; (فلسطين الذبيحة في ذكرى التقسيم) | مجلة المجتمع

العنوان (فلسطين الذبيحة في ذكرى التقسيم)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 07-ديسمبر-1982

مشاهدات 63

نشر في العدد 598

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 07-ديسمبر-1982

  • الدول الكبرى لم تزدد بعد مرور خمس وثلاثين سنة إلا غرزًا للسكاكين بجسد الأمة.

  • وقف الملك فيصل في وجه أمريكا وقفة شجاعة.

  • بلفور... جريمة بريطانية

  • سلسلة تراجعات معظم الأنظمة العربية لن يوقفها إلا مد إسلامي.

  • قرار التقسيم الذي كان مرفوضًا رسميًا وشعبيًا صار الآن غاية المنى!

بينما ذكرى تقسيم فلسطين المسلمة تمر على العالم... وبينما تتداعى بعض البيانات الهشة الصادرة عن الأمم المتحدة في التضامن مع الشعب الفلسطيني.. لم تشأ الدول الكبرى إلا أن تعمل على غرز المزيد من السكاكين في جسم الوطن المحتل.. ولم تشأ إلا أن تتبنى كل ما هو يهودي من وجهات النظر المطروحة لحل ما يسمى بأزمة الشرق الأوسط، لا فرق في ذلك بين مواقف الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.... وبريطانيا صاحبة الجريمة الأولى في تقسيم فلسطين... والمسؤولة عن توطين اليهود في أرضنا المحتلة منذ اليوم الأول.... ولعل بريطانيا ما زالت على موقفها إزاء تبني وجهة النظر اليهودية.. فهي اليوم تريد أن تثبت لليهود عداءها لأهل فلسطين... وها هي ترفض الوفد الفلسطيني ضمن اللجنة السباعية كما فعلت الولايات المتحدة تمامًا.. ولعل كلتا الدولتين اللتين تذرعتا إزاء هذا الرفض بدعوى أن الفلسطينيين لم يعترفوا بعد بالدولة الإسرائيلية لا تريدان من هذا التصرف سوى إرضاء الرغبات اليهودية.

وهذا هو المنطلق الذي اعتمدت عليه بريطانيا في رفضها لاستقبال المندوب الفلسطيني ضمن الوفد العربي، ولأن بريطانيا في نظر اللجنة العربية أقل أهمية من أمريكا في «لعبة التسوية» فلم تستبعد المندوب الفلسطيني، كما فعلت في زيارة أمريكا، وإنما عدلت هي- أى اللجنة -عن السفر إلى بريطانيا.

لجنة سداسية ونجمة سداسية:

ولعل الصدفة وحدها هي التي جعلت بريطانيا وأمريكا تصران على أن تكون اللجنة العربية «سداسية» مثلما هي النجمة المتخذة شعارًا لليهود «سداسية»، ولكن اليهود دائمًا لا ينسون شيئًا حتى الرمز، إنهم يريدون لنجمتهم أن تتألق في سماء العرب باعتبار كل شعوب المنطقة من غير اليهود «جو بيم».

أهداف اليهود معروفة ووسائلهم لتحقيق هذه الأهداف معروفة، والذين أسسوا الكيان اليهودي في فلسطين وساندوه أيضًا معروفون، أما الأمر الذي لا تجد له تفسيرًا فهو أن هذه الأمة لم تتعلم من أخطائها، وما زالت تسير على المنهج نفسه الذي قادنا ويقودنا إلى الهلاك.

ما أشبه الليلة بالبارحة، اجتماعات تعقد، ولجان تتشكل، النصرة تطلب من أنصار العدو، ثم مراوغة وخداع من العدو وأنصاره وتنازلات وضياع من جانبنا.

كيف تتناقض بريطانيا مع نفسها؟ كيف تستقبل مندوبًا عن منظمة تحرير فلسطين وهي التي عملت على تهويد فلسطين؟

لا بد أن يختفي هذا المندوب بصفته الشخصية، فإن أصر على الحضور فلا بد أن تختفي صفته الاعتبارية أي كونه ممثلًا لمنظمة تحرير فلسطين، وذلك بإقراره ومعه بقية أعضاء اللجنة - شرعية الكيان اليهودي في فلسطين، وزيادة على ذلك يرفض النضال والجهاد لتحرير فلسطين الذي يسمونه إرهابًا.

