; وماذا بعد عام الرمادة في لبنان؟ | مجلة المجتمع

العنوان وماذا بعد عام الرمادة في لبنان؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1987

مشاهدات 82

نشر في العدد 835

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 22-سبتمبر-1987

  • اللبنانيون مطالبون بشد الأحزمة حول بطونهم؛ حتى تنجلي المفاوضات عن نتيجة حاسمة!
  • أمين الجميل: لا تفريط بمكاسب الموارنة!!

بعد حالة الانهيار التي بلغتها الأوضاع في لبنان سياسيًا واقتصاديًا، وبعد انقطاع الأمل بالوصول إلى أية صيغة للوفاق الوطني في لبنان.. يتساءل كثير من المراقبين: لماذا كانت هذه الأزمة الطويلة والحرب المدمرة؟ وماذا حقق المتصارعون من ورائها؟ هل هي غضب من الله؟ أم تصارع طائفي؟ أم تنافر بين الفئات التي يتكون منها المجتمع اللبناني؟! وهل يرى اللبنانيون بلدهم يتمزق، واقتصادهم ينهار، ومؤسساتهم الاجتماعية تتفسخ، ثم يستمرون في لعبة الحرب المجنونة التي لا تنتهي مرحلة منها حتى تبدأ مرحلة أخرى أشد قسوة وضراوة؟

للإجابة على هذا السؤال لا بد من العودة إلى عام ۱۹۸۲ بعد الغزو الإسرائيلي للبنان، لقد كان الغزو نهاية مرحلة من مراحل الأزمة اللبنانية، وكانت تقتضي هذه النهاية أن يتم تركيب لبنان من جديد تحت الرعاية الإسرائيلية، وبحماية القوات المتعددة الجنسية «أمريكية وفرنسية وبريطانية وإيطالية» التي جاءت تحمي البنية الجديدة للنظام اللبناني الجديد، لقد أوفد الأمريكيون يومها مندوبهم السامي فيليب حبيب ليشرف على رحيل المقاومة الفلسطينية عن بيروت، وعلى انتخاب بشير الجميل رئيسًا للجمهورية اللبنانية، وعلى بداية العصر الإسرائيلي الذي كان يعتبر لبنان بوابة العرب التي تتسرب منها البضائع والأفكار والتصورات إلى العالم العربي المنكوب بأول عاصمة عربية تحتلها إسرائيل، وعلى هذا الأساس أشرف وزير الخارجية الأمريكية جورج شولتز شخصيًا على توقيع اتفاق ۱۷ مايو «أيار» الذي يقضي بقيام تنسيق لبناني إسرائيلي لمنع أي تهديد السلامة الجليل قادم من الأراضي اللبنانية.

سقوط الرهان:

وفجأة تلاشي الحلم، وسقط الرهان، وقتل بشير الجميل، وانقسم الجيش، وسقط اتفاق أيار، وانسحبت إسرائيل مرة وثانية وثالثة بدون أن يكون ذلك متزامنًا مع سحب القوات السورية من لبنان، وتوقفت عجلة التفوق الإسرائيلي، وانتهت أسطورة الجيش الذي لا يقهر.. لينسحب تحت ضربات المقاومة التي واجهت القوات الإسرائيلية الغازية والقوات الأمريكية والفرنسية، وأجبرت الجميع على الانسحاب من لبنان، وهم يلعنون الساعة التي تورطوا فيها بهذا المستنقع الآسن.

