العنوان المشروع الإصلاحي واستخدام القوة «٢ من ٤».. موقف أهل السُنَّةِ من الحاكم
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر السبت 19-نوفمبر-2005
مشاهدات 69
نشر في العدد 1677
نشر في الصفحة 66
السبت 19-نوفمبر-2005
في بداية الحكم الأموي قارن المسلمون بين حكامهم وبين الخلفاء الراشدين، فلما وجدوا الفروق كبيرة بعد أن ولى عليهم معاوية ابنه يزيد، واستعان هذا الابن ببعض الولاة الظالمين كانت ثورة المسلمين بقيادة الإمام الحسين، ولكن أهل العراق خذلوه وتركوه للتعذيب والقتل فكان البلاء المبين بأهل البيت رضي الله تعالى عنهم.
لقد كان الخروج على الحاكم الظالم المستبد هو رأي كبار فقهاء القرن الأول، ثم استقر الرأي في الطبقة المتأخرة من التابعين على ترك الخروج والاكتفاء بالنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك لما ثبت أن الخروج على الحاكم قد أفضى لما هو أشد ضررا من بقاء هذا الحاكم «تهذيب التهذيب لابن حجر 2/488».
وفي هذه الفترة من القرن الأول أيد الإمام أبو حنيفة خروج الإمام زيد بن علي ضد هشام بن عبد الملك وكان ذلك عام ۱۲۱ هـ. لكن انتهت هذه الثورة بقتل الإمام زيد ١٢٢هـ، ولما قام ابنه يحيى يطالب بحق أبيه قتل هو الآخر ١٢٥هـ، ولما قام ابنه عبد الله يطالب بحق آبائه قتل كذلك ١٣٠هـ.
ولما قام محمد بن عبد الله الملقب بالنفس الزكية بثورته ضد الخليفة المنصور ناصره أبو حنيفة في دروسه في المسجد بل نصح قائد الجيش بعدم محاربته.
ولقد كان الخليفة المنصور يرصد ذلك لكنه لم يحاكم أبا حنيفة لأنه لم يحمل سلاحًا ضد الخليفة، ولهذا اكتفى باستمالته ليتولى منصب القضاء والإفتاء فرفض، عندئذ سجنه ثم ظل في سجنه حتى مات ١٥٠هـ.
لقد كان لفشل ثورة الإمام الحسين وآل البيت من بعده أكبر الأثر في عدول فقهاء القرن الأول عن رأيهم بالخروج على الحاكم الظالم، وذلك بسبب الضرر البالغ الذي لحق بجميع من خرجوا على الحكام.
فعلى سبيل المثال لما قام عبد الرحمن بن الأشعث بالثورة ضد الأمويين بسبب مظالم الحجاج بن يوسف الثقفي سجن مائة وعشرون ألفًا من الثوار ومنع عنهم الطعام والشراب حتى ماتوا في السجن.
وكذلك ترتب على خروج عبد الله بن الزبير ضد الحجاج الحبس للثوار وحرمانهم من الطعام والشراب بالإضافة إلى من قتلوا.
لقد اقتنع أصحاب أبي حنيفة وفي مقدمتهم أبو يوسف ومحمد بن الحسن بعدم جدوى الخروج على الحاكم الظالم، واكتفوا بنصحه حتى لو كان في ذلك القتل للناصح مع نصح الناس بما هو الحق والأولى.
ولقد كان فقه الإمام مالك وسطًا بين الواجب والواقع حيث عاصر الدولة الأموية والدول العباسية إلى أن مات ۱۷۹ هـ فرأى أن الخروج على الحاكم الظالم وإن كان مشروعًا إلا أن المصلحة الشرعية توجب عدم الخروج عليه بسبب الأضرار التي تنتج عن الثورة المسلحة فتجنب إراقة الدماء دون جدوى هو الواجب شرعًا وهو الذي دلت عليه النصوص الشرعية لهذا لما سئل عن الذين يخرجون على الحاكم هل يجوز قتالهم لمنعهم من الخروج عليه؟ قال: نعم، إذا خرجوا على مثل عمر بن عبد العزيز.
فلما سئل، وإن لم يكن الحاكم مثله؟ فأجاب: دعهم ينتقم الله من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما.
واشترط الإمام مالك ألا يقترن نصح الحاكم بالثناء الكاذب، فهذا يزين له سوء عمله. وقد سلك الشافعي هذا السبيل وهو عدم الخروج على الحاكم الظالم مع تجنب الثناء الكاذب عليه، لهذا لم يخرج على الخليفة المأمون عندما حمل العلماء على القول بأن القرآن مخلوق، وفي الوقت نفسه رفض طلب المأمون أن يتولى القضاء ورحل إلى مصر وأقام بها.
أما الإمام أحمد بن حنبل فقد عاصر ثلاثة من الخلفاء وهم المأمون والمعتصم والواثق ورفض مذهبهم الفاسد وهو القول بخلق القرآن وسجن خلال حكمهم وعذب، ومع هذا رأى عدم الخروج على الحاكم الظالم طالما أقام الصلاة والحدود الشرعية.
هذا الرأي الذي استقر عليه فقهاء أهل السنة يستند إلى أحاديث للنبي ﷺ رواها الإمام مسلم في صحيحه منها، أن سلمة بن يزيد الجعفي سأل الرسول ﷺ فقال: يا نبي الله أرأيت إن تأمر علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه النبي ﷺ ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله فقال اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم «النووي 12/236»
وأيضًا عن عوف بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: خيار أتمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أتمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم.. قيل: يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا.. ما أقاموا فيكم الصلاة.