماس» اليوم في صراعهم مع الاحتلال "الإسرائيلي"، بين انتمائهم العقائدي والنهج الذي يسيرون عليه.
ليست البداية ولكن
يمكن القول إن المعركة الأخيرة التي وقعت في منتصف ليلة العاشر من أكتوبر، «تشرين أول» الماضي، في شارع يافا وسط الشطر الغربي من مدينة القدس، كانت حافزًا جديدًا لأكبر حركة معارضة لعملية السلام في الأراضي المحتلة لتنطلق إلى عملية جديدة أخرى تسهم في صنع انتصارات مركبة لها تضغط بها في اتجاهين: دولة الاحتلال وسلطة الحكم الذاتي.
فتوقيت المعركة الناجح والذي صادف ذكرى مذبحة الأقصى، والتي قامت بها قوات الاحتلال في الثامن من أكتوبر «تشرين الأول» 1991، وذهب ضحيتها عشرات المصلين في باحة المسجد الأقصى - جاء ليعيد إلى الأذهان من جديد شرعية المقاومة، فالمعركة التي أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات من المستوطنين والجنود "الإسرائيليين" واستشهاد منفذي العملية، تمكن المراقب من ملاحظة ما يلي:
1- إن حرص حركة «حماس» على نقلساحة الحرب العسكرية مع قوات الاحتلال إلى منطقة خارج نطاق سلطة الحكم الذاتي يشير إلى حرص الحركة على تفادي الاصطدام مع السلطة الفلسطينية، مع حرصها على تصعيد الحرب مع الاحتلال وتوجيه ضربات مؤلمة للدولة العبرية، حتى لو كان ثمن هذا الحرص الاضطرار إلى العمل في ظروف بالغة التعقيد والصعوبة وفي مواقع تشهد تحصينات أمنية مكثفة، وهي ظروف لا تتيح للمهاجمين الخروج أحياء من الهجوم.
2 - الاختراق المحكم والناجح لمنفذي العملية للتحصينات "الإسرائيلية" بالرغم من وجود كمية من السلاح برفقتهم يساهم في تغيير الصورة النمطية للإجراءات "الإسرائيلية" التي لا يمكن اختراقها كما يحرص "الإسرائيليون" على الإيحاء بذلك.
3 - الوقت الذي استغرقته العملية وهو 40 دقيقة يشير إلى إمكانية إدارة معارك مستقبلية لفترات وقتية أطول وبإمكانات بسيطة مما يمكن المهاجمين من إحداث خسائر فادحة.
4 - مشاركة مواطن مصري وهو الشهيد عصام الجوهري تشير إلى خروج حركة «حماس» من الإطار الوطني الفلسطيني إلى الإطار العربي، وهو خروج مرشح للتعاظم في ظل المعطيات القائمة، كما تشير مشاركة الجوهري الذي قدم من مصر إلى قطاع غزة بتأشيرة سياحة حصل عليها من السفارة "الإسرائيلية" في القاهرة إلى أن سنوات التطبيع للعلاقات المصرية "الإسرائيلية" لم تنجح في تغيير نظرة الشعب المصري إلى الصراع مع "الإسرائيليين"، وتعطى هوية الجوهري - الذي قالت المصادر الفلسطينية إنه من أعضاء الجماعة الإسلامية وسُرح من الجيش المصري بسبب نشاطه الإسلامي - مؤشرًا قد يكون خاصًا بحالة فردية إلا أنه بداية نهج قد يتزايد لدى نشطاء المجموعات الإسلامية في مصر لتوجيه جهودهم باتجاه أهداف قد تمنحهم المزيد من التعاطف الشعبي في الوقت الذي يتسبب فيه هذا النشاط بإحراج للحكومة التي يعارضونها.
فاكسمان 24 ساعة أخرى ومفاجأة أكبر
فقط 24 ساعة بعد انتهاء معركة القدس، جاءت لترقب أحداثًا جديدة، ولكنها بوتيرة أعلى هذه المرة جعلت "إسرائيل" بكافة أجهزتها تقف عاجزة أمام المفاجاة الأولى من نوعها، ويعتبر اختطاف الجندي نحشون فاكسمان من قبل كتائب عز الدين القسام أول هجوم من نوعه يقوم خلاله الخاطفون بمفاوضة "الإسرائيليين" من أراضٍ محتلة لإطلاق سراح المعتقلين الفلسطينيين في السجون "الإسرائيلية".
وكان آخر جندي اختطف وحاول مختطفوه مقايضته بمعتقلين فلسطينيين هو جندي حرس الحدود نسيم طوليدانو الذي اختطف في ديسمبر كانون الأول 1992م وقتل بعد 24 ساعة من اختطافه، وأبعدت "إسرائيل" 415 من نشطاء «حماس» والجهاد الإسلامي في أعقاب عملية اختطافه، أما فاكسمان فإن خاطفيه منحوا "الإسرائيليين" مهلة ثلاثة أيام لتنفيذ مطالبهم وهي مهلة طويلة جدًا إذا أخذنا بعين الاعتبار وجود المقاتلين ورهينتهم داخل أراضٍ تحتلها "إسرائيل".
تفجير حافلة تل أبيب.. الأعنف في تاريخ الدولة العبرية
صباح يوم الأربعاء 19 أكتوبر «تشرين أول» الجاري وبينما كان "الإسرائيليون" منشغلون بتحليل أبعاد عملية اختطاف فاكسمان ومحاولة إنقاذه الفاشلة، دوى في شارع ديزنغوف "الإسرائيلي" وسط مدينة تل أبيب انفجار هائل تبين فيما بعد أنه استهدف حافلة ركاب "إسرائيلية" وسط الشارع الرئيسي في كبرى المدن "الإسرائيلية".
وأدى الانفجار إلى مصرع 22 "إسرائيليا" وجرح 48 آخرين ووصفت جراح أربعة منهم بأنها خطيرة، فيما قال الأطباء في مستشفى إيخيلوف "الإسرائيلي" إن حالة اثنين من الجرحى ميؤوس منها.
استشهد صالح عبد الرحيم صوري وهو مقاتل في مجموعات عز الدين القسام في الانفجار الانتحاري مخلفًا وراءه أعنف هجوم تشهده الدولة العبرية منذ قيامها، ومهددًا في شريط فيديو مسجل بشن هجمات أخرى لمجموعة انتحارية تابعة لحركة «حماس» حتى انتهاء الاحتلال "الإسرائيلي".
بين حماس السلطة وسلطة حماس
لعل حماس أدركت سر المعادلة التي تسير الآن ضمن معطيات الوضع الحالي على الأرض المحتلة إذ حصرت الخلاف بينها وبين السلطة الفلسطينية في مناطق الحكم الذاتي في الجانب السياسي وابتعدت بالجهاز العسكري «كتائب القسام» عن الدخول في صراع مع السلطة ما أمكن ذلك، وفي هذا الصدد يشير الدكتور محمود الزهار المتحدث باسم الحركة في قطاع غزة إلى أن هناك ألف طريقة لإحراج السلطة لكن «حماس» لا تعتمد هذا النهج.
كما أن الحركة أثبتت للمرة الثانية حرصها على نقل الصدام مع السلطة باتجاه "إسرائيل" بعد أن كانت التقولات تشير إلى أن هناك انفجارًا مرتقبًا بين السلطة و«حماس»، بالرغم من حماس سلطة الحكم الذاتي لإبداء تجاوبها مع "إسرائيل" في تعقب المختطفين للجندي فاكسمان من أجل إثبات قدرتها على القيام بالتزاماتها التي وافقت على القيام بها في اتفاقات الحكم الذاتي، خاصة بعد أن جمدت "إسرائيل" اتصالاتها مع منظمة التحرير بما في ذلك الاتصالات المتعلقة بالمصادقة على إنفاق أموال الدعم لتمويل نشاطات السلطة الفلسطينية والشرطة الفلسطينية في مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني.
وقد تعاملت حركة «حماس» مع قضية الاختطاف بصورة لا مركزية ومنحت الفرصة للخاطفين بالتصرف وفق المعطيات المتوفرة لديهم، مما منع "إسرائيل" وعلى مدى الأيام الثلاثة التي شهدتها عملية الاختطاف من الإمساك بطرف خيط يقود إلى مكان الخلية.
ويؤكد مسئول سابق في جهاز الاستخبارات "الإسرائيلي" العام «الشاباك»، أن العملية تؤكد أنه «ليس هناك علاقة بين القيادة السياسية لحركة «حماس» وبين كتائب عز الدين القسام»، الجناح العسكري للحركة. وأضاف المسئول السابق في جهاز «الشاباك»، والذي قيل إنه متخصص في موضوع حركة «حماس»، وعلى الأخص كتائب عز الدين القسام: «فإن الخلية التي اختطفت وقتلت الجندي نحشون فاكسمان استخدمت معاونين لكنها لم يكن لها أي اتصال مباشر مع القيادة السياسية لحركة حماس في غزة».
وفي المقابل فإن السلطة الفلسطينية انصاعت للضغوط "الإسرائيلية" وشنت حملة اعتقالات في صفوف كوادر الحركة في قطاع غزة، كما شملت جهود السلطة تقديم كافة المعلومات التي توفرت للسلطة من أجل مساعدة "إسرائيل" في البحث عن الجندي فاكسمان، وطالت حملة الاعتقالات نحو 450 من أنصار حركة حماس في قطاع غزة.
فيما أدى التحقيق مع أحد المعتقلين، والذي لعب دور وسيط بين مسئول المجموعة في قطاع غزة وأفراد الخلية الذين عملوا في منطقة القدس، إلى مكان احتجاز الجندي، وهي المعلومة التي قادت "الإسرائيليين" إلى المنزل الذي احتجز فيه الجندي.
وأدى الدور الذي قامت به الشرطة الفلسطينية إبان الأزمة رغم اختطاف الجندي واحتجازه في منطقة خارج نطاق سيطرتها إلى تصعيد التوتر مع حركة «حماس»، ووصف المهندس إبراهيم غوشة الناطق الرسمي لحركة حماس إجراءات السلطة بأنها «انتهاك للخطوط الحمراء التي طالما حذرنا من انتهاكها»، محذرًا رئيس مجلس السلطة ياسر عرفات من أنه «يقوم بوضع الشعب الفلسطيني على حافة الصراع، مقدمًا سلامة الجندي "الإسرائيلي" على سلامة الشعب الفلسطيني ومستقبله».