لكن هل يعني هذا أن تبتلع إسرائيل الهزيمة، وأن يسلم جورج شولتز بإلغاء اتفاق سهر على إبرامه أيامًا؟! لا بد من الانتقام من هذا البلد الذي أذل الأمريكيين والغرب كله، ومرغ سمعة إسرائيل في الوحل، وحملها على أن تنسحب لأول مرة من أرض عربية احتلتها بدون مفاوضات ولا شروط، ومن هنا كانت إشارة الانتقام، فسقط لبنان في دوامة الصراع الإقليمي،  وتوزعت قواه الداخلية هذا الجانب أو ذاك... وتطور الصراع إلى حد بلغ فيه الأطراف اللبنانيون حدًّا أصبحوا فيه أصحاب مصلحة في استمرار الأزمة؛ لأن الأطراف الخارجية لا تريد إحراق أصابعها أحيانًا، فيتولى الأدوات إحراق بيوتهم وأسواقهم ودولتهم واقتصادهم بأيديهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وبدأت الدوامة من الحرب الطائفية بين مسلمين ونصارى، إلى حرب بين الحزب التقدمي وحركة أمل، فإلى حرب المخيمات، وحرب بين المذاهب.. وهذا ما تنبأ به منسق الأنشطة الإسرائيلية في لبنان أوري لوبراني إبان الانسحاب الإسرائيلي الأخير من الجنوب، حين مثل كيف ستواجه إسرائيل ضربات الشيعة في الجليل إذا انسحبت؟ قال: إنهم سيكونون عندئذ منشغلين بحروبأخرى، وهذا ما حصل فعلًا.

مظاهر الانتقام:

إنه الانتقام، ولا بأس أن تطحن دوامته كل اللبنانيين مسلمين ومسيحيين، لقد كان الدينار الكويتي قبل المحنة يساوي عشر ليرات لبنانية، وهو الآن يقترب من الألف ليرة، كان الموظف يتقاضى راتبًا قدره خمسة آلاف ليرة، وكانت كافية لتوفير عيش رغيد، وهو الآن يتقاضى خمسة عشر ألفًا؛ لكنها تساوي خمسين أو ستين دولارًا فقط.

كان سعر صفيحة البنزين «۲۰ لترًا» سبع ليرات عام ١٩٧٥، وسعرها لأيام قليلة ٣٥٠ ليرة، وسيصبح بعد أن ترفع الدولة الدعم عن المحروقات أكثر من ألف ليرة لبنانية بعد أيام، ومع هذا فإن أي أمل بالخلاص لا يبدو في الافق.

فلماذا؟

إن أي حلحلة في الموقف المتأزم مؤجل لسنة كاملة على الأقل؛ لأن الأزمة الاقتصادية ليست ناتجة عن انهيار اقتصادي، وإنما هي نتيجة تفسخ الدولة، وانهيار مؤسساتها، وفراغ خزينتها.. وبما أن رئيس الجمهورية في لبنان هو صاحب القرار السياسي؛ فإن العام الأخير من ولاية الرئيس لا يمكن أن يكون عام الحل، بل هو عام تجمد الأزمة بانتظار التغيير الذي قد يحمل معه بوادر الحل، إن لم يكن مؤذنًا بالانهيار الكامل لكل مؤسسات الدولة الرسمية، ولماذا لا يستبق اللبنانيون الخراب، ويتفقون على الحل عام ۱۹۸۷ بدل أن ينتظروا الرئيس الجديد الذي يباشر مسؤولياته في ۲۳ سبتمبر «أيلول» ۱۹۸۸؟! ذلك أن الأزمة في لبنان ارتبطت بكل أزمات المنطقة، وبدل أن تسبقها في الحل باتت تنتظر حلها ليتفق اللبنانيون.. وإذا أردنا تعداد العوائق والأزمات فإن علينا انتظار كل ما يلي:

تخلي الرئيس الجميل:

فرئيس الجمهورية في لبنان لا يريد أن يغادر كرسي الرئاسة وهو في موضع الضعف في طائفته، فهو ابن مؤسس حزب الكتائب، وزعامة الموارنة معقودة لآل الجميل، والزعامة المارونية لا ينبغي لها أن تتنازل أو تفرط في مكاسب الموارنة وامتيازاتهم في السلطة، وعلى هذا فإن رئيس الجمهورية الحالي لا يمكن أن يفاوض؛ فيتنازل في نهاية حكمه، حتى لا يفقد مصداقيته المارونية، ويقع في الحرج أمام قائد القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، الذي يتهمه بالضعف والتفريط، وبالتالي فإنه لا يمكن أن يدخل مفاوضات حقيقية مع الأطراف الأخرى؛ لأن أي إصلاح دستوري أو إداري في لبنان يقتضي بالدرجة الأولى إلغاء الطائفية السياسية التي تخول الموارنة حق تولي المناصب الرئيسية في الدولة، وحيازة مكاسب البلد وخيراته، وإذن فلا بد من انتظار رئيس جديد للجمهورية.

