العنوان نتائج الانتخابات الموريتانية وديمقراطية العسكر
الكاتب المحرر السياسي
تاريخ النشر الأحد 02-فبراير-1992
مشاهدات 88
نشر في العدد 987
نشر في الصفحة 20
الأحد 02-فبراير-1992
أعلنت وزارة الداخلية الموريتانية في
السادس والعشرين من يناير الماضي عن فوز الرئيس معاوية ولد الطايع في أول انتخابات
رئاسية حرة جرت في البلاد في الرابع والعشرين من يناير الماضي.
وقد جاءت هذه النتيجة وسط تأكيدات من
مراقبين ودبلوماسيين في العاصمة الموريتانية نواكشوط تفيد بوجود أدلة واضحة على
التلاعب وعلى حدوث أخطاء في النظام الانتخابي لأول انتخابات تقوم على نظام التعدد
الحزبي منذ استقلال موريتانيا عن فرنسا عام 1960.
وقد تنافس على الانتخابات ثلاثة أشخاص خلاف
الرئيس ولد الطايع كان من أبرزهم أحمد ولد دادة شقيق الرئيس الموريتاني الأسبق
مختار ولد دادة وطبقًا للنتائج فقد حصل العقيد ولد الطايع على 62.82% من الأصوات
مقابل حصول ولد دادة على 32.93% من الأصوات. أما المرشحان الآخران فقد حصل محمد
ولد محمد السالك ومحمد محمود ولد أماه على 2.08% و1.4 على التوالي إلا أن ولد دادة
أعلن رفضه لنتيجة الانتخابات ووصفها بأنها مزورة ولا تلبي طموحات الشعب الموريتاني.
التركيبة السكانية
تتمتع موريتانيا بميزة دينية ربما تفتقدها
كثير من الدول الإسلامية الأخرى وهي أن سكانها الذين يزيدون على المليونين بقليل
كلهم مسلمون سنيون يتبعون المذهب المالكي بنسبة مائة في المائة، لكن التركيبة
العرقية ربما تختلف عن التركيبة الإسلامية المذهبية فهناك طائفتان في موريتانيا
هما الأغلبية العربية والأقلية الزنجية الإفريقية التي توجد بكثرة في جنوب البلاد،
وهناك إحصاءات مختلفة حول نسبة الزنوج في البلاد إلا أن هذه النسبة تتراوح بين 15
و30% في المائة ويرجح بعض المراقبين أن نسبتهم ربما تكون بين هاتين النسبتين.
ويسعى بعض الفرقاء لاستغلال هذه التركيبة
العرقية في محاولة لتوسيع الهوة والشقاق بين الموريتانيين بعضهم بعضًا حتى أن
الزنوج قد برزت بينهم بعض المجموعات المتعصبة التي ترفع الشعارات العرقية فوق
الشعارات الدينية وكانت هذه النعرة واضحة بين المرشحين المتنافسين في الانتخابات
وهم ولد الطايع، وولد دادة، حيث كان الأول متهمًا بأنه متعصب للعرق العربي والثاني
متهمًا بأنه متعصب للزنوج، ولا شك أن هذا التقسيم وتبادل الاتهامات بعد نتائج
الانتخابات سيكون له تأثير على بنية الشعب الموريتاني المسلم.
ولد الطايع ومسلسل الانقلابات
رغم صغر حجم موريتانيا وقلة عدد سكانها
نسبيًا مقارنة بالدولة العربية إلا أن الانقلابات العسكرية عرفت طريقها إليها منذ
انقلاب العاشر من يوليو 1978 الذي أطاح بأول رئيس موريتاني وهو المختار ولد دادة
على يد العقيد ولد السالك الذي دشن عهد الانقلابات العسكرية في موريتانيا حيث لم
يمض عليه في الحكم سوى تسعة أشهر حتى انقلب عليه المقدم أحمد بن سيف في 6/4/1979
إلا أنه أبقاه رئيسًا دون صلاحيات وبعد أسابيع معدودة قتل بن سيف في حادث طائرة
فخلفه بن الولي الذي نحي وخلفه ولد هيداله الذي تعرض لمحاولة انقلابية في مارس
1981 كادت أن تنجح لولا تمكن رئيس أركانه معاوية ولد سيدي أحمد الطايع من الفرار
من مكتبه برئاسة الأركان ليتمكن من إحباط المحاولة الانقلابية بعد معارك حامية مع
الانقلابيين سيطر بعدها على نظام الحكم في البلاد وأعاد هيداله إلى موقعه في
الرئاسة ليقيم نظامًا بوليسيًا مكروهًا إلا أن ولد الطايع الذي كان رئيسًا للوزراء
أطاح في الثاني عشر من ديسمبر 1984 بالعقيد ولد هيداله بعد خلاف بينهما حول حرب
الصحراء المغربية والموقف من جبهة البوليساريو. وفي العام الماضي هبت رياح
الديمقراطية على موريتانيا فوعد ولد الطايع بإجراء انتخابات في الرابع والعشرين من
يناير أكد فيها بقاءه رئيسًا للبلاد باسم الديمقراطية.
موقف ولد الطايع من الإسلاميين
لم يكن موقف ولد الطايع من الإسلاميين
مغايرًا لموقف العسكر الذين يعتبرون الإسلاميين الخطر الذي يهددهم ويهدد بقاءهم
بصفة دائمة على قمة السلطة، وقد شهد شهر نوفمبر الماضي 11/91 خطابًا حادًا بين
الإسلاميين والسلطات الموريتانية حيث رفضت الأخيرة الاعتراف بحزب الأمة الذي أعلنه
الشيخ محمد ولد سيدي يحيى أشهر خطباء الجمعة في العاصمة الموريتانية نواكشوط، وقد
استدعت وزارة الداخلية في 18 نوفمبر بعض قادة الحزب وأبلغتهم رفض السلطات لقيام
حزب إسلامي في البلاد وأعلن ولد الطايع أنه لن يسمح بقيام أحزاب في البلاد على
أساس ديني في الوقت الذي لا يوجد فيه في موريتانيا أي طوائف أخرى غير مسلمة، وهذا
ما أكد عليه أيضًا الدستور الجديد الذي أعلن في يوليو الماضي 1991 في موريتانيا،
والجدير بالذكر أن الداعية محمد ولد سيدي يحيى الذي يبلغ الحادية والأربعين من
عمره يتمتع بنفوذ واسع في الأوساط الشعبية الموريتانية.
تلقى الدعوة الإسلامية في موريتانيا قبولًا
لدى أوساط كبيرة في المجتمع لاسيما بعد اضمحلال الفكرة الشيوعية والبعثية
والناصرية والقومية وسائر الأفكار الأخرى التي كانت تملأ الساحة الفكرية في
موريتانيا خلال الستينيات والسبعينيات.
ديمقراطية العسكر
إن نتائج الانتخابات في موريتانيا ليست سوى
محصلة لديمقراطية العسكر التي تعطي جرعات محدودة لا تسمح سوى ببقائها على كرسي
السلطة وإلا ففي أي قطر تنازل العسكريون عن السلطة إلى غيرهم عن طريق انتخابات حرة
كما يقولون.
إن تجربة الجزائر كانت على مرمى البصر من
ولد الطايع ولم يكن عاقل يتوقع أن تسفر نتائج الانتخابات الموريتانية عن رئيس آخر
غير ولد الطايع فأسلوب العسكر في الحكم لا يتغير، وحينما أراد الرئيس بن جديد في
الجزائر أن يستمر فيما أعلنه عن مسيرته الديمقراطية أجبر على الاستقالة وشكل
العسكر مجلسًا رئاسيًا وسعوا لقمع الإسلاميين وإجبارهم على الرضوخ لمقتضيات حكم
العسكر. أما ولد الطايع فقد أغلق الباب على الإسلاميين في موريتانيا منذ البداية
ولم تكن الدعوة إلى الديمقراطية التي أعلن عنها ولد الطايع في أبريل الماضي 1991
وحرم المسلمين من المشاركة فيها بل قطع الطريق أمامهم من خلال القوانين المنظمة
لإنشاء الأحزاب والتي صدرت في 25/7/1991 والتي تمنع قيام أحزاب «دينية» في البلاد
لم تكن هذه الديمقراطية التي ثبت ولد الطايع نفسه بها رئيسًا لبلاد فيما سمي بأول
انتخابات حرة في البلاد.. لم تكن سوى ديمقراطية العسكر.