فلماذا إذًا يحضر مندوب فلسطين إلى بريطانيا بعد ذلك؟

بريطانيا وتهويد فلسطين:

ولكن... هل غريب على بريطانيا هذا المسلك اللامنطقي واللا أخلاقي؟

لا... إن تاريخ بريطانيا والدول الكبرى في فلسطين وفي الوطن العربي شاهد على ما نقول: فحين قررت عصبة الأمم عام ۱۹۲۲ انتداب بريطانيا على فلسطين، نصت المادة الثانية من «صك الانتداب» على أن الدولة المنتدبة تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين»، وعلى الفور أرسلت بريطانيا مندوبها السامي الأول على فلسطين اللورد صموئيل، وكان يهوديًا صهيونيًا متعصبًا عمل بإخلاص لتنفيذ بنود صك الانتداب التي أدت في النهاية إلى زرع الكيان اليهودي في فلسطين.

ومثلما عملت الدول الكبرى على انهيار الخلافة العثمانية واقتسام ممتلكاتها وتقسيمها بعد مؤتمر سان ريمو ۱۹۲۰، كذلك حاولت بريطانيا تقسيم فلسطين بين اليهود الدخلاء والعرب الأصلاء، فإذا رفض العرب - وهذا ما حصل- كانت الأوضاع مهيأة لقيام الكيان اليهودي وتشريد أبناء فلسطين من ديارهم.

تقول «تاتشر» رئيسة وزراء بريطانيا: «إنها لا تتعامل مع منظمات بل مع دول» ومنظمة التحرير ليست دولة.. فهل كانت الوكالة اليهودية في فلسطين حينما كانت تتعامل معها بريطانيا وتجتمع مع مندوبيها وتطلب منهم إبداء الرأي في كل مباحثات مع العرب تتعلق بفلسطين... هل كانت الوكالة اليهودية دولة؟ وأمريكا أيضًا التي رفضت استقبال مندوب منظمة التحرير، لماذا أصرت عام ١٩٤٧ على حضور مندوب عن الوكالة اليهودية لحضور اجتماعات اللجنة السياسية للأمم المتحدة؟ أم انه الاستكبار العالمي ومنطق القوة الخالية من العدل؟

استقبال السفاح:

«مناحم بيغن» هذا السفاح المجرم قديمًا وحديثًا، والذي وصل بإجرامه إلى حد عض اليد التي أنعمت عليه، فأعدم عددًا من ضباط وجنود الإنجليز في فلسطين ليضغط على بريطانيا حتى لا تتراجع قيد أنملة عن سياسة تهويد فلسطين كاملة... هذا السفاح حكمت عليه بريطانيا بالإعدام باعتباره إرهابيًا لا لأنه ذبح النساء الحوامل والأطفال في دير ياسين، ولكن لأنه ذبح عددًا من جنود الإنجليز، وكان ممنوعًا من زيارة بريطانيا إلى إن جاءت «تاتشر» فاستقبلته في بلادها كرئيس لدولة صديقة، وألغي الحكم الصادر ضده بالإعدام لأنه لم يعد إرهابيا!!

فمن هو الإرهابي في نظر حكومة لندن؟

هو الفلسطيني إن طالب بحقوقه الوطنية ورفض إقرار الغاصب اليهودي على اغتصابه، وكل من يؤيد الفلسطيني في موقفه هذا سواء كان ضمن لجنة سداسية أو سباعية فهو إرهابي مثله، ويلزمه قبل أن يحضر إلى بريطانيا أن «ينبذ الإرهاب»، هذه هي بريطانيا التي ترتجي منها خيرًا.

هذه هي بريطانيا العظمى التي وقفت معها بعض الأنظمة العربية ضد دولة الخلافة الإسلامية من أجل أن «تمنحنا» وطنًا عربيًا مستقلًا، فمنحت «فلسطيننا» لليهود، ومزقت وطننا العربي أشلاء، هذه بريطانيا التي تقيم معها أوثق العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية، فتقابلنا باستخفاف، وتشترط على مندوبينا الذين يمثلون كافة الأقطار العربية أن يعترفوا بإسرائيل وأن يتخلوا عن مقاومتها، وإلا كانوا إرهابيين لا يستحقون أن تستمع «الأم الحنون» إلى همومهم مع ابنتها المدللة «إسرائيل».

متى نحترم أنفسنا فيحترمنا الآخرون؟ متى نتخلى عن دور «البقرة الحلوب» للدول الكبرى التي لا تقابل الإحسان إلا بالإساءة، والوفاء إلا بالجحود، والاحترام إلا بالاحتقار؟

الملك فيصل يتحدى أمريكا:

متى نقف موقف الرجل الشجاع «الملك فيصل» رحمه الله عندما وقف متحديًا أمريكا فقطع عنها البترول، وأبدى استعداده للعودة إلى حياة التقشف التي لا تقوى عليها أمريكا، مما جعل كبرى الدول الاستعمارية الغربية تعيد حساباتها من جديد وتدرس هذه الظاهرة بعمق وتتخذ الاحتياطات حتى لا تتكرر.

أما آن لنا أن نعيد ترتيب أوراقنا، وأن تشكل اللجان المختصة لدراسة هذه الظاهرة ظاهرة الاستخفاف بنا، وابتزازنا واستغلالنا من قبل الدول الكبرى دون أن تأخذ في اعتبارها -تلك الدول - الأخذ بعين الاعتبار مصالحنا الحيوية كبشر؟

الفلسفة الغربية والتفكير العربي:

لا شك أننا إذا أردنا أن نصل إلى نتائج ذات بال حول هذه الظاهرة، فعلينا أن ندرس طبيعة الفلسفة التي يقوم عليها نظام الدول الغربية، ثم تدرس طبيعة التفكير الذي ينطلق منه القرار السياسي في الوطن العربي، وبعد ذلك نحاول أن نغير من أنفسنا ومن تعاملنا مع الآخرين حتى يغيروا هم من تعاملهم معنا.

أما عن طبيعة الفلسفة الغربية فهي التعامل مع الواقع الموضوعي من جهة والتصرف من منطلق المصلحة والمنفعة من جهة أخرى، فهي فلسفة «وضعية» واقعية وهي فلسفة «براجماتية» عملية، وبين التعامل مع الواقع ومع المصلحة تدور السياسة الغربية، فإذا قيل إن العرب موجودون في الواقع، جاء دور المصلحة، فإذا قيل إن مصلحة الدول الغربية مع العرب أكثر منها مع اليهود، كان الجواب الذي يمثل عين الحقيقة المرة، ما دامت مصالحنا في البلاد العربية لا تتأثر بوقوفنا مع «إسرائيل» فلماذا تغير هذه السياسة؟».

هذه العبارة نطق بها أحد الدبلوماسيين الغربيين عندما سأله أحد المسئولين الفلسطينيين: «لماذا تقفون مع «إسرائيل» وأنتم تعلمون أنها على باطل؟»

الفلسطيني العربي يسأل سؤالًا أخلاقيًا منطقيًا عن الحق والباطل، فيجيبه الدبلوماسي الغربي جوابًا فلسفيًا واقعيًا عمليًا عن المنفعة والمصلحة.

ولذلك يقول «وليم جيمس» أحد الفلاسفة الأمريكيين البراجماتيين: «الحق والنفع مترادفان» أي كل ما ينفع حق وكل ما لا ينفع باطل.

نتعامل مع الغربيين بلغة الحق والباطل، واللغة التي يفهمونها هي لغة المصلحة والمنفعة.

ونتعامل مع بعضنا البعض بلغة المصلحة والمنفعة الفردية أو الذاتية أو الإقليمية ،حتى وإن تعارضت مع المصلحة العامة، وهذا ما لا يقره ديننا الحنيف ولا الأخلاق الكريمة، ولذلك دبت بيننا الشحناء والبغضاء، وهُنا على أعدائنا بل واستعنا بهم من دون الله على أنفسنا، وحين ضيعنا العقيدة من نفوسنا ضعنا ، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ  (الحشر: ١٩)، وحين تخلينا عن معاملة أعدائنا بالمثل تمادوا في إذلالنا والاستخفاف بنا ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ  (البقرة: ١٩٤).