كما وصف الزهار حملة الاعتقالات التي شنتها السلطة في صفوف وكوادر وأنصار الحركة بأنها «إجراءات متشنجة لن تخدم الحوار بين الجانبين»، وبأنها «عكست موقفًا مخزيًا»، وقال: «إن السلطة استجابت للضغوط "الإسرائيلية" واستكانت لها وأظهرت عجزها».
من ناحيته حذر إسماعيل هنية، أحد أبرز زعماء الحركة في قطاع غزة، من أن «ما يجري هو بداية حالة توتر ليست بسيطة»، وأضاف: «نحن مواقفنا ثابتة من ناحية الحفاظ على الوحدة الوطنية وقدسية الدم الفلسطيني»، إلا أنه قال: «نرجو أن تكون هذه رسالة واضحة للسلطة الفلسطينية بالتوقف عن ممارساتها».
ويمكن ملاحظة جملة أشياء من عملية فاكسمان، أولها تطور النهج القتالي للحركة ضد سلطات الاحتلال، إذ إن حماس أظهرت هذه المرة تفوقًا واضحًا في الإمكانيات من حيث الصراع والتضليل بشأن موقع المختطفين والجندي المختطف، كما أنها أظهرت براعة وقوة في نفس الوقت، في الزمن والوقت الذي احتجزت فيه الجندي لستة أيام متواصلة، منها ثلاثة كان الجيش "الإسرائيلي" وأجهزة المخابرات تقوم بالبحث عنه مع الشرطة الفلسطينية في مناطق الحكم الذاتي، وفي هذا السياق نشير دون توقف إلى أن كثرة المشاركين في اتصالات الخلية قادت إلى مكانها، وهي ثغرة كبيرة ظهرت لاحقًا في التخطيط للعملية، كما أن استخدام الإعلام المرئي «شريط الفيديو الذي صُور عليه الجندي المختطف لأول مرة» ساهم في تتبع أفراد الخلية، إلا أنه أثر بشكل نفسي كبير على "الإسرائيليين" وساهم في رفع معنويات الفلسطينيين، فيما أدى تفجير الحافلة إلى نشر الخوف في نفوس "الإسرائيليين" من موجة عمليات مسلحة لن يستطيعوا حيالها فعل شيء، وهو ما اعترف به الوزراء "الإسرائيليون" الذين قالوا: «إن مشكلة "إسرائيل" تكمن في أولئك المستعدين لجعل أنفسهم قنابل موقوتة»، حسب تعبير بنيامين بن اليعازر وزير الإسكان "الإسرائيلي".
كما شهد الخطاب الإعلامي لحركة «حماس» تصعيدًا ملحوظًا، أثناء وبعد العملية، ويمكن ملاحظة ذلك بالإشارة إلى بيان وزعته الحركة بعد العملية العسكرية الفاشلة التي حاولت "إسرائيل" من خلالها تحرير الجندي عبر مفاجأة الخاطفين، إلا أن الهجوم أسفر عن مقتل الجندي المحتجز وقائد الوحدة المهاجمة واستشهاد ثلاثة مقاتلين تواجدوا مع الجندي لحراسته، وجاء في بيان الحركة: «عهدًا قطعناه على أنفسنا سنخرج معتقلينا بالقوة، والأيام بيننا»، مؤكدة: «سيدرك قادة الدولة العبرية أن إرادتنا أقوى مما يتصورون، وأن تصميمنا على تنفيذ برامجنا العسكرية لن تستطيع الأرض أن توقفه».
وحملت الكتائب الحكومة "الإسرائيلية" مسؤولية مقتل الجندي "الإسرائيلي" لأن «كتائب القسام قررت يوم أمس تمديد فترة الحفاظ على حياته، ولكن اقتحام الجنود "الإسرائيليين" للقاعدة العسكرية التي كان يتحصن بها مقاتلونا هو الذي أدى إلى مقتله».
واعتبر المراقبون البيان بمثابة تأكيد من قبل الحركة على مواصلة العمل العسكري لتأمين الإفراج عن المعتقلين، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحركة لم تكتفِ بالمطالبة بإطلاق سراح معتقلين لحركة «حماس»، وإنما شمل ذلك معتقلين من جميع الفصائل الفلسطينية المؤيدة والمعارضة لعملية السلام، وآخرين من حزب الله اللبناني تحتجزهم "إسرائيل" في سجونها، وهي ذات المطالب التي كررها صوري في بيانه الذي سجله قبل تنفيذ عملية تل أبيب.
موقف السلطة الفلسطينية من العملية
وينقسم موقف السلطة الفلسطينية من العملية إلى قسمين:
الأول وهو موقف السلطة الفلسطينية من العملية تجاه "إسرائيل"، والذي تركز في بذل جهودها والقيام «بعمل اللازم في المناطق الواقعة تحت سيطرتها»، كما صرح بذلك الدكتور نبيل شعث، وزير التخطيط والتعاون الدولي، في محاولة منها للوفاء بالتزاماتها تجاه "إسرائيل".
