; ميلوسوفيتش للأبد.. وصربيا خارج العصر | مجلة المجتمع

العنوان ميلوسوفيتش للأبد.. وصربيا خارج العصر

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-2000

مشاهدات 53

نشر في العدد 1411

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 01-أغسطس-2000

خسائر «صربيا» من جراء العقوبات الدولية ستة عشر مليار دولار سنويًا، الوضع الاقتصادي شديد التدهور والحالة الاجتماعية في ترد مستمر، راتب الموظف لا يكفيه لعشرة أيام، ومنحة التقاعد لا تكفي لدفع فواتير الماء والكهرباء والغاز، ٨٥ ألف عامل فقدوا أعمالهم والقائمة تزداد يوميًا، الألبان يعدون العدة لبناء مؤسساتهم المدنية داخل كوسوفا، والجبل الأسود يعد العدة للاستقلال والمعارضة تمهد بالمظاهرات للانتخابات العامة التي كانت منتظرة في ۲۰۰۱م و۲۸ ألف مواطن ينتظرون الرحيل عن صربيا.

 العالم ينتظر ويشجع بكل السبل على رحيل ميلوسوفيتش بالديمقراطية، بالعفو بالمال. كان منتظرًا أن يحدث التغيير في صربيا، ولكن ما حدث كان مفاجأة، ولكن في منطقة البلقان ليس من المفاجآت أن تحدث المفاجآت.

الأنا والوطن: في وثيقة تنازل «نابليون بونابرت» عن عرش فرنسا كتب الآتي: «نظرًا لرؤية الدول المتحالفة أن الإمبراطور نابليون بونابرت هو العقبة الوحيدة في طريق إعادة إقرار السلم في أوروبا، فإن الإمبراطور نابليون وفاء منه للقسم الذي أداه عند توليه العرش يعلن تنحيته هو وورثته من بعده عن عرش فرنسا وإيطاليا - فما من تضحية شخص حتى الجود بالحياة يضن بها على الوطن». فإذا قارنا نابليون الذي «حكم أوروبا» ٢٢ عامًا بهزائم ميلوسوفيتش وصدام حسين، فإن دكتاتوريته تتضاءل أمام دكتاتوريتهم، فيما تتضاءل وطنيتهم أمام وطنيته فقد ضحى بعرشه من أجل شعبه ووطنه، وضحوا هم بأوطانهم وشعوبهم من أجل البقاء في السلطة.

المعارضة الصربية: يبدو أن المعارضة الصربية ستبحث عن خيارات أخرى، وهي تشاهد اقتصاد بلدها ينهار تدريجيًا تحت ضربات الحصار الدولي وشعبها يعاني البطالة وضنك لعيش وتمتلئ المقاهي بالشباب الذي بدأ يتجه لمخدرات وحتى السرقة والإجرام، لقد كانت المعارضة تطالب بانتخابات مبكرة، وكانت تتحاشى الصدام المسلح مع ميلوسوفيتش وانتقال الخلاف معه إلى حرب أهلية ولكن بعد الإعلان عن التغيير الدستوري الذي وافق عليه ثلثا البرلمان الصربي الذي يسيطر عليه ميلوسوفيتش في يوم ٧ يوليو لماضي، فقد تغير المعارضة الأسلوب الذي اعتمدته في الوصول إلى السلطة، وهو النضال الديمقراطي فهل نرى فصلًا جديدًا من الصراع الذي عبرت عنه وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت بقولها « الصراع ليس بين صربيا والناتو ولكن بين الشعب الصربي وحكومة ميلوسوفيتش» وبما أن التغيير سنة من سنن الحياة بل هو الحياة، فإن ما ستواجه به المعارضة الإجراءات الجديدة، أحد أمرين: إما الرضوخ للأمر الواقع وترك صربيا تموت تدريجيًا وهي تتدحرج إلى غياهب العالم الثالث ومجاهيله، والانسحاب من العصر ومتغيراته، والانضمام إلى مخلفات التطور، وإما مواجهة ذلك تحت شعار «مت وأنت عزيز».

صربيا والغرب : تتمثل الاستراتيجية الغربية الهادفة لإبعاد «ميلوسوفيتش» في ست نقاط.

 1- رفض التعامل معه، وقد وصلت خسائر صربيا ١٦ مليار دولار سنويًا، تضاف إلي ديونها التي توازي ديون روسيا وقدرها ٢٥ مليار دولار.

 ۲- اتحاد المعارضة في مواجهته، وقد انضمت النقابات والكنيسة الأرثوذكسية لجبهة المعارضة.

 ٣- تخلي الجيش والشرطة عنه وإن كان هذا الهدف بعيد المنال في الوقت المنظور.. كشفت محاكمة الجنرال ممشيلو بيتريشيتش في 19 يونيو الماضي عن حركة معارضة داخل الجيش الصربي. 

4- أن ينقض على ميلوسوفيتش المحيطون به لتأمين حياتهم السياسية، ويتمثل ذلك في إقدام بعض الشخصيات المهمة على تركه وفي مقدمتهم زعيم المعارضة فوك راكوفيتش الذي كان نائبًا لرئيس الوزراء، ويزعم البعض أن وزير الدفاع الصربي الذي تم اغتياله قبل عدة أسابيع كان من المعارضين لميلوسوفيتش داخل الحكومة في آخر أيامه، وقد أعيد ملف البحث عن القاتل الحقيقي بعد فشل محاولة اغتيال دور اكوفيتش في يونيو الماضي.

 5- شراء ذمم المحيطين به ونتيجة ذلك لا يمكن أن تظهر الآن.

٦- تغذية التململ الشعبي حيث تنتظر الجميع أيام صعبة في صربيا.

صربيا والجبل الأسود: قدم ميلوسوفيتش مبررًا آخر للجبل الأسود ليزيد من مطالبه وإلحاحه على الانفصال عن صربيا، وقد طور ميلوتجوكانوفيتش رئيس الجبل الأسود «53 سنة» استراتيجية من المطالبة بمشاركة أكبر في الحكم المركزي، إلى اتخاذ سياسة داخلية وخارجية مخالفة لسياسات ميلوسوفيتش:

1- فقد أفسح المجال لحرية الرأي والصحافة التي تواجه المصادرة في صربيا حيث حكم علىصحيفة معارضة في بلجراد بغرامة قدرها ۲۷ ألف دولار، لتناولها رئيس الوزراء الصربي مما دفع آلاف الطلبة للتظاهر منادين: «لا للرعب، لا للقمع، لا لإرهاب الدولة».

٢- على المستوى الاقتصادي قام رئيس الجبل الأسود بتحرير الاقتصاد خارجًا بذلك عن نظام الاقتصاد الموجه الذي لايزال معمولًا به في صربيا ، وأدخل العملة الألمانية للجبل الأسود، لتوازي العملة اليوغسلافية في خطوة للتحرر من أحد وجوه السياسة اليوغسلافية.

٣- أقامت جمهورية الجبل الأسود علاقات حسنة مع دول الجوار «كوسوفا» و« كرواتيا» التي قدم لها رئيس الجبل الأسود اعتذارًا رسميًا عن مشاركة بلاده في حرب تفكك يوغسلافيا، وخاصة الاشتراك في العمليات العسكرية ضد مدينة «دوبروفنيك» الأمر الذي أثار سخط صربيا وتنديدها بالجبل الأسود وكرواتيا معًا، ووصل التنديد إلى حد طالب فيه رئيس الوزراء الصربي بقطع العلاقات مع كرواتيا وشن حرب ضدها لاسترداد مدينة كرايينا، ورد الرئيس الكرواتي على ذلك بقوله: «إن تغيير الحدود الدولية بالقوة أصبح من عداد الماضي، ولا يمكن القبول به أو السكوت عنه أبدًا»...

٤- على مستوى العلاقات الخارجية، أعلن رئيس الجبل الأسود أن بلاده لا يمكنها أن تنتظر صربيا لتدخل للاتحاد الأوروبي وسوف تذهب لأوروبا منفردة، ومعروف أن الاتحاد الأوروبي لا يقبل في عضويته إلا الدول المستقلة، وبالتالي يفهم من قول «تجوكانوفيتش» أنه يمهد للاستقلال، وبعد تعزيز الجيش اليوغسلافي لوجوده على الحدود صرح تجوكانوفيتش بأننا مستعدون للدفاع عنأنفسنا، لا بقوات الشرطة فقط وإنما بأغلبية الشعب، وقبل الانتخابات البلدية التي جرت في يونيو الماضي صرح «تجوكانوفيتش» بأنه سيجري استفتاء على الاستقلال إذا ما حقق فوزًا ساحقًا في الانتخابات ورغم أن النتائج لم تحقق له كل ما حلم به إلا أنه ظل متمسكًا - بمبدأ الاستقلال لدولته الصغيرة البالغ مساحتها ١٤ ألف كلم ويقطنها ٧٠٠ ألف نسمة 25% منهم مسلمون - لكن ميزة الجبل الأسود الاستراتيجية تكمن في موقعها الجغرافي حيث تحد كوسوفا والبوسنة وكرواتيا وصربيا وبها ثروات طبيعية جمة يمكن في حال استقلالها أن تصبح «سنغافورة» البلقان.

5- رفضت جمهورية الجبل الأسود عبر برلمانها وعلى لسان رئيسها الإجراءات غير الدستورية التي اتخذها ميلوشوفيتش للتمديد له ٨ سنوات أخرى مما يعني ٨ سنوات أخرى من الحصار والانهيار الاقتصادي وعدم الاستقرار وجعل صربيا من مخلفات التطور، وخارج العصر ففرنسا يطالب رئيسها بتخفيض مدة حكم الرئيس من ٧ سنوات إلى خمس، أما في الدول المتخلفة سياسيًا مثل صربيا في «الرئيس للأبد».

لقد عرضت الولايات المتحدة على ميلوسوفيتش ترك السلطة مقابل عدم استدعائه لمحكمة لاهاي ولكن طبائع الاستبداد وإدمان الدكتاتورية حببت إليه السلطة وزينتها في قلبه. 

الرابط المختصر :