نحن في حاجة إلى تغيير شامل في مفاهيمنا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ﴾ (الرعد: ١١)، وإلا فسيظل السرطان اليهودي يسري حتى يأتي علينا جميعًا.

لا بد من تغيير في مناهجنا الدراسية وبرامجنا الإعلامية والثقافية ونظامنا الاقتصادي، بالإضافة إلى سياستنا الخارجية والداخلية، ولا يتأتى ذلك إلا بالعودة إلى منهج الله الذي يحدد العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان، وبين الإنسان وخالقه، هذه العلاقة التي قامت على العبودية لله والاحترام للإنسان الذي كرمه الله.

أما العبودية لغير الله واحتقار الإنسان للإنسان فليس من شريعتنا ولا من أخلاقنا.

في ذكرى التقسيم لا بد من التغيير:

فلنجرب أن نعيد النظر في كل مجالات حياتنا، وليبدأ كل منا بنفسه ثم بمن يعول أو بمن يحكم، المهم أن نبدأ السير في الطريق الصحيح، وليس علينا أن نحقق ما نريد في جيل أو جيلين فالأمر بعدئذ لله، إما أن نشخص الداء دون أن نتعاطى الدواء، فهو كمن يدرس العلم دون أن يعمل به، ولا خير في علم لم يتبعه العمل.

نقول هذا في ذكرى قرار تقسیم فلسطين الذي صدر عن مجلس الأمن الدولي في 29/11/1947، وهو اليوم الذي اختير ليكون يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني، وفي اليوم التالي لهذه الذكرى كانت هدية بريطانيا للشعب الفلسطيني في ذكرى تقسيم وطنه على يد بريطانيا وأمريكا بل، وابتلاع وطنه كله فيما بعد.

كانت هدية بريطانيا لهذا الشعب المجني عليه من قبلها أن ترفض استقبال وفد عربي، لأن فيه واحدًا من شعب فلسطين الذي رفض تقسيم بلاده فلسطين فيما مضى، والذي أصبح الآن عند بعض الناس غاية المنى وعند الغاصبين وأعوانهم البريطانيين والأمريكيين مرفوض لأن الزمن قد تجاوزه، ولأن التقسيم الآن هو «لإسرائيل» وليس «لفلسطين».

ولعل في القصة المعروفة عن سليمان الحكيم حين احتكمت إليه امرأتان اختلفتا على طفل لأيهما يكون؟ فكان أن حكم بقسمة الطفل بينهما، فرفضت الأم الحقيقية القسمة ووافقت الأم المزيفة عليها، لعل في هذه القصة ما يعبر أدق تعبير عن حقيقة موقف الذين رفضوا تقسيم فلسطين والذين وافقوا عليه في حينه.

ثم إن تبديل المواقف الآن لا يمكن تفسيره إلا بعمى الألوان، واختلاط الأوراق، وفقدان التخطيط، وغياب العقيدة لدى الجانب العربي، وأما الجانب الآخر جانب العدو الصهيوني، وأعوانه فهم يعرفون ما يريدون، ويخططون لما يريدون على مراحل، وفرق بين الفعل وبين رد الفعل.

فصحوا يا أمة المسلمين... وعودًا إلى الله وكونوا أشداء على الكفار رحماء بينكم فو الله «لا تلد الحية إلا حية» ولا يثمر الشوك إلا شوكًا «ولا يأتي من الغرب ما يسر القلب» ولقد جربناهم فوجدنا الحقيقة الإلهية ماثلة أمامنا ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ (البقرة: ١٢٠)، ولن يقر لأمتنا قرار ما دام السرطان اليهودي يتفشى في جسد هذه الأمة وما دام الفكر الصليبي واليهودي يسري في عقولنا.

صحوًا يا أمة المسلمين... أو الطوفان!!

 

الرابط المختصر :