العنوان مَنشأ التلمود وتاريخ تدوينه (الحلقة الثالثة)
الكاتب د. محمد علي البار
تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1987
مشاهدات 56
نشر في العدد 845
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 01-ديسمبر-1987
مباحث المشنأ: يتكون المشنأ من ستة مباحث: تسمی سیداریم Sedarim أي أحكام، وكل سیداریم «بحث
أو فصل» مكوّن من عدد من الرسائل أو المقالات التي تدعى مسكتات Mesechoth يبلغ مجموعها 63 مسكتة أو مقالة.
وتنقسم كل مسكتة «مقالة» إلى عدد من البرقيمات «الفصول» Perakim وكل برقيم مقسم
إلى مجموعة من التعاليم «شنايوت» Mishna Yoth والمباحث أو السيدريمات الستة هي:
1- زيرائيم zeraim وهي المختصة بقانون الزراعة
والفِلاحة، وكلمة زيرائيم تعني البذور أو الزراعة، وهي مكونة من 11 رسالة أو مقالة
«مسكتة».
2- موئيد Moed أي الأيام المقررة، وتحتوي على
أيام الصيام والأعياد المختلفة وفيها ١٢ رسالة.
3- نشیم Nashim أي المرأة، وتحتوي على قوانين
الزواج والطلاق والنذور، وتعاليم المشنأ تحتقر المرأة بصورة عامة، وتعتبر شهادة مائة
امرأة بشهادة رجل واحد، ولا يحق للمرأة أن تتصرف في مالها إلا بإذن زوجها، وتعتبر المرأة
نجسة بما فيها ثيابها وفراشها أثناء الحيض، والمرأة هي أصل الشرور في العالم، ولا ترث
البنت مع وجود الابن، وكل الميراث يذهب للذكور، وكذلك الزوجة ليس لها من الميراث شيء،
ولكن على الوارث أن ينفق عليها.. وله الحق في أن يتزوجها أو يزوجها من يشاء، ويأخذ
لنفسه المهر تمامًا كما كان العرب في الجاهلية يفعلون.. ويستطيع أن يبقيها رهينة خادمة
في منزله دون زواج، ويشمل مبحث نشيم رسالة عن النذور Nazir والإيمان وكفاراتها.
4- نیزکین Nezekin أي الأضرار، ويشمل هذا المبحث
القوانين المتعلقة بالجنايات، كما يشمل بعض القوانين المدنية، وهو مكوّن من عشر رسائل
أو مقالات، وفيه المقالات المبينة للربا مع غير اليهود، والإغلاظ عليهم فيه، وفيه رسالة
«عبوده زاره» المختصة بعيادة الأوثان، واعتبار جميع غير اليهود وثنيين بما في ذلك النصارى.
5- کوداشیم Qodashim أي المقدسات، وهو مختص بالصلاة،
ويحتوي على إحدى عشرة رسالة.
6- الطهارة Toharoth وهو مختص بمباحث الطهارة، وفيه
اثنتا عشرة رسالة، وجملة رسائل «مقالات» المشنأ 63 رسالة، ويعرف المشنأ أحيانًا باسم
شاس، وهو اختصار للكلمة العبرية Shishah Sadarim أي الأحكام أو المباحث الستة.
وبالإضافة إلى هذه الرسائل الست، توجد رسائل تلمودية أخرى لم يكتبها يهوذا هاناسي،
وإنما أُضيفت بعده بعِدة عصور، وهي تعرف بالرسائل الصغيرةMinor Tractates وهي كما يلي([1]):
سِفر توراه Safer torah
میزوزاه Mezuzah
تفيلين Tefillin
تزي تزيث Tzi tzith
أبادیم Abadim
كوثيمKuthim
جريمGerim
وتقول دائرة المعارف اليهودية العامة Jewish
Universal Encyclopedia: إن هناك ست رسائل أخرى تُضاف إلى طبعات التلمود الجديدة وهي:
أبوث الحاخام ناثان Aboth Rabbi Nathan
سوفريم Soferim
سيماهوث Sema hoth
كالاح Kallah
درس أرض إسرائيل Derech Eretz Israel
درس أرض زوتا Derech Eretz Zuta
وتعتبر أحسن طبعة ظهرت للمشنا هي طبعة روم Ramm التي نشرت في فيلنا عاصمة شمال
بولندا سنة 1886.
