العنوان ميسون الهاشمي.. سيرة داعية من أرض الرافدين
الكاتب إسراء علي
تاريخ النشر السبت 17-مايو-2008
مشاهدات 42
نشر في العدد 1802
نشر في الصفحة 40
السبت 17-مايو-2008
العراق
شقيقة نائب رئيس جمهورية العراق د. طارق الهاشمي
كانت من أوائل الملتحقات بمنتدي الأخت المسلمة.. وتتلمذت على يد نهال أمجد الزهاوي أول فقيهة في العراق
في بيت صغير بــ «محلة البارودي» في بغداد سنة ١٩٤٤م أبصرت ميسون أحمد بكر الهاشمي النور، لتبدأ مشوارها في الحياة بين أحضان عائلة كان لها تاريخها في البناء السياسي للعراق منذ تأسيسه عام ١٩٢١م.. فلقد رضعت لبان العراقة وورثته كابرًا عن كابر في عائلة برز منها وزراء ورؤساء وزارات وذوو مناصب مرموقة في الدولة، ومنهم ياسين الهاشمي رئيس الوزراء العراقي في الثلاثينيات من القرن العشرين، وطه الهاشمي وزير الدفاع لفترات متعاقبة ورئيس الوزراء العراقي عام ١٩٤١م.. فلم يكن البذل والعطاء طارئًا على حياتها.
تخرجت في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة بغداد عام ١٩٧٠م، لتكون أولى محطاتها الوظيفية في معمل أدوية سامراء، ثم تنقلت إلى وظائف في وزارات عدة، تدرجت خلالها في سلّم الرقي لتميزها بالعطاء، وحازت العشرات من كتب الشكر والشهادات التقديرية لتنهي مسيرتها المليئة بالعطاء في المديرية العامة للتنمية الصناعية.. وبعد أن كانت تشغل مدير قسم الرقابة الداخلية في المديرية أحيلت إلى التقاعد عام ١٩٩٦م، لتنهي بذلك مشواراً دام أكثر من ٢٧ عامًا في دوائر الدولة العراقية.
كانت من أوائل الأخوات اللواتي التحقن بمنتدى الأخت المسلمة في العراق، وتتلمذت على يد الحاجة نهال أمجد الزهاوي - يرحمها الله - التي تعد أول فقيهة في العراق، والتي تتلمذت على يد والدها الشيخ أمجد الزهاوي - يرحمه الله.
كان منتدى الأخت المسلمة هو ملاذ الأخوات الداعيات في العراق الذي يستقين منه العلوم الشرعية، ويتعلمن فيه حفظ وتلاوة القرآن الكريم، والذي كان مراقبًا على الدوام من قبل أجهزة النظام السابق ومخابراته، لكن ذلك لم يضعف همة ميسون الهاشمي وأخواتها.. واستمرت في الدعوة حتى بعد احتلال العراق إلى أن استشهدت برصاصات غدر في السابع والعشرين من أبريل عام ٢٠٠٦م في منطقة «السيدية» غربي بغداد أمام أنظار رجال الأمن والحرس الوطني الذين لم يحركوا ساكنًا ووقفوا موقف المتفرج.
«المجتمع» التقت السيدة هدى صبحي ابنة الشهيدة ميسون الهاشمي، لتحدثنا عن جوانب من حياة والدتها.. وكان هذا الحوار:
- عائلة الهاشمي لها دورها المميز في الساحة العراقية، فما أثر النشأة في مثل هذه العائلة في حياة الشهيدة ميسون الهاشمي؟
-معلوماتي استقيتها من جدتي ووالدتي وأخوالي، وهي أن العائلة نظرًا لمواقفها المميزة في الساحة السياسية العراقية كانت تتمتع بحس أمني فرض عليها الحذر في كثير من تصرفاتها وأحوالها، وكانت تتمتع بحس أمني كبير، خوفًا من الصدام مع الحكومات التي تعاقبت على العراق، لكي لا يشكل ذلك انعكاسًا على العائلة وأبنائها، خصوصًا وأن ياسين الهاشمي «رئيس وزراء العراق في أربعينيات القرن الماضي» كان رافعًا للواء الوطنية ضد الاستعمار، والعائلة كانت لها بصماتها الوطنية، أما الوعي الإسلامي فدخل للعائلة من خلال الخال د. طارق الهاشمي.
- خلال فترة الثمانينيات عانى التيار الإسلامي من ملاحقة النظام السابق، فما الذي روته الشهيدة لك عن تلك المرحلة؟
- في تلك الفترة تبلورت فكرة منتدى الأخت المسلمة الذي ضم الكثير من الأخوات، وكانت والدتي من رائدات المنتدى، وممن تتلمذن على يد الرائدات في المنتدى كالحاجة نهال الزهاوي.. وقد كان للشهيدة حضور ودور فعال وكانت متميزة بإلقاء الشعر الإسلامي الذي يكتبه الخال طارق، وخاصة في المناسبات الدينية، وأشعار الشاعر الإسلامي العراقي وليد الأعظمي، وخلال الدراسة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية كانت قدوة لزميلاتها، ومارست دورها الدعوي بحثهم على ارتداء الحجاب، وواصلت الدعوة بعد تخرجها من الجامعة في مجال العمل، وكنت ألحظ تأثيرها الكبير على زميلاتها في العمل.