وقد حرصت السلطة في الوقت الذي كانت تقوم فيه بإجراءاتها على التأكيد أن المسئولية تجاه العملية يتحملها الطرفان "الإسرائيلي" والفلسطيني، وبهذا الصدد يقول شعث: «ولا يجوز إلقاء تبعة المسئولية على طرف واحد فقط».
وفي بيان صادر عن بيت الشرق الفلسطيني، الذي يستعمل كمقر لفيصل الحسيني، الوزير بلا وزارة في مجلس السلطة، جاء: «إن أسلوب معالجة "إسرائيل" لقضية اختطاف الجندي تشكل تجاوزًا واضحًا لمسيرة أوسلو السلمية»، مؤكدًا أن هذا الأسلوب «يضع علامات استفهام كبيرة حول ما إذا كانت "إسرائيل" جادة فعلًا في توجهاتها تجاه السلام».
أما الثاني فهو موقف السلطة الفلسطينية تجاه حركة «حماس»، وقد امتاز موقف السلطة تجاه حماس بالشدة، حيث شنت قوات الشرطة الفلسطينية حملة اعتقالات وُصفت بأنها الأوسع من نوعها منذ بدء تطبيق اتفاق الحكم الإداري الذاتي في قطاع غزة في صفوف أعضاء ومؤيدي حركة «حماس»، شملت 450 شخصًا، كما قامت الشرطة وأجهزة الأمن بحملة مداهمات واسعة وتفتيش المنازل لعدد من قادة حركة «حماس» في القطاع.
وكانت مصادر مطلعة قد أفادت أن الشرطة الفلسطينية فتشت منازل قياديين في حركة «حماس»، أمثال الدكتور محمود الزهار وإسماعيل هنية وخالد الهندي، بينما لم يكونوا موجودين في منازلهم، وشملت حملة التفتيش حفر أرضيات الزهار والهندي، إلا أن الموقف بدا أقل شدة بعد انفجار تل أبيب، ولعل سبب ذلك يرجع إلى التعاطف الشعبي الكبير الذي حظيت به العملية رغم إدانة السلطة ورموزها للانفجار.
أما موقف حركة التحرير الفلسطيني «فتح»، العمود الفقري لسلطة الحكم الذاتي، فقد كان متوسطًا نوعًا ما، إذ وصف سفيان أبو زايدة، أحد قادة «فتح» في قطاع غزة، حركة حماس بأنها «حركة شعبية ذات قاعدة واسعة»، وحذر السلطة الفلسطينية من «الاستجابة» للضغوط "الإسرائيلية" الداعية إلى قمع الحركة، وقال أبو زايدة لصحفيين في قطاع غزة إن «أي محاولة لقمع حركة حماس من قبل السلطة معناها نشوب حرب أهلية».
السلوك "الإسرائيلي" من العملية
ويمكن رصد محورين في السلوك "الإسرائيلي" أثناء العملية، فقد أعلنت "إسرائيل" عن سلسلة إجراءات في أعقاب إعلان كتائب عز الدين القسام عن اختطاف الجندي "الإسرائيلي"، تمثلت في فرض طوق عسكري على منطقة الحكم الذاتي في قطاع غزة، وتعليق المحادثات في القاهرة بين الوفدين الفلسطيني و"الإسرائيلي"، ووقف جميع المفاوضات والاتصالات مع منظمة التحرير بشأن استمرار تطبيق اتفاق الحكم الذاتي، كما حملت الحكومة "الإسرائيلية" رئيس المنظمة مصير الجندي المختطف.
على الصعيد الآخر، قامت "إسرائيل" بإجراء اتصالات مع السلطة الفلسطينية في قطاع غزة لتأمين الإفراج عن الجندي "الإسرائيلي"، وأعلن المستشار الإعلامي لوزير الدفاع "الإسرائيلي" أن «الجهات الأمنية "الإسرائيلية" على اتصال بالسلطة الفلسطينية في غزة في إطار الجهود الرامية لإطلاق سراح الجندي»، ووصف مراقبون في القدس تلك التصريحات بأنها «أول تحول علني» في موقف الحكومة "الإسرائيلية" التي حرصت على تأكيد أنها لن تُجري أي مفاوضات مع المختطفين أو مع حركة «حماس».
مستقبل العمليات وأثرها على مسيرة السلام
يومًا بعد يوم، تتكاثر عوامل التفجير في المنطقة رغم الحديث عن اتفاقات سلام بين الدول العربية و"إسرائيل"، فاستمرار مشكلة الاحتلال الصهيوني للأراضي العربية، وبالتالي استمرار المعاناة للشعب الفلسطيني وحرمانه من حقوقه كفيل بأن يبقى جذوة النضال في نفوس الشعب الفلسطيني، خاصة إذا واصلت جهة ما توجيه مشاعر الإحباط والغضب في صفوف الفلسطينيين.
ويمكن تلخيص عوامل التفجير بعدة أشياء، لعل أبرزها فشل السلطة الفلسطينية في تحقيق النجاحات المتوقعة التي تضمن استقرار الوضع، وهذا بدوره يظهر مشروع اتفاق أوسلو كنموذج غير ناجح في عيون الناس.