ووضعت فهارس لكلمات المشنا ومن أهمها فهرس كاسوسكي Kassowsky الذي نشر في فرانكفورت بألمانيا
عام ١٩٢٧، كما قام هربرت دوبيH. Dauby بترجمة المشنا إلى اللغة الإنجليزية مع
بعض الحواشي عام ١٩٣٣ «أكسفورد».
ورغم قداسة المشنأ لدى اليهود بصورة عامة، إلا أن بعض كبار أحبار اليهود قاموا
بكتابة كُتب لتنافس المشنأ ، ومن أهمها كتاب الحاخام أليعازر بن يعقوب Eleizer
ben Jacob،
ويسمى بريثا Braith([2]) أو بریتانوت Baraitot ، وقد أُدخلت هذه فيما بعد ضمن
التلمود وفيها ١٠٢ حكما مُخالفًا لأحكام المشنأ ([3]).
أهمية المشنا والمعارضون لها:
تتضح أهمية المشنا عندما نعلم أن عامة أحبار اليهود يجعلون المشنا في درجة التوراة،
بل يصرحون علانية بأنها تفوق تعاليم الأنبياء:
«اعلم أن أقوال الحاخامات هي أفضل من أقوال الأنبياء»
«إن تعاليم الحاخامات لا يمكن نقضها ولا تغييرها ولو بأمر الله».
ورغم هذا كله، فإن مجموعة من كبار أحبار اليهود لم تقبل المشنأ نتيجة التنافس
الذي كان سائدًا بين هؤلاء الأحبار، وأول طائفة رفضت قبول التلمود وتعاليمه كوحي إلهي
هي طائفة الصدوقين Sadduccees وقد ظهر هؤلاء في القرن الثالث قبل الميلاد،
وكان التنافس بينهم وبين طائفة الفريسيين Phareesis شديدًا، وقد استمر ذلك التنافس
حتى كانت الغلبة للفريسيين، واندثر الصدوقيون بعد عام ٧٠ ميلادية.
ومنذ بداية كتابة المشنا التي قام بها الحاخام هليل Hillel ظهر حاخام مُنافس له يُدعى الحاخام
شماي Shammai، وكلاهما من الطائفة الفريسية، وكان العداء بينهما
شديدًا، والصراع حادًا، إذ إن كلًا منهما كان يسعى للزعامات المُطلقة على اليهود. ويسجل
التلمود أكثر من ثلاثمائة نقطة خلاف بین «بيت هليل» وبيت شماي «دائرة المعارف البريطانية
ج ۱۷/ ص۱۰۱۲«.
ويلقب شماي بالأكبر Hazaken أي الحاخام الأكبر، وعاش في
القرن الأول قبل الميلاد، وأنشأ مدرسة في القدس «أورشليم» لتعليم الحكمة لأحبار يهود.
وقد سجل شراح التلمود اعتراضات شماي على تعاليم المشنأ التي بدأ بكتابتها هليل،
ورغم هذا فقد مالت أغلبية الأحبار إلى أقوال هليل، واخترعوا لذلك حكاية مفادها أن نداءً
مقدسًا هتف على منطقة جبنة في فلسطين Jabeneh قائلًا: «كلمات هذا وذاك «أي
هليل وشماي» هي كلمات الله الحي، ولكن الاعتبار في أشياء كثيرة لقول الحاخام هليل،
وكل من يخالف كلمات مدرسة هليل فقد استحق الموت».