انعقاد المؤتمر الدولي:

العقدة الثانية التي تنتظرها الأزمة اللبنانية هي احتمال عقد مؤتمر دولي للوصول إلى حل للقضية الفلسطينية، فحرب المخيمات أدخلت ثلاجة التجمد الآن، بانتظار انعقاد المؤتمر الموعود، فكيف سيكون التمثيل الفلسطيني؟  وكيف سيكون الوجود الفلسطيني في لبنان؟.. كل ذلك سوف يترك أثره على جو الأزمة، ولما كانت الأشهر القليلة القادمة حاسمة في تحديد مستقبل عقد المؤتمر كما يقول شمعون بيريز؛ فإن ارتباط الأزمة اللبنانية بأزمة الشرق الأوسط سوف يجعل من الضروري ترقب ما سوف يسفر عنه المؤتمر إذا ما عقد، وبعدها يمكن أن يتفرغ الأمريكيون للتفكير بحل للأزمة اللبنانية، وعلى هذا فإن على اللبنانيين أن يشدوا الأحزمة، ويربطوا الحجارة حول بطونهم؛ حتى تنجلي المفاوضات عن نتيجة حاسمة، وبعدها عليهم أن ينتظروا مصالح المتفاوضين أين نتجه، وعندها يمكن أن يترقبوا الحل.

.. وحرب الخليج..

قد يستغرب البعض ارتباط الأزمة اللبنانية بحرب الخليج، نظرًا لبعد لبنان عن ميادين القتال، لكن نظرة فاحصة على عاملين مهمين من عوامل الأزمة يجعلان ذلك امرًا متلازمًا، وليس مستبعدًا أن يكون النظام اللبناني الجديد ممثلًا برئيس الجمهورية الجديد طرفًا في هذا التحالف، وعندها سيكون طرف لبناني أساسي له مصلحة بفرط كيان لبنان قد أزيح من طريق الوفاق اللبناني.. لذلك فإن هذا المفصل المرتبط برجحان كفة الإجماع العربي في حرب الخليج سيكون له أثره في وضع نهاية منظورة للأزمة اللبنانية المستحكمة.

وبعد هذا كله..

مجموع هذه الاستحقاقات المحلية والإقليمية تقتضي الانتظار، وقد استوعب الجميع في لبنان هذه المعادلة، لذلك فإن الجميع ينتظرون، لا أحد يفكر بتشكيل حكومة إنقاذ جديدة، ولا بالوصول إلى وفاق سياسي وطني، ولا بفتح المعابر بين شطري العاصمة بيروت.. كل ذلك ممنوع عليهم، وقد استسلموا لهذا المنع.

كل ما يسعون إليه أن تتماسك المؤسسات ذات النفع العام حتى نهاية العام القادم على الحل المرتقب.

يطلبون أن تبقى مؤسسة كهرباء لبنان تمدهم بالتيار الكهربائي؛ لأن المؤسسة مفلسة، ولا تستطيع تغطية حاجتها من مادة الفيول، ولا أداءرواتب موظفيها.

يطلبون أن تبقى لهم نعمة الهاتف؛ لأن انقطاع الكهرباء عن مراكز الهاتف فترات طويلة يجعله أبكم أخرس.

يطلبون أن تبقى الأفران مفتوحة، فلا تحرم من مادة المازوت للوقود، ولا من مادة الطحين للخبز.

ويطلبون أن تبقى بعض المستشفيات مفتوحة لاستقبال الحالات الطارئة؛ لأنها مهددة بالإقفال نتيجة الإفلاس، أو انهيار الجهاز الطبي فيها. 

هل هذا كثير على اللبنانيين؟ لعل الأيام القادمة تثبت ذلك.

الرابط المختصر :