الموقف السلبي الذي اتخذته السلطة الفلسطينية تجاه حركة «حماس» أثناء العملية وعدم استخدام العملية كورقة ضاغطة في مفاوضاتها مع "إسرائيل" للإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين في السجون "الإسرائيلية"، أثر سلبًا على تصور الشعب الفلسطيني عن السلطة وساهم بإضعافها شعبيًا بشكل أكبر، فيما ظهرت حركة «حماس» كقوة مقاومة آخذة بالتطور وقادرة على إحراز نجاحات مرشحة للتعاظم.
كما أن العملية كشفت حجم المخاطر الكامنة في تفجير الأوضاع في مناطق الحكم الذاتي، وفي المقابل فإن حركة «حماس» أثبتت نجاعة أسلوبها القائم على تفريغ جهودها العسكرية في مقاومة الاحتلال مع استمرار النقد السياسي للسلطة الفلسطينية.
فكسمان الجندي العاشر الذي تختطفه حركة حماس منذ العام 1989:
جاء في إحصائيات "إسرائيلية" أن الجندي نحشون فكسمان هو الجندي العاشر الذي يختطف على يد مجموعات مسلحة تابعة لحركة المقاومة الإسلامية «حماس» خلال السنوات الخمس الأخيرة.
وحسب الإحصاءات "الإسرائيلية" فقد جرى اختطاف كل من:
- أفي ساسبورتس اختطف في 19 فبراير «شباط» 1989م.
- إیلان سعدون اختطف في 3 مايو «آيار» 1989م.
- نسيم طولیدانو اختطف في 13 ديسمبر «كانون الأول» 1992م.
- يهوشع ريدبرغ اختطف في 9 مارس «آذار» 1993م
- يارون حيمس اختطف في 5 أغسطس «آب» 1993م.
- إیلان ليفي اختطف في 24 أكتوبر «تشرين الأول» 1993م.
- إيهود روتني اختطف في 24 أكتوبر «تشرين» 1993م.
- شاحر سيماني اختطف في 21 أبريل «نیسان» 1994م.
- ارييه فرنکنطال اختطف في 7 يوليو «تموز» 1994م.
- نخشون فکسمان اختطف في 9 أكتوبر «تشرين الأول» 1994م.
وفي حالة واحدة فقط حاول المختطفون مقايضة الرهينة بمعتقلين فلسطينيين، وهي عملية اختطاف جندي حرس الحدود نسيم طوليدانو، من حرس الحدود، الذي اختُطف في ديسمبر «كانون الأول» 1992م، وقُتل بعد أقل من 24 ساعة من اختطافه، ويُذكر أن "إسرائيل" أبعدت 415 من نشطاء حركتي «حماس» والجهاد الإسلامي في أعقاب عملية اختطافه.
وتقول الإحصاءات "الإسرائيلية" إن 21 جنديًا "إسرائيليًا" اختُطفوا وقتلوا منذ العام 1973 داخل "إسرائيل" على يد منظمات فلسطينية مختلفة.
موضوع الغلاف
«إسرائيل» تعلن المواجهة الشاملة مع حركة «حماس»
طولكرم خاص لــ «المجتمع» - من سليم تايه «*»
- "إسرائيل" تسعى لتطويق حماس من الدول المجاورة ومحاربتها في أمريكا وأوروبا
- رئيس أركان الجيش "الإسرائيلي" يعترف بقوة حماس ويقول إنها نمر خطير يصعب ترويضه ومن يعتقد خلاف ذلك إنما يغرق نفسه في الأوهام
- "إسرائيل" تصف حادث الباص بأنه الأعنف والأخطر في تاريخ الدولة العبرية
ترجل وركب الحافلة رقم (٥) التابعة لشركة "دان" "الإسرائيلية"، وفي شمال ميدان ديزنجرف في قلب مدينة تل أبيب، ومع اقتراب حافلة أخرى بجانبها وبينما كانت الساعة تشير إلى 8.55 صباحًا، فجر صالح عبد الرحيم نفسه بقنبلة، قالت الشرطة "الإسرائيلية" إنها تزن عشرات الكيلو جرامات.
ويضيف شاهد عيان "إسرائيلي": «لقد اختفت الحافلة تمامًا وكأنها تحللت»، وعلى الفور أُرسلت عشرات من سيارات الإسعاف إلى مكان الحادث، فيما قامت فرق أخرى بمسح المنطقة خشية وجود قنابل أخرى.
تداعيات ما قبل الانفجار
لا يمكن التعامل مع الحدث بمعزل عن سلسلة الهجمات التي قامت بها كتائب عز الدين القسام، الجناح الضارب لحركة المقاومة الإسلامية «حماس»، خلال الأسبوعين الماضيين، إلا أن العملية الأخيرة جعلت الحكومة "الإسرائيلية" تسعى إلى تجنيد جهد دولي في حربها مع «حماس»، إضافة إلى الجهد الداخلي، وسعت إلى ذلك عبر عدة مسارات:
إعلاميًا، تؤكد "إسرائيل" أن الجيش "الإسرائيلي" وأجهزة المخابرات ستصعد من حملتها ضد حركة «حماس»، عن طريق سلسلة إجراءات وتدابير تشمل إغلاق وهدم منازل واعتقالات إدارية واسعة.