وفي العصور الإسلامية ظهرت طائفة من اليهود تعرف بالقرائين Kraism ظهرت في القرن الثامن والتاسع
الميلادي، وينتمي هؤلاء القرائيون لمدرسة الحاخام شماي، ويتفقون معه في رفض كثير من
تعاليم التلمود «المشنأ والجمارة»، بل قالوا: إن التلمود ليس إلا من أكاذيب الأحبار
وتلفيقاتهم، وليس له من القداسة شيء، وقد ظهرت حركة هؤلاء القرائين في القرن الثامن
الميلادي، عندما قام عنان بن داود ودعا إلى اتباع التوراة ورفض التلمود، وسميت دعوتهم
«شعب الكتاب المقدس» Bene Mikra أو الداعون إلى إيمان جديد Ba,ale
Mikra،
وقد انتشرت هذه الدعوة لدى يهود العالم الإسلامي، وخاصة في منطقة فارس والعراق.
وتقول دائرة المعارف اليهودية العامة Encyclopedia
Jewish Universal : إن أسباب ظهور هذه الحركة ترجع إلى ثلاثة عوامل:
1- ظهور خلافات حادة بين أحبار اليهود حول
التلمود الذي اعتبره بعض الأحبار من أنصار الحاخام شماي، بدعة في الدين.
2- تأثر اليهود الشرقيين بانتصارات الإسلام
المدهشة.
3- تأثر اليهود بالمباحث والعقائد الإسلامية.
ورغم هذا الخلاف الحاد حول التلمود «المشنا والجمارة» وتعاليمه بين أحبار اليهود؛
إلا أن الغلبة كانت دائمًا لأتباع التلمود.
تقول دائرة المعارف اليهودية العامة:
«سُلطة التلمود كمستودع القانون الشفهي، تعتبر سماوية عند اليهود الأرثوذكس «مستقيمي
العقيدة»، ومن هنا تعتبر تعاليم التلمود إلزامية وثابتة، أما اليهود المحافظون والإصلاحيون
فلا يقبلون السلطة الإلزامية الكلية للتلمود، رغم اعترافهم بالدور العظيم الذي لعبه
التلمود في تحديد وحسم عقائد اليهودية ونظرياتها([4]).
ويقول الدكتور جوزيف باركلي في كتابه الأدب العبري([5])
«رغم أن أي مجمع
يهودي عام لم يتبن التلمود رسميًا إلا أن اليهود الأرثوذكس تبنوه؛ لأنه زودهم بشيء
شعروا بحاجتهم إليه».
ويقول د. فابيان في كتابه التلمود البابلي: ([6]) «الحياة اليهودية مؤسسة إلى حد
كبير حتى هذا اليوم على التعاليم والأُسس التلمودية، فطقوسنا وكتاب صلاتنا واحتفالاتنا
وقوانين زواجنا، بالإضافة إلى قوانين وأُسس أخرى كثيرة مستخرجة مباشرة من التلمود».
ويقول إسرائیل إبراهامز: «ولقد بقي اليهودي بسبب التلمود، بينما بقي التلمود
في اليهودي».
وقد حظي التلمود بأهمية متزايدة منذ أن تحطمت دولة اليهود، وعكف أحبار اليهود
على مدى العصور على دراسته، والإضافة إليه وتعديله.
وتقول دائرة المعارف اليهودية([7]: إن أهمية التلمود كانت تتزايد
على مَر العصور، وأثناء انحطاط العقلية اليهودية (القرن السادس عشر وما بعده) كان التلمود
يعتبر السُلطة العُليا عند أكثرية اليهود، وخصوصًا بولندا التي أصبحت مركز دراسة التلمود..
وأخذت التوراة مكانًا ثانويًا بالنسبة للتلمود، حتى إن كلمة «الدراسة» أصبحت مرادفة
لكلمة «دراسة التلمود»، وتقول دائرة المعارف اليهودية أيضًا:
«إن التلمود رغم كل ما طرأ عليه من تغيرات يحتل مكانته المرموقة في دراسة تأهيل
الحاخامات، وإن العِلم اليهودي أنصف التلمود كل الإنصاف».
ويقول كاتب الأدب العبري د. جوزيف باركلي: «يجب على كل يهودي أن يُقسم دراسته
إلى ثلاث حصص، يكرس الثلث الأول لدراسة القانون المكتوب «التوراة»، والثلث الثاني لدراسة
المشنا، والثلث الأخير لدراسة الجمارة»، وتستغرق دراسة التلمود سبع ساعات يوميًا لمدة
سبعة أعوام على يد الحاخامات.
ورغم هذا كله فإن المشنا والجمارة شهدت حذفًا وإضافة مستمرة على مدى الأزمنة
وتعاقب العصور، ففي عهد موسى بن ميمون كانت المشنا مكونة من خمس مسكتات بدلًا من ست،
ويقول د. جوزيف باركلي في كتابه الأدب العبري: إن تلمود أورشليم كما هو مطبوع الآن
لا يحتوي إلا على أربع مسكتات من مسكتاته Masechtoth الست، بالإضافة إلى برقيم «فصل» يسمى نيداه Niddah تابع للمسكتة «المبحث» السادسة.
وفي القرن الثامن عشر والتاسع عشر بعد الميلاد ظهرت حركة هسكالا Haskala (الحركة اليهودية
المستنيرة)، والتي رفضت التلمود جملة وتفصيلًا، ثم قامت الحركة الإصلاحية Raformists وغيرت وبدلت من تعاليم التلمود
ما لا يناسب العصر، وتشهد إسرائيل حاليًا عودة شديدة للتمسك بالتلمود والأصولية Fundementalism([8]).
الكتب المنافسة للمشنا:
رغم أنه لا يوجد أي كتاب يستطيع أن يضارع المشنا في الأهمية لدى اليهود؛ إلا
أن بعض كبار أحبار اليهود قام بوضع كتاب لينافس المشنا، وهو الحاخام أليعاز بن يعقوب
حيث وضع كتابا سماه بريثا Braitha ووضع فيه مجموعة من الأحكام
الشفوية.
ورغم أهمية هذا الكتاب إلا إنه
لم يصل مطلقًا إلى ما وصله المشنا، وقد قام أحبار اليهود المتأخرين بإلحاقه بالتلمود
أو إلحاق بعض أحكامه.
ويقول كتاب الأدب العبري للدكتور جوزيف باركلي أن ١٠٢ حُكمًا من أحكام التلمود
قد استمدها الأحبار الذين أتوا بعد أليعازر بن يعقوب من كتاب أليعازر.
وهناك سِفر مماثل وضعه أحبار اليهود سموه ميدراش Midrash وهذا السِفر يجمع الحكم والقصص
والأساطير التي جمعها واختلقها الحاخامات بعد إتمام كتابة التلمود، ورغم أهمية هذه
الأسفار المختلفة لدى أحبار اليهود؛ إلا أنها لا تصل مطلقًا إلى أهمية التلمود ولا
قريب منها.
______________
(1) ظفر الإسلام خان: التلمود تاريخه وتعاليمه، ص 15-16.
(2)
كتاب الأدب العبري د. جوزيف باركلي ص ١١ كما ينقله عنه ظفر الإسلام
خان في كتابه التلمود تاريخه وتعاليمه.
(3)
المصدر السابق.
(4)
كما ينقله عنه ظفر الإسلام خان التلمود تاريخه وتعاليمه ص ٢٩.
(5)
المصدر السابق ص ٣٣.
(6)
المصدر السابق ص ٣4.
(7)
المصدر السابق ص 54.
(8) لا يمكن أن يدرس التلمود إلا بواسطة الأحبار، وهذا ما أخبرني
به أحد الحاخامات اليهود الذي التقيت به في المغرب أثناء انعقاد مؤتمر عن الأخلاقيات
الناجمة عن التقنيات الحديثة في الإنجاب (نوفمبر 1986).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل