; موضوع الغلاف: معركة البقاع أكتوبر جديدة.. أم تسخين سياسي | مجلة المجتمع

العنوان موضوع الغلاف: معركة البقاع أكتوبر جديدة.. أم تسخين سياسي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-مايو-1983

مشاهدات 43

نشر في العدد619

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 03-مايو-1983

في الوقت الذي بدأ فيه جورج شولتز وزير الخارجية الأميركي جولته المكوكية في الشرق الأوسط ارتفعت وتيرة المواجهة القائمة في منطقة سهل البقاع «شرق لبنان» بين سوريا وإسرائيل، فمن المعروف أن القوات الإسرائيلية بلغت في تقدمها نحو البقاع منطقة صوفر في أعلى الجبل على طريق بيروت –دمشق، وبلغت مناطق تبعد عدة كيلومترات عن طريق دمشق على امتداد السهل الذي تعسكر فيه القوات السورية، ومن المعروف كذلك أن الدفاعات الجوية السورية وبطاريات صواريخ سام على اختلاف قياساتها وأنواعها التي كانت مركزة في سهل البقاع لمواجهة الطيران الإسرائيلي وحماية القوات السورية.. قد ضُربت كلها في معارك الصيف الماضي، وأن سوريا خسرت في تلك المعارك ثلث سلاحها الجوي، إضافة لتراجع قواتها من بيروت والشوف وجزين والمتن، لتتوقف؛ حيث هي الآن بانتظار القرار الحاسم، بالانسحاب أو المواجهة. فهل تعتبر الحشود العسكرية الآن في البقاع، ورفع وتيرة المواجهة مقدمة لمعركة كبيرة بين الجيشين المتقابلين، السوري والإسرائيلي؟ أم‏ أنها مجرد مرحلة من مراحل المواجهات العربية مع إسرائيل عبر حروب ‎١٩٥٦‏ و‎١٩٦٧‏ و١٩٧٣؟!‏

  • الاحتياط السوري:

‏سوريا من جانبها تحس بأن إسرائيل تحشد المزيد من قواتها في الجنوب اللبناني والبقاع، وأن هذه الحشود لا مبرر لها سوى توجيه ضربة مباغتة للقوات السورية، من أجل شل فاعليتها وإخراجها من ساحة الصراع والمساومة حول موضوع الانسحابات من لبنان. وقد احتاطت ‏سوريا لهذا الموقف بأن استقدمت المزيد من الخبراء السوفيات، وحمَلت الاتحاد السوفياتي لكي يعلن في أكثر من مناسبة بأنه لن يسمح لإسرائيل بانتهاك الأراضي السورية.. ثم استقدمت بطاريات سام (‎٥)‏ ذات الفاعلية العالية في التصدي للطيران الإسرائيلي إذا ما حاول تخطي التحذير السوفياتي وضرب الأراضي السورية بشكل مباشر.

  • التسخين وجولة شولتز:

‏لكن ما علاقة كل ذلك بجولة جورج شولتز وزير الخارجية الأميركي؟!

إن الجولة لم تشمل -حتى كتابة هذه ‏السطور- دمشق، مع أن ذلك وارد في برنامج زيارات شولتز.. معنى هذا أن زيارة دمشق ستكون مرهونة بتقدم واضح على مستوى الحوار القائم بين لبنان وإسرائيل حول انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان والضمانات التي تطالب بها إسرائيل مقابل ذلك.. حتى إذا ما انتهت الصفقة التي تعقدها الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل بدأ فصل جديد على محور لبناني سوري، بتدخل أمريكي مواز للتدخل الذي يفترض أن يذلل العقبات القائمة حتى الآن أمام محادثات الانسحاب. بهذا الشكل تكون الحشود المتبادلة وحالة الاستنفار المعلنة بين كل من سوريا وإسرائيل مجرد استدعاء لجهود جورج شولتز ولفت نظر إلى المشكل القائم في المواجهة السورية الإسرائيلية في منطقة البقاع.

