; مَقاطع من الوثيقة المارونيّة للمَبعوث الفرنسي.. عداوة سافرة للإسلام والمسلمين | مجلة المجتمع

العنوان مَقاطع من الوثيقة المارونيّة للمَبعوث الفرنسي.. عداوة سافرة للإسلام والمسلمين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يناير-1976

مشاهدات 87

نشر في العدد 282

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 13-يناير-1976

عَداوة سافرة للإسلام والمسلمين

1- في المصطلحات السياسية

إن مصطلحات من نوع «الديمقراطية»، «الحرية»، «المساواة»، «العلمانية»، «البرلمانية»، «الحقوق القانونية» وغيرها لا تعني في لبنان وفي الشرق كله ما تعنيه في الغرب. والشيء نفسه ينطبق على التشكيلات والتجمعات والزمر التي يطلق عليها، للمبالغة، اسم «أحزاب سياسية» «اشتراكية» و«شيوعية» و«التقدمية» و «ليبرالية» و«ديمقراطية» و«قومية» و«دستورية» إلى آخره... والحقيقة أننا نجد أنفسنا أمام تجمعات مسلحة، إلى هذا الحد أو ذاك، ترتكز إلى مصالح محلية وإقطاعية وقبلية وطائفية لا علاقة لها البتة بالمعنى السياسي الذي تكتسبه هذه المصطلحات والتسميات في الديمقراطيات الغربية.

2- في الإسلام

يقوم هذا الفصل على إثبات الفرضيات التالية: (1) أن الإسلام يقسم العالم إلى دار الإسلام ودار الحرب، ولا سلام بين الاثنين وإنما هدنات مؤقتة، ولو استغرقت قرونًا من الزمن (۲) أن المسلمين جماعة وأمة واحدة، مهما تعددت الأوطان الظرفية التي يعيشون فيها، ولا بد لهذه الأمة من أن تتحد أخيرًا. (۳) كل الدول العربية دول إسلامية ثيوقراطية، وهي تعامل المسيحين كأهل ذمة محرومين من حقوق المواطنية الفعلية. وتستخلص المذكرة ما يلي: 

«يستحيل تحقيق المساواة الفعلية بين المسلم وغير المسلم في «دار الإسلام». والمسلم الحق لا يقر عمليًا ولا يعترف نظريًا بأن يكون لغير المسلم الحقوق المدنية التي يتمتع هو بها، بصفته المواطن الكلي الحقوق في دولته الإسلامية». 

وإذا كان المسيحيون واليهود) «رعاية» و«أهل ذمة» في

الدول ذات الأكثرية الإسلامية، فما شأن الدول التي يشكل فيها المسلمون أقلية؟ تجيب المذكرة:

«... في دولة ذات أكثرية غير إسلامية، فإن الأقلية الإسلامية لن يكون لها الاطمئنان ولا الراحة إلا بعد أن تنفصل عن تلك الدولة. وسوف يساعدهم جميع مسلمي العالم من أجل تكوين دولتهم الإسلامية، بصفتها المخرج الممكن والمنطقي والطبيعي الوحيد في نظر الإسلام. ولنتذكر هنا الحروب الانفصالية في الهند والفيليبين وقبرص والحبشة التي يعتبرها العالم الإسلامي حربًا مقدسة، وينظر إليها العالم كحروب مشرعة، بينما ينظر هذان العالمان إلى الحروب الانفصالية في نيجيريا وجنوب السودان على أنها حروب مستنكرة وملوثة بالخيانة وزنان ومكيالين!»

3- في لبنان

1- ما ليس هو لبنان:

أ- لبنان ليس، ولا يمكنه أن يكون، دولة ديمقراطية بالمعنى الغربي للكلمة (انظر الفصل الأول).

ب- لبنان ليس، ولا يمكن أن يكون، دولة علمانية بالمعنى الغربي للكلمة.

ج- لبنان ليس أيضًا دولة ثيوقراطية كما هي كل دول الشرق الأوسط (انظر الفصل الثاني). 

د- ولا لبنان بلد تعايش إسلامي- مسيحي، يقوم على اتفاق بين ديانتين. إن الاعتقاد بأن لبنان مكون من نصفين وجناحين مسيحي وإسلامي، وفق سياسة النعامة الغبية، خطأ فادح ستكون له عواقب وخيمة.

3- ما هو لبنان:

«لبنان فيدرالية طوائف (لا ديانات) يضم ١٦ طائفة... 

وكل هذه الطوائف حرة في ممارسة طقوسها تتساوى في المفاخرة بكرامتها الإنسانية وهي حريصة كلها أيضًا على حقوق المواطنة الكاملة في الوطن المشترك.

وإذا كانت الطائفة المارونية قد احتفظت لنفسها- ليس عبر النص الدستوري، وإنما عبر الأعراف التقليدية وموافقة الآخرين- بالمسؤوليات الأولى في الدولة (كرئاسة الجمهورية وقيادة الجيش) فلأنها تعذبت روحًا وجسدًا وبذلت الدم الكثير عبر القرون من أجل الحفاظ على لبنان حيث يبقى الموارنة رغم كل شيء الطائفة الأهم من حيث العدد والثقافة والموقع الاقتصادي والسمعة وإمكانات التحرك الدولي بحيث لا يسعها أن تتحرك مصاير كل هذه بيد أناس لا يمكنهم أن يكنوا للبنان الحب الذي يكنه له الموارنة ولا الحماس للذود عنه، بسبب معتقدهم الديني وعقدة التفوق عندهم وتطلعاتهم إلى السيطرة النهائية. والواقع أن لبنان بالنسبة للمسلمين، وللسنة خاصة، لا يمكنه أن يكون إلا مرحلة، وطنًا مؤقتًا صغيرًا وظرفيًا كغيره من الأوطان العربية- «جزءًا لا يتجزأ من الوطن العربي الكبير من المحيط إلى الخليج». والمؤكد أن المسيحيين، والموارنة خاصة، يفضلون أن يذبحوا، حتى آخر واحد منهم، على العيش كأهل ذمة (أي ذميين) في مثل هذه الإمبراطورية الإسلامية.

 هذا هو جوهر القضية اللبنانية. نعلنه بكل ما في الصراحة من حدة وشراسة. لكنها صراحة تبتغي الإنقاذ. وجوهر القضية هو الاختلاف الأصلي- ونكاد أن نسميه اختلافًا وراثيًا وعضويًا- حول مفهوم لبنان بين الأطراف المتشاركة، والذي يولد بينها، وبين الموارنة والسنة خاصة، حالة دائمة من الشك والريبة.

والحال هذه، كيف تريدوننا أن نثق بحسن نية مقدمي النصائح، ويصدق موزعي صكوك الإحسان والإخوة والصلح؟ فلو قيل للقديس بولس: أن يسمع اللفظية الديماغوجية لإذاعة لبنان، تخرج عبر الأثير مع التأوهات والتنهدات المناسبة، لكان اعتبر أن موعظته الشهيرة عن الإحسان قليلة النفع، تجاوزها الزمن بكثير. والمحزن أن كل هذا هو نغم نشاز، فالشرط الأول لنجاح أي ممثل، هو أن يكون مقتنعًا بالدور الذي يمثله، والحال أن عاقدي اجتماعات الحوار والمصالحة ليسوا مقتنعين بدورهم. وكل منهم على معرفة كاملة بعواطف الآخر الحميمة تجاهه، لهذا تجده يهيئ خطة الهجوم الجديد خلال المعانقات الحارة.. ولهذا يصح القول إنهم جميعًا متفقون على إخفاء جوهر المشكلة. 

إنهم يصفون المسكنات حيث يحتاج الأمر إلى المبضع.

عندما يستشري وباء العربية المتبادلة بين أعضاء جماعة معينة، يجب حل هذه الجماعة. وعندما تفتك «الغرغرينا» بعضو من الأعضاء، فالعلاج الوحيد الذي ينقذ حياة المريض هو البتر. وعندما يستحيل التعايش بين زوجين، ولو كانا كاثوليكيين فالحل الوحيد هو انفصال الأجساد»

4- في تكوين لبنان

يكرر هذا الفصل الرواية المزورة لتاريخ لبنان على أنه تاريخ لجوء الأقليات الدينية إلى جبل لبنان هربًا من الفتح العربي وتاريخ مقاومتها لـ «الغزو الإسلامي»، واستعادتها من الحملات الصليبية لـ «تدعيم موقعها في لبنان، ملجأ الأقليات، في مواجهة العالم السني», وما تعرضت له من مجازر واضطهاد بعد انسحاب الصليبيين. وتستطرد المذكرة هنا للحديث عن الفلسطينيين: 

«ولكن حان الوقت لنشير إلى نوع آخر من اللاجئين هم في الأصل مصيبتنا الحاضرة. اضطر لبنان، أرض الحرية المسمى «الشقيق العربي» منذ الاستقلال الشهير عام ١٩٤٣، لأن يستقبل بفتح ذراعيه عام ١٩٤٨ لـ «أشقاءه العرب» الهاربين من بلادهم فلسطين أمام الزحف الإسرائيلي. وحصل البلد الأصغر بين «البلاد العربية» والأكثر كثافة في السكان، على النصيب الأوفر من هؤلاء اللاجئين المعدمين. 

وعوض أن تجمعهم في مكان واحد كما فعلت مصر وسوريا والأردن، عمدت الحكومة اللبنانية القصيرة النظر، والخاضعة للجامعة العربية والعميلة الطيعة للسياسة البريطانية، وبناء على نصيحة من الأصدقاء البريطانيين، عمدت إلى توطينهم حول المدن الكبيرة. وهكذا زرعت البذور الأولى للخطر الفلسطيني. 

وفي أحزمة البؤس التي تحيط بالمراكز اللبنانية الهامة، وبعد اكتشاف البترول وتوافد الأموال والسلاح والمرتزقة من كل بلد عربي وكل اتجاه يساري متطرف، نشأت مخيمات معزولة ومزودة بكل وسائل التدمير الحديثة تهدد لا الازدهار والهدوء والاستقلال فحسب بل وجود لبنان الحقيقي نفسه. 

إن الكارثة النادرة المثيل الواقعة حاليًا على هذا البلد هي الثمرة الطبيعية، والنتيجة المنطقية واللازمة، للسياسة المؤيدة للعرب المعدة في بريطانيا والمقدمة على أطباق الفضة العراقية والليبية وتحت العين الماكرة الراضية للولايات المتحدة الأميركية ولصالح إسرائيل.

مقاطع من الوثيقة المارونية

إن هذه السياسة التي افتتحت في لبنان عام ١٩٤٣ بفضل مسرحية الاستقلال المأسوي- الهزلي ذات «المئة فصل وفصل» التي لا تزال مستمرة منذ ٣٢ سنة، بالممثلين إياهم (عدا الذين توفاهم الله. فحل محلهم أبناؤهم وإخوتهم أو انسباؤهم)، هذه السياسة، جرى تتويجها بانضمام لبنان إلى «الجامعة العربية« واستهلكت نفسها في أيامنا هذه بالغارات الهمجية التي نشهدها. وكل ذلك بسبب التواطؤ الغبي أو المقصود لجميع حكامنا المسؤولين الذين عملوا يدًا بيد، منذ ذلك العهد المشؤوم، في رئاسة الجمهورية كما في رئاسة الوزراء.

ومجموعهم مجرمون وخونة ومرتكبو مجازر الإبادة يجب اعتقالهم فورًا وتسليمهم للقضاء الجماعية، إذا كان قد بقي ثمة من قضاء«

5- في التوازن اللبناني (١٨٦٤ – ١٩١٥)

إن لبنان الملجأ- الذي ينكر عليه بعض من أبنائه اللاجئين هذه الميزة، لم يعرف هدوءًا نسبيًا وسط جيرانه المسلمين إلا بفضل اليقظة المستمرة لأبنائه المدججين بالسلاح. وهكذا يمكن القول: إن لبنان عاش في ظل نظام السلم المسلح طيلة الفترة السلوكية- العثمانية. 

أما في بقية أرجاء الإمبراطورية العثمانية اضطر المسيحيون إلى العيش في حالة من الخضوع الأقرب إلى العبودية. إن نظام التمييز بين المسلمين والمسيحيين قد ارتقى بفضل الشرع الإسلامي إلى مستوى مؤسسة للحق. العام، كما بينا سابقًا.

وهكذا فإن أوروبا التي وافقت على دخول تركيا في «مؤتمر الدول الكبرى في العالم المتمدن» بعد حرب القرم متجاهلة أحكام الشريعة، لم تستطع أن تقبل باستمرار نظام التمييز بين المواطنين الذي يتناقض بشكل صارخ مع المبادئ الأساسية للحق الطبيعي التي تحكم المجتمعات والدول. وهكذا اضطر السلطان عبد المجيد اضطرارًا إلى إصدار تشریع «خطي همايون» الشهير في ١٨ شباط ١٨٥٦ الذي فرض المساواة في الضرائب والوظائف العامة على كل رعايا الإمبراطورية دون تمييز في العرق والدين. 

ولقد أدى إصدار هذا القرار، الذي يبدو أمرًا طبيعيًا في البلدان الأخرى، إلى إثارة استنكار مسلمي الإمبراطورية أيما إثارة وأخذ علماء الدين يذكرون أبناء دينهم بتقاليد السنة المطبقة منذ الغزو الإسلامي والتي لا يجوز مسها والتي تقول: إن أهل الذمة هم جماعة يمكن التسامح معهم واستخدامهم ولكنهم ليسوا من الأمة ولا هم مواطنين يتمتعون بالحقوق المدنية والسياسية.

هذا التحريض الذي وقع على أرض صالحة، أتي ثمارًا دموية بعد وقت قليل، عام ١٨٦٠، حيث ذبح مئتا ألف مسيحي في دمشق وزحلة، وحاصبيا، وراشيا ودير القمر وكتب «رينان» الذي كان في زيارة لسوريا ولبنان آنذاك «أن الشعوب التي قهرها الإسلام لم يترك لها من وطن سوى الجامع والزاوية». 

إذا كان الاضطهاد المستمر ضد مسيحيي الشرق والذي نخلته مجازر محلبة لم يؤد عبر العصور إلى تدخل قوي وجذري من جهة أوروبا فإن العالم المتمدن نهض مستنكرًا المجزرة المتعمدة المنظمة عام ١٨٦٠. وكان هذا الانفجار الدموي نتيجة لاختمار طويل غذاه ممثلو تركيا بعناية فائقة، على حد قول تشرشيل «شرشر بيك» كما كان يسميه لبانيو ذلك الزمان).

ولقد رأت أوروبا مدفوعة بعاطفة إنسانية وببقية من الشهامة الفروسية أن التدخل المسلح بات ضروريًا، فأرسلت أساطيلها إلى مياه بيروت وأنفقت الدول الكبرى الأوروبية في اجتماع الثالث من آب ١٨٦٠ في باريس على إرسال فرق عسكرية فرنسية إلى لبنان، وصل ٦٠٠٠ جندي بقيادة «بوفور» فأعادوا الأمن وساعدوا على رفع الأنقاض في القرى المدمرة. 

من جهة أخرى قامت لجنة تضم ممثلي إنكلترا وفرنسا وروسيا وبروسيا والنمسا وتركيا، بعد سلسلة اجتماعات في بيروت، بوضع بروتوكول ١٨٦٤ الذي يعطي لبنان وضعًا مستقلًا حيال «الباب العالي» بضمانة «الدول الست» الكبرى التي أصبحت «الدول السبع» بعد انضمام إيطاليا. وأحد القرارات المهمة في «البروتوكول» وأن يكون حاكم لبنان مسيحيًا كاثوليكيًا. 

أمن استقلال لبنان نصف قرن من الهدوء والسلام والتوازن الاجتماعي في الداخل. واستقرارًا سياسيًا في الشرق الأوسط كله وأصبح لبنان، أكثر من أي وقت مضى. ملجأ المسيحيين المضطهدين في كل مكان تقريبًا من

الإمبراطورية العثمانية.

وكفى المسيحيون إحساسهم بأنهم غير خاضعين لنظام الإرهاب والإخضاع المسلح ليتفتق نبوغهم الأدبي. فأعادوا الاعتبار للغة القرآن التي كانت فرضت عليهم بالقوة والإذلال وأعطوها البريق الذي افتقدته طوال 5 قرون من الانحطاط ويعود الفضل في وجود المطابع الأولى، والصحف الأولى، والمجلات الأولى، والكتب الكلاسيكية الأولى، والموسوعة الكبيرة الأولى، إلى مسيحيي لبنان. وكل ذلك بفضل تعليم ثانوي في مؤسسات محترمة لا يهدف برنامجها التعليمي الذي وضع بمنأى عن أي قسر، إلا إلى تنشئة «الإنسان الشريف» بالاعتماد على الثقافة الكلاسيكية، المتعددة 

وكمْ من خيبة أمل تلقينا بعد ذلك! وكمْ من انتكاسة في هذا الميدان الثقافي! فمنذ أن بدأ التوازن الإسلامي المسيحي تحول إلى قاعدة في كل مؤسسات الدولة ونحن لا نزال نتقهقر في كافة الميادين. وهذا على كل حال، أسلوب تحقيق المساواة بشد المجتمع إلى تحت. ولكن الأبشع في كل هذه التجليات هو «الخيانة الاكليركيين»

 

الرابط المختصر :