مراقبة الله
- كيف تصفينها كأم داعية؟
- رغم وظيفتها وأعباء عملها إلا أنها كانت تحرص على تحفيظنا القرآن الكريم، وأذكر أنها كانت تعقد لنا مجلسا كل يوم خميس تحرص فيه على قراءة وحفظ سورة الكهف وشرحها، وكذلك تقص وتشرح لنا قصص القرآن الكريم ومازلت أتذكر سعادتها عندما أتممت حفظ «جزء عم» «قصار السور»، وأصرت على أن تذبح خروفًا في منتدى الأخت المسلمة، وتولم وليمة تجمع فيها الأخوات والكل كان يتصور أني حفظت القرآن كاملًا بسبب الفرح الذي أظهرته، لأنها كانت واثقة أن بداية حفظ جزء عم هو البداية لحفظ القرآن، وكانت حريصة على أن تلحقني بمدرسة التحفيظ من سن السادسة.
ولما عرفت فضل حفظ سورتي البقرة وآل عمران كانت شديدة الحرص على حفظهما وتحفيظهما لي، وكانت دائمة المراقبة للنفس وعلمتنا هذا، فكانت تقول لي: إن الله تعالى يرانا في كل شيء. وفي كل حال. وتزرع ذلك في الآخرين.. ومازلت أذكر عندما حدث احتلال الكويت وامتلأت الأسواق العراقية آنذاك بالبضائع التي جاءت من الكويت، فكانت تدعو الناس إلى عدم شراء أو إدخال تلك البضائع إلى بيوتهم لأنها منهوبة من أهلها.. وذات مرة احتجنا إلى أقلام ألوان، ولما اشتريناها قامت بتتبع مصدرها واتصلت بعدة جهات لتعرف من أين تم استيراد تلك الألوان، ولما عرفت أنها جاءت من الكويت أصرت على التخلص منها، وقلنا لها: أعطيها لمن يحتاجها، فقالت: لا أساهم في إعطاء أي شيء حرام للآخرين ونبهتنا إلى إن ما حدث في الكويت حرام شرعًا.
صابرة محتسبة
- كيف كان وقع الاحتلال الأمريكي للعراق في نفسها؟ وما دورها في تلك الفترة؟
- عند احتلال بغداد كانت لا تتكلم بل تبكي فقط.. وبعد فترة قالت: لابد للمرأة المسلمة والداعية أن يكون لها بصمتها في هذه المرحلة، لذا حرصت على إقامة دورات للنساء في المساجد القريبة من بيتنا، وكذلك حضور المحاضرات خصوصًا محاضرات د. محسن عبد الحميد، رغم الظروف الأمنية بالغة الصعوبة والخطورة.
وكانت صابرة محتسبة، فعندما استُشهد خالي محمود برصاصات الغدر- وكانت مسؤولة مكتب شؤون المرأة في الحزب الإسلامي- لم تذرف الدمع، وكانت تقول: «احتسبه يا رب شهيدًا عندك».
• هل كنت تتوقعين لها الشهادة؟
- الاستشهاد كان أمرًا متوقعًا للرجال في العائلة، وخاصة بعد استشهاد خالي محمود الهاشمي، ولكن ما لم أتوقعه أن يمتد الغدر إلى النساء، ولكنها كانت تتوقع احتمال حدوث ذلك، وكانت تدعو أن يكون لها نصيب من الشهادة.. وأذكر أنها في الجمعة الأخيرة من حياتها نزلت من طابق البيت العلوي وقت صلاة الجمعة، وكانت تدعو وتبكي بصوت مرتفع: «يا رب كما تقبلت أخي محمودًا شهيدًا عندك الحقني به في أسرع وقت»، وكررت ذلك عدة مرات.. وما هي إلا أيام حتى لحقت بأخيها، وتحقق لها ما كانت تدعو به ومن اللافت أنه كان لديها أمانات لبعض الأقارب والجيران، فقامت بإرجاع كل الأمانات قبل استشهادها، وكأنما كانت تشعر بديو الأجل.
إرث معنوي
- ما الأثر الذي خلفه استشهادها؟ وما الإرث الذي تركته؟
- فقدها ترك أثرًا كبيرًا في نفسي، ولكن أثناء تشييعها وتعزية الناس لي اكتشفت أنها لم تكن أمًا لي فحسب وإنما للكثير من النساء، وعرفت أنها كانت ترعى الكثير منهن، وتقدم لهن المساعدة.. وقد تركت لي إرثًا معنويًا مفاده أن أي عمل يجب أن يكون لإرضاء الله عز وجل.
رثاها وبكاها الكثيرون، وكأنهم فقدوا أمًا وأختًا ومربية تتلمذوا على يديها، فقال عنها د. عمار وجيه عضو المكتب السياسي للحزب الإسلامي العراقي: «جئتها معزيًا في استشهاد أخيها محمود الهاشمي، فو الله ما وجدت عزيمتها إلا كعزيمة الأسود، وحين كانت أخواتها يطلبن منها أن تتوخى الحذر كانت تقول: أرجو أن ألقى الله تعالى شهيدة، وقد أجاب الله رجاءها.. لقد كانت تدعو إلى الله في زمن النظام السابق فلم تخش في الله لومة لائم، وتواصلت في دعوتها حتى لقيت ربها».