 أما إذا لم تستجب إسرائيل لضغوط الولايات المتحدة الأمريكية وكُتب لجولة شولتز أن تفشل، فإن زيارته لدمشق ستبدو غير ذات موضوع؛ لأن الضغط الأميركي إذا لم يفلح في سحب ‏القوات الإسرائيلية من لبنان، مع كل ما قدمه لبنان من واقعية وتنازل خلال المفاوضات، وتفويض أميركي كامل. فإنه من باب أولى ألا تكون الولايات المتحدة قادرة على أن تمارس ضغطًا على إسرائيل من أجل إعادة مرتفعات الجولان إلى سوريا كما وعد بذلك الرئيس الأميركي ريغان خلال برقية التهنئة التي أرسلها إلى الرئيس حافظ أسد في ذكرى جلاء القوات الأجنبية عن سوريا (17/4/1983).. ‏وبالتالي فإن إسرائيل ستكون مستعدة لعملية عسكرية ضد القوات السورية في البقاع من أجل التوازن الذي يراهن على المفاوض اللبناني بمطالبته بانسحاب متزامن للقوات الأجنبية كلها من لبنان، وهي قوات إسرائيل وسوريا وقوات منظمة التحرير الفلسطينية، لأنه بذلك ستتفرد إسرائيل بالموجود على الأرض اللبنانية، ومعنى هذا انهيار كل أمل بانسحاب القوات الإسرائيلية من جنوبي لبنان، وتنفيذ المخطط الإسرائيلي الرامي إلى تقسيم البلد «طائفيًا».. بحيث تأخذ إسرائيل الجنوب، وتبقى سوريا في الشمال، وتتقاسم الدولتان سهل البقاع، وتقوم دولة «لبنان الصغير» ذات الأغلبية المارونية في بيروت والجبل، إلى جانب كيان للدروز في جنوب لبنان الشرقي والجليل وجزء من حوران والجولان... وتكر سبحة الدويلات الطائفية لتحل محل الكيانات السياسية الهشة القائمة الآن، وستتسع لتنتشر من لبنان إلى سوريا، وسواها من الدول العربية ذات التركيب الطائفي أو القومي المتعدد.

‏هذا الدرك من التردي لم تبلغه الأمور بعد في المنطقة، لكن سيكون أمرًا محتمل الوقوع إذا ما فشلت جهود الوساطة الأمريكية ورجع جورج شولتز دون أن تحقق جولته أغراضها.

  • أمريكا وعناصر حل الأزمة:

‏المراقبون يقولون بأن الولايات المتحدة الأمريكية ما كان لها أن تجازف بسمعتها الدولية ومكانة وزير خارجيتها لولا أنها قد ملأت يدها من عناصر حل الأزمة اللبنانية، فالمفاوضات بدأت منذ أشهر، والولايات المتحدة شريك كامل في المفاوضات، لذلك فإنه لا يصح القول بأن شولتز قد فوجئ بمطالب إسرائيلية أو رفض لبناني، وقد تم الإعلان عن الزيارة قبل أشهر، ثم تأجلت حتى تكون المفاوضات قد نضجت بشكل يتيح لوزير الخارجية الأميركي أن يضع لمساته الأخيرة من خلال عملية تليين المواقف لكلا الطرفين، وتنتهي بتوقيع «اتفاق» أمني، تريده إسرائيل «معاهدة سلام» يوقعها وزراء الخارجية وتتضمن اعترافًا متبادلًا وفتح حدود وتبادلًا تجاريًا ووجودًا عسكريًا في جنوب لبنان.. بينما يصر لبنان على مجرد «اتفاق» تنسحب بموجبه القوات الإسرائيلية مقابل ضمانات لأمن إسرائيل في الجنوب. وإذا حقق ‏شولتز هذه الخطوة فإنه سيكون مؤهلًا لزيارة دمشق استكمالًا لانسحاب القوات الأجنبية من لبنان، ودعوتها للمشاركة لها في عملية السلام التي تعلق عليها الولايات المتحدة أملها الكبير.

  • الموقف السوري:

‏الموقف السوري لم تظهر فيه بوادر المرونة المطلوبة، لأنه لا يثق بأن إسرائيل يمكن أن تتخلى لسوريا عن شبر واحد من مرتفعات الجولان بعد أن أعلنت ضمها إليها عام 1981، ‏لذلك كان لا بد من إعلان النفير العام في البقاع، واستنفار سلسلة من التصريحات السوفياتية المجانية المتعهدة بحماية سوريا، وأن أي هجوم عليها قد يهدد السلام العالمي بالخطر. هذا الكلام تفهمه إسرائيل جيدًا، وتفهم بأن التعهد السوفياتي -إن صدق- فلن يتعدى الدفاع عن الحدود السياسية لسوريا. أما قواتها في البقاع فإنها خارج نطاق التعهد السوفياتي؛ ولذلك فان قواعد صواريخ سام (‎٥‏) نصبت في سوريا ولم تدخل البقاع.. وعلى هذا فإن وسيلة سوريا الوحيدة الآن هي إثارة الغبار في البقاع من أجل بذل جهود عربية ودولية عبر الولايات المتحدة لردع إسرائيل عن توجيه ضربة خاطفة إلى القوات السورية العسكرية فيه. وعلى هذا فقد صدر بلاغ عسكري سوري «من جانب واحد» يوم 27/4/1983‏ يقول بأن قواتنا تصدت لمجموعة من آليات العدو في سهل البقاع، وأنها منعتها من تحقيق أغراضها.

