; نجاح مشروع « الأسلمة» التدريجية في تركيا | مجلة المجتمع

العنوان نجاح مشروع « الأسلمة» التدريجية في تركيا

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر السبت 16-مارس-2013

مشاهدات 74

نشر في العدد 2044

نشر في الصفحة 26

السبت 16-مارس-2013

بناء الجوامع الضخمة من جديد يجدد وجه تركيا الإسلامي اتجاه حكومي لإلغاء قانون أتاتورك» القاضي بإغلاق الزوايا والتكايا

يبدو أن حزب العدالة والتنمية» الحاكم قد استفاد من التجارب التي واجهتها الحركة الإسلامية والأحزاب الممثلة لها في تركيا العلمانية، اعتباراً من «الحزب الديموقراطي» الذي أعدم زعيمه عدنان مندريس»، رئيس الوزراء بعد انقلاب عام ١٩٦٠م ؛ بسبب توجهاته الإسلامية التي تمثلت في إعادة الأذان باللغة العربية، وانتهت بإغلاق حزب «الرفاه»، رغم أن زعيمه نجم الدين أربكان » - يرحمه الله تعالى – كان يتولى منصب رئيس الوزراء، وصاحب الأغلبية في البرلمان بسبب رغبته في منح المحجبات حق التعليم والعمل في المؤسسات الحكومية.

فكان الانقلاب البرلماني على الحزب عام ١٩٩٦م، وإغلاقه من جانب المحكمة الدستورية، ومنع زعيمه الراحل أربكان» من العمل السياسي، بل إن المحكمة استهدفت أيضا حزب الفضيلة» الذي تم تشكيله من جانب عناصر الرفاه» كبديل عنه؛ ما أدى إلى بزوغ نجم حزب العدالة والتنمية» الذي انتهج أسلوباً جديداً يتفادى به محاولات الحل.

إطلاق حرية اللباس في المدارس يتيح للمحجبات الدراسة رغم أنف العلمانيين

الاستفادة من التجارب : ورغم أن حزب العدالة والتنمية» كان يملك الأغلبية في البرلمان الذي سيطر عليه في المرة الأولى عام ۲۰۰۲ ، وهي الأغلبية التي كانت تتيح له تعديل الدستور، ثم إصدار تشريع الإطلاق حرية الحجاب، فإنه أحجم عن ذلك؛ لأن المؤسسة العسكرية كانت تتمتع بقوتها آنذاك، وتستطيع الإطاحة به عبر انقلاب عسكري.. ورغم أن حزب العدالة والتنمية» حقق الأغلبية للمرة الثانية، وحاول فقط إصدار بعض التشريعات التي تتيح للمحجبات حق التعليم في الجامعات، فإن المحكمة الدستورية كانت له بالمرصاد، ونظرت طلبا من حزب الشعب الجمهوري» لإغلاق الحزب لمخالفته المبادئ العلمانية، لكن قرار الإغلاق لم يتحقق لأنه لم يحصل على موافقة العدد المطلوب من أعضاء المحكمة، رغم أن العدد الذي أوصى بالإغلاق كان أكثر من الذين رفضوا .. من هنا وعى «رجب طيب أردوغان» الدرس، وبدأ تكتيكا جديدا، فربما ينجح في تنفيذ وعوده لبناته وأخواته والمحجبات.

مواجهة العلمانية

قرر «أردوغان» عدم التلفظ بكلمة الحجاب، وإصدار قرارات تتيح الحق للمحجبات بالدراسة، وبدأ التنفيذ من خلال وزارة التربية والتعليم؛ وذلك بإصدار قرار يلغي ارتداء الزي الرسمي في المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية اعتبارا من العام الدراسي الحالي (۲۰۱۳م)، وبدخول القانون حيز التنفيذ، فإنه سيكون من حق الطالبات دخول المدارس بارتداء أي لباس شئن بما في ذلك ارتداء الحجاب؛ وبالتالي لم تستطع أحزاب المعارضة الطعن في القرار؛ لأنه قرار إداري ولا يتعارض مع منطوق الدستور، لكن الصحف العلمانية حاولت تصيد بعض الأخبار هنا وهناك، مثل قيام بعض المدارس في محافظات الأناضول بتوزيع أغطية رأس مجانا للطالبات.

وكانت الحكومة، ومن خلال مجلس التعليم الأعلى، قد تحايلت على القوانين أيضا، وأعطت للمجلس حق اتخاذ القرارات اللازمة بشأن الحجاب، فغض المجلس الطرف عنه، خصوصا وأن رئيسه من أنصار حزب العدالة والتنمية الذي نجح خلال سنوات في التغلغل في مفاصل الدولة، وبذلك لم تواجه المحجبات في الجامعات التركية خلال العام الماضي أي مشكلات جدية لمواصلة دراستهن، الحكومة قررت أيضا إدخال الدروس الدينية كمادة اختيارية في المدارس العسكرية.

تشكيك في القرار

وأعرب أوغوز ساليشي»، نائب حزب الشعب الجمهوري المعارض، عن شكوكه من هذا القرار بالقول: عندما يقوم حزب العدالة والتنمية» بأمر ما ، هناك دوما خلفية سياسية والسماح لتلميذة بارتداء الحجاب سيقود بعد وقت قصير إلى فرض ارتداء الحجاب عليها من خلال ضغوط اجتماعية .. وأضاف أن حزب «العدالة» يسعى لتوظيف الدين في السياسة ليس لديهم من هدف آخر سوى المزيد من الاستقطاب الشعبي ( بين المدافعين عن حرية المعتقد والعلمانيين لترسيخ قاعدتهم الانتخابية على أسس دينية.. لكن حزب «الشعب الجمهوري» لم يقم بحملة منظمة ضد القرار مثلما كان يفعل في السابق؛ لأنه يريد إظهار نفسه بأنه ليس معارضا للدين لكنه فقط يرفض توظيف الدين في السياسة وهو تكتيك انتخابي جديد يستهدف أصوات الإسلاميين منذ تولي كمال كليشدار أوغلو» رئاسة الحزب، بل إنه رشح أئمة على قوائمه وفاز أحدهم في الانتخابات السابقة، وهو ما يعتبر انتصارا للإسلاميين دون شك.

الفوز الثاني للحجاب

ويعتبر قرار الدائرة الثامنة في المحكمة الإدارية العليا الذي صدر في يناير ٢٠١٣م بأغلبية الأصوات فوزا جديدا للحجاب في معركته في تركيا؛ إذ ألغت المحكمة عبارة حاسري الرأس في المادة (رقم (۲۰) التي تنص على أن «المحامين والمحامين المتدربين يترافعون في المحاكم باللباس الملائم للمهنة حاسر الرأس وكانت محامية محجبة رفعت دعوى إلى المحكمة الإدارية العليا، إثر رفض اتحاد نقابات المحامين تجديد بطاقتها المهنية بداعي أن صورتها تظهرها مغطاة الرأس طالبت فيها بإلغاء المادة المذكورة.. يُذكر أن بعض القضاة كانوا يرفضون السماع للشهادات إذا كن محجبات، بل وصل الأمر في نهاية التسعينيات من القرن الماضي إلى أن أحد القضاة رفض مثول متهمة محجبة أمامه لأنها ترتدي الحجاب بما يخالف القانون الذي ينص على عدم ارتداء الحجاب في الدوائر الرسمية.

عودة الزوايا والتكايا قريباً

وفي إطار محاولات حكومة حزب العدالة والتنمية» لـ«أسلمة» المجتمع، فإنها تفكر جدياً وفقا لتصريح بكير بوزداغ»، نائب رئيس الوزراء، أنها قد تتخذ خطوة نحو إلغاء قانون حظر التكايا والزوايا الصوفية»، وجاء هذا التصريح عقب مطالبة فريون التون»، الرئيس العام لوقف آل البيت في تركيا بضرورة إلغاء قانون التكايا والزوايا ، مهددا أنه في حال عدم تلبية الحكومة لذلك، فقد يحدث إضرابا عن الطعام في تركيا . يذكر أن قانون حظر الطرق الصوفية والتكايا والزوايا يعد واحداً من أهم القوانين الانقلابية التي استصدرها «مصطفى كمال أتاتورك» في بداية عهد الجمهورية، وتم بموجبه إغلاق كافة الطرق والزوايا والتكايا التي كانت منتشرة في كافة أرجاء تركيا، وجاء هذا القرار من جانبه لإلغاء كافة المظاهر الدينية في تركيا، خصوصا وأن هذه الزوايا والتكايا كانت تساهم في تنامي الظاهرة الدينية في تركيا ، فالحركة الصوفية في تركيا تلتزم بالكتاب والسنة، وتبتعد عن الخرافات فالطريقة النقشبندية قدمت للحركة الإسلامية في تركيا رئيس الجمهورية الراحل تورغوت أوزال»، ورئيس الوزراء الراحل نجم الدين أربكان». ازدياد المظاهر الإسلامية وتتزايد المظاهر الإسلامية في تركيا بشكل لافت، خصوصا خلال الفترة الأخيرة، فحملة بناء المساجد الضخمة تسير على قدم وساق في تحد واضح للعلمانيين، وعبر «أردوغان» عن ابتهاجه عندما وضع حجر الأساس لبناء مسجد ضخم على هضبة شملاجة» في الجانب الآسيوي من إسطنبول، ويطل على مضيق البوسفور»، ويسع لـ ٣٠ ألف شخص، ومستوحى تصميمه من الفن المعماري العثماني، لاسيما «المسجد الأزرق» للمهندس العثماني «سنان»، بل إنه قال وفي تحد جديد للعلمانيين: إنه سيتم بناء مسجد في ميدان تقسيم»، وهو الوعد الذي أطلقه «أربكان أثناء حملته الانتخابية للبلديات عام ١٩٩٤م، والذي تولى فيها «أردوغان» رئاسة بلدية إسطنبول، لكنه لم يتمكن من تنفيذ هذا الوعد ؛ بسبب الضغط العلماني المدعوم من الجيش، ويعتبر ميدان تقسيم» رمزا للتغريب في تركيا، ويمثل ساحة للتحديد بين العلمانيين والإسلاميين؛ لذا قالها «أردوغان» صريحة هذه المرة للصحفيين: «نعم سنشيد مسجداً في ميدان تقسيم». وبهذه الطريقة التدريجية، نجح «أردوغان» في إعادة الهوية الإسلامية لتركيا العلمانية، متبعا منهج فقه الواقع لتحقيق ما يستطيع من مكاسب لشعبه، دون حدوث مواجهات صاخبة .

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 25

105

الثلاثاء 01-سبتمبر-1970

هذا الأسبوع (25)

نشر في العدد 46

103

الثلاثاء 02-فبراير-1971

مع القراء (46)