فيما جرى تسريب ما قالت "إسرائيل" إنه مقترحات يناقشها المسئولون "الإسرائيليون"، لمواجهة تعاظم قوة حركة «حماس»، ومن بين هذه الاقتراحات هدم منازل نشطاء الحركة دون السماح لهم بتقديم اعتراضات أمام المحاكم "الإسرائيلية"، وشن حملة اعتقالات إدارية ضد نشطاء الحركة لفترات أطول بكثير مما تم في السابق، وتشديد إجراءات الضغط النفسي والجسدي على أعضاء الحركة أثناء التحقيق معهم في السجون "الإسرائيلية".
وقد أعلنت الحكومة "الإسرائيلية" أنها قررت فرض طوق عسكري على الضفة الغربية وقطاع غزة، فيما دعت لجنة برلمانية "إسرائيلية" إلى إقامة سياج أمني حول مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، والذي من شأنه - كما يرى بعض النواب - الحد من تسلل المقاتلين الفلسطينيين إلى داخل "إسرائيل" لتنفيذ هجمات مسلحة.
وأعلن موشيه شاحل موافقته على وضع رجال أمن داخل الباصات "الإسرائيلية" العامة، وطالب بتجنيد 1000 شرطي إضافي لمواجهة تصاعد الهجمات المسلحة.
لكن هذه الإجراءات والتحركات لم تشمل قرارًا بتنفيذ عملية إبعاد لقادة وناشطي حركة «حماس»، ذلك أنه وكما يبدو للقادة "الإسرائيليين"، أن عملية الإبعاد الأخيرة في عام 1992 والتي تمت على خلفية اختطاف ومقتل الجندي نسيم توليدانو لم تخفف من حدة وقوة الهجوم الذي تشنه «حماس» على "إسرائيل".
العلاقة "الإسرائيلية" مع سلطة الحكم الذاتي على صعيد الموقف تجاه السلطة
بدت "إسرائيل" في أعقاب الهجمات كمن تبحث عن شريك آخر في السلام غير سلطة الحكم الذاتي، ويبدو الأردن الآن أكبر المرشحين لخلافة المنظمة في هذا الدور.
فقد رفض رئيس الدولة العبرية عيزرا وايزمان التحدث مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس السلطة الوطنية ياسر عرفات عندما اتصل به الأخير ليعرب له عن تعازيه في أعقاب عملية تل أبيب، وقال: «إذا ما استخلصنا العبر فإننا سنتوصل إلى نتيجة هي أننا تعاقدنا مع شخصية غير ملائمة»، في إشارة إلى عرفات، وأضاف: «نحن سنغير هذه الشخصية، أو أنه سيتغير تلقائيًا أو أن الوضع سيتغير»، على حد قوله.
فيما تلح "إسرائيل" على السلطة الفلسطينية من أجل اتخاذ إجراءات أكثر فعالية ضد الحركة، وتقول الصحف العبرية إن «إسرائيل زودت وستزود أجهزة الأمن في السلطة الفلسطينية بقوائم دقيقة بأسماء أعضاء حركة حماس».
ويمكن القول إن الحكومة "الإسرائيلية" في محاولاتها لمحاصرة تعاظم حركة حماس تنهج مسارين: الأول وهو المسار الداخلي، والذي تلخصه أقوال إيهود باراك، رئيس أركان الجيش "الإسرائيلي"، بأن الجيش "الإسرائيلي" وأجهزة الأمن الأخرى تعتزم بالدرجة الأولى تركيز جهدها ضد منفذي الهجمات المسلحة، وفي نفس الوقت السعي إلى تقويض شبكة الدعم والعون الاجتماعية الشاملة المؤيدة لحركة «حماس».
وحسبما أشارت مصادر "إسرائيلية"، فإن "إسرائيل" سوف تحاول ضرب البنية المؤسسية للحركة في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وذلك في محاولة لتقليص النفوذ السياسي والاجتماعي للحركة، وذلك ضمن خطة تهدف إلى «تدمير البنية التي تسند إليها حماس من أساسها».
من جهتها، أشارت صحيفة «معاريف» إلى أن أوساط الجيش وجهاز المخابرات عززت من نشاط جمع المعلومات الاستخبارية عن الذراع العسكري لحركة «حماس»، المعروف باسم «كتائب عز الدين القسام»، كما قالت إن «الجيش "الإسرائيلي" بدأ استعدادات لتنفيذ حملة اعتقالات واسعة ضد كوادر حماس في الأراضي المحتلة»، فيما قالت مصادر عسكرية إنها لا تستبعد دعوة الجيش قريبًا لتنفيذ عمليات عسكرية محدودة تستهدف نشطاء الجناح العسكري لـ«حماس».
أما على المسار الخارجي، فإن "إسرائيل" تحاول التوجه نحو الدول المشاركة في عملية السلام معها لمحاصرة حركة «حماس»، فتوقيع المعاهدة الأردنية - "الإسرائيلية" والتقارب مع الأردن - حسب اعتقاد "الإسرائيليين" - كفيل بأن يوقف الدعم الخارجي للحركة أو يعمل على تحديده.
وكانت صحيفة «يديعوت أحرونوت» قالت: «إن "إسرائيل" طالبت الأردن بالعمل فورًا على وضع حد لنشاطات حركة حماس في الأراضي الأردنية»، على الصعيد ذاته، نقلت الصحيفة عن رئيس الاستخبارات العسكرية الأردنية اللواء تحسين شردم في مقابلة خاصة أجرتها معه قوله: «إن الأردن لن يسمح لحركة حماس بالعمل من الأراضي الأردنية ضد "إسرائيل"»، مضيفًا: «سنمنعها من القيام بأي شكل من النشاط الإرهابي ضد "إسرائيل"».
وتشير التحركات "الإسرائيلية" إلى أنها تسعى بشكل أو بآخر إلى إحداث نوع من حصار إقليمي حول «حماس» في فلسطين باتفاقها مع الأردن ومصر، لكن استعداد هذه الدول، وخاصة الأردن، للدخول في صدام مباشر مع الحركة الإسلامية «الإخوان المسلمون»، الجماعة الأم لـ«حماس»، يبدو صعبًا في الظروف الآنية.
وعلى المسار الخارجي، تقول مصادر "إسرائيلية": «إن السلطات "الإسرائيلية" تسعى لعقد اتفاق "إسرائيلي" – أمريكي - أوروبي لضرب حماس»، ويقول "الإسرائيليون" إن «وزير الشرطة "الإسرائيلي" موشيه شاحل أعلن عزمه القيام باتصالات مع أجهزة المخابرات الأمريكية «سي آي إيه» و«إف بي آي» بهدف الكشف عن مصادر تمويل حركة «حماس» لقطع المساعدات المالية التي تصل الحركة»، كما أعلن شاحل عزمه إجراء اتصالات مع مخابرات عدد من الدول الأوروبية لنفس الغرض.
وتبدو قدرة "إسرائيل" على وقف الهجمات الحالية صعبة، ويعترف باراك في مقابلة مع صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن اعتقاده بأن هجمات مثل عمليات «حماس» الأخيرة سوف تستمر، ويضيف: «لا أريد أن نخدع أنفسنا»، مشيرًا إلى أن «العدو متصلب ويمتلك نفسًا طويلًا»، ويصف باراك «حماس» بأنها «نمر خطير لا يمكن تدجينه، ومن يعتقد خلاف ذلك إنما يغرق نفسه في الأوهام».
والمشكلة في رأي باراك أن «قسمًا من هذه القاعدة يتواجد لدينا، فيما يوجد جزء آخر ضمن سيطرة السلطة الفلسطينية، فضلًا عن وجود أنواع معينة من الإسناد والتأييد لهذه الحركة في أماكن أخرى محيطة "بإسرائيل"، من بينها دول متجاورة وأخرى بعيدة».
القساميون الجدد.. محاولة للفهم
العودة إلى بداية الكتائب ترجع إلى عام 1989، حيث بدأ كجهاز الحركة المقاومة الإسلامية "حماس" ناشطًا في تصفية العملاء. إلا أن الجهاز بدأ عمله العسكري ضد قوات الاحتلال بعد حل الجهاز العسكري السابق للحركة "المجاهدون الفلسطينيون" عام 1989 في أعقاب اعتقال قادته والنواة التي شكلوها. ويتخذ القساميون الجدد شعار القسام الأول: "هذا جهاد، نصر أو استشهاد" شعارًا لهم.
كما يزيد البعد العقائدي في نفوس المنتسبين للكتائب من صعوبة الحد من نشاطاتهم. ويشير المعلق "الإسرائيلي" زئيف شيف إلى أن الهجوم الذي أسفر عن مقتل 22 شخصًا وجرح 48 آخرين يدل على مقدرة الرد السريع من جانب حركة "حماس" على أحداث سياسية معينة وإيجاد متطوعين مستعدين للتضحية بأنفسهم، حسب تعبيره.
وتشير إحصائية نشرتها صحيفة «معاريف» إلى أن مقاتلي «حماس» كانوا أول من أدخل ظاهرة «الرجل الانتحاري» في هجمات على حافلات "إسرائيلية"، وقالت إنه من بين 14 هجومًا كانت كلها ضد حافلات في "إسرائيل" منذ مطلع عام 1993، تبنت «حماس» المسئولية عن 11 هجومًا، فيما وصفت الهجوم الأخير في تل أبيب بأنه الأعنف منذ 40 عامًا.
وتشير العمليات الأخيرة إلى عدة أمور: أولها أن الخبرة العملية للكتائب والمتطورة يمكن توظيفها في عمليات واسعة ومؤثرة مستقبلًا، ثانيها قدرة الحركة على سحب البساط من تحت أرجل سلطة الحكم الذاتي في محاولاتها تجريد حماس من الأسلحة التي بحوزتها، خاصة وأن إجراءً كهذا لن يوقف الحركة، وفيما يبدو ستبدو السلطة كجيش «لحد» في جنوب لبنان وسيفقدها مزيدًا من الدعم.
وتشير العمليات إلى تطور النهج القتالي لدى «حماس»، ويرى شيف أن من الخطأ نسب الانفجار لرجل جريء واحد حمل المواد المتفجرة إلى الباص، فالأمر يشمل شبكة أوسع بكثير تضم تخطيطًا وجمع معلومات ميدانية مسبقة حول الأهداف وطريقة التنفيذ، وإلى خبراء يحتفظون بالمواد المتفجرة ويعدون أجهزة التشغيل الأوتوماتيكية، وإلى مساعدين يتولون نقل الشحنة الناسفة والرجل الانتحاري إلى ميدان العملية، مشيرًا إلى أن الحكومة "الإسرائيلية" أمام جهاز متكامل ومعقد ليس من السهل ضربه والإجهاز عليه.
ويسند مجموعات القسام النموذج التنظيمي الذي يسير عليه في تنظيم أفرادها، وهو نموذج تنظيم «النقاط الميتة»، حيث تتحرك المجموعات في صورة مجموعات صغيرة لا تعرف بعضها، مما يضمن سريتها في ظل ظروف الاحتلال. أما نجاح «حماس» مرارًا وتكرارًا في الاحتفاظ بكميات كبيرة من المتفجرات يجعل الأمر صعبًا أمام الحكومة "الإسرائيلية" في إمكانية القضاء على التسليح الذاتي للكتائب.
السلطة الفلسطينية وحماس.. إلى أين؟
أعرب رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات في أعقاب الهجوم عن تعازيه لأسر القتلى، وقال: Jإنني أنقل باسم الشعب الفلسطيني وباسمي شخصيًا أصدق التعازي للعائلات وأقرباء الضحايا الأبرياء الذين فقدوا حياتهم نتيجة لهذا العمل المدان». على صعيد آخر، وصف منفذي الهجوم بأنهم «أعداء السلام»، مشيرًا إلى ضرورة مواصلة «دفع عملية السلام وتقويتها واستكمال تنفيذها لكونها جزءًا أساسيًا من الرد على المتطرفين الهادفين إلى إفشال عملية السلام».
وباستثناء البيان الذي أصدره بدا عرفات عاجزًا عن اتخاذ إجراءات جديدة، ويعتقد أن تجاوب السلطة مع دعوة "إسرائيل" لضرب «حماس» محدد بعدة عوامل، منها قوة حركة «حماس» ووجودها كأكبر حركة معارضة على الساحة الفلسطينية، والتي سيرت قبل أسبوع 50 ألف مناصر في مظاهرة سلمية من أجل الإفراج عن معتقليها في سجون السلطة منذ اختطاف الجندي فكسمان، كما أن من شأن الإمكانية العالية من التسليح التي تتمتع بها «حماس» دفع السلطة للإحجام عن الصدام معها، ويلاحظ أن السلطة قد خففت وتيرتها في المطالبة بتجريد الفصائل الفلسطينية من السلاح.
ومن بين العوامل المحددة للصدام أن دخول السلطة في صراع مع «حماس» يضر بالسلطة، وهو الرأي الذي يتبناه تيار المعتدلين في السلطة ويكبح من جماح الضاغطين باتجاه الصراع مع «حماس»، مثل محمود عباس واللواء نصر يوسف.
الشارع الفلسطيني
يبدو لمراقب الشارع الفلسطيني، الذي بدا في وقت من الأوقات لا مباليًا تجاه السلطة، أن الأمور بدأت تختلف قليلًا الآن، فقد حذر سفيان أبو زايدة، أحد زعماء حركة «فتح»، من اتخاذ إجراءات "إسرائيلية" ضد نشطاء وكوادر وأنصار حركة «حماس»، وقال: إن هناك مؤشرات خطيرة وخاصة في دعوة رئيس الوزراء.
"الإسرائيلي" إسحاق رابين الجهات القضائية بإعطائه مجالات أكبر للعمل ضد حركة «حماس»، مشيرًا إلى أن «هذا سيلقي بظلاله على العلاقات الفلسطينية - "الإسرائيلية" وسيؤثر بشكل خاص على الوضع في الأراضي المحتلة».
من جهة أخرى، وصف قيادي بارز آخر في حركة «فتح» العمليات المسلحة التي قامت بها «حماس» ضد أهداف "إسرائيلية" بأنها «مشروعة وحق مكتسب»، وقال غازي الحسني - وهو عضو المجلس الثوري في حركة «فتح» وشقيق فيصل الحسيني العضو في مجلس السلطة - إن «من حق الفلسطينيين أن يقوموا بعمليات مسلحة ضد أهداف "إسرائيلية"»، وأضاف أن «من شأن عمليات كهذه أن تساعد وتعجل بإخراج "الإسرائيليين" من الأراضي العربية المحتلة وإنهاء الاحتلال "الإسرائيلي"».
وتبدو تصريحات أبو زايدة والحسيني، إضافة إلى جملة تصريحات أخرى صدرت في أعقاب إجراءات السلطة ضد حركة «حماس»، مؤشرًا على مزاج الشارع وبوادر على أن اندلاع أي صدام مع حركة «حماس» من جانب السلطة سيضر بالحركة غير أنه سيقضي على السلطة شعبيًا وربما واقعيًا.
دار المسلم المتقدم
سلسلة قضايا منهجية
- قواعد ومنطلقات في أصول الحوار
د. عبد الله الرحيلي
- حوار حول منهج المحدثين
د. عبد الله الرحيلي
- حجية الأحاد
د. محمد الوهيبي