‏فأصدرت إسرائيل توضيحًا للحادث يقول بأن «جرافة» إسرائيلية كانت تقوم بأعمال الحفر في البقاع، فأُطلقت عليها رمايات من أسلحة رشاشة من مصدر مجهول، وأن الحادث انتهى عند هذا الحد.. فالرغبة السورية في «تسخين» الموقف إعلاميًا واضحة.

‏من جانب آخر تنشر جريدة «الشرق» اللبنانية التي تعبر عادة عن الموقف السوري ‏بأنه حتى الآن، يوم (28/4/1983)‏ لم يحدد موعد زيارة جورج شولتز لدمشق من أجل أن يلتقي الرئيس الأسد.. على أمل أن تتحرك الولايات المتحدة بحرارة أكبر نحو دمشق من أجل إشراكها في المباحثات الدائرة لإنهاء أزمة ‏لبنان وأزمة المنطقة.

لذا، فإن سوريا تُبقي كل الأوراق في يدها. فهي لم تعط موافقة نهائية بعد على تحديد ‏موعد لعقد قمة عربية في فاس أوائل شهر مايو «أيار»..‏ ولم تتخل عن ضغطها الذي تمارسه على منظمة التحرير الفلسطينية من أجل أن لا تمنح تفويضًا للأردن بالانضمام إلى مفاوضات السلام نيابة عن الفلسطينيين.. ولم تتعهد رسميًا بسحب قواتها وقوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان على الرغم من أنها سبق أن تعهدت «خطيًّا» بذلك للسلطة اللبنانية.

  • ففي أي اتجاه ستسير الرياح في المنطقة؟!

إن الأمر معلق على أيام قليلة تفصلنا عن مفارق طرق رئيسية، يجري بعدها جلاء كل شيء. فإذا نجحت جهود وزير الخارجية الأميركي في إبرام اتفاق بين لبنان وإسرائيل يقضي بانسحاب القوات الإسرائيلية الغازية من لبنان، ومن ثم سحب كل القوات الأجنبية من أراضيه، فإن ذلك سيكون مؤشرًا على أن الموقف الأمريكي قد استعاد «مصداقيته»‏ كما سبق وأعلنت عدة جهات عربية، ومعنى هذا أن تباشر الولايات المتحدة جهودًا أوسع تستوعب سوريا من أجل إنعاش مبادرة ريغان ومقررات قمة فاس أو دمجها معًا في سبيل الوصول إلى حل للقضية الفلسطينية.. ومعنى هذا أن تسخين الموقف في البقاع، من جانب سوريا وإسرائيل على السواء، يكون قد آتى أُكُله ومهد للمفاوضات، لأن الضرب لا يفيد في حديد بارد، هكذا صنع السادات وحافظ أسد عام 1973، ‏لكن السادات تابع الطريق وترك الأسد وحده..‏

أما إذا فشلت جهود شولتز، فإن كل شيء سيكون واردًا، ابتداءً بتوجيه ضربة إلى القوات السورية وإخراجها بالقوة من لبنان، وانتهاء بتقسيم لبنان.. وسوريا في مرحلة لاحقة.. لأن هذا هو ما تحلم به إسرائيل وتعمل له منذ زمن طويل.. قيام دويلات طائفية عنصرية، على مشاكلة إسرائيل، تبرر بها وجودها وتؤصله، وتفتت المنطقة لتكون إسرائيل هي الأقوى والأقدر على إفراغ الحقد اليهودي في جسم الإسلام والمسلمين.. إلى أن يستعيدوا قدرتهم على تطهير أرضهم وإنقاذ العالم من خطر اليهودية الرابض على صدرها.. ويسألونك متى هو؟! قل عسى أن يكون قريبًا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل