; نجيب محفوظ مثال لغربة المثقف عن أمته | مجلة المجتمع

العنوان نجيب محفوظ مثال لغربة المثقف عن أمته

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-أكتوبر-1973

مشاهدات 79

نشر في العدد 171

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 09-أكتوبر-1973

الأفق الضيق يتصور العالم إما ماركسيًا أو رأسماليًا

الميراث في الإسلام يفتت الطبقية ولا يكرسها

 

بتاريخ ۳ - ۹ - ۱۹۷۳ بالعدد ١٨٩٥ نشرت السياسة مقابلة صحفية للأستاذ نجيب محفوظ تحت عنوان: ما لم أقله لأحد.

ومما جاء في هذه المقابلة قول الكاتب - لو خيرت بين الرأسمالية والماركسية، لما ترددت في الاختيار لحظة واحدة، أختار الماركسية طبعًا، ولكن ذلك لا يعني أنني ماركسي.

ثم أوضح الكاتب السبب بقوله - بقدر شكي في النظرية، فغني أؤمن بالتطبيق في ذاته، بصرف النظر عن أخطاء التجريب ومآسيه - وأخيرًا بلور الكاتب عقيدته في قوله:

ولكي أكون واضحًا أكثر، فإنني أؤمن بــــ:

١ - تحرير الإنسان من الطبقية وما يتبعها من امتيازات كالميراث وغيره.

٢ - أن يكون أجره على قدر حاجته.

بين ماركسية نجيب وكاثوليكية أمين عثمان:

وأمام هذا التزييف للواقع بشأن الميراث، وللافتراء على الله تعالى، أكتفي بأن أوجه الأنظار إلى أنه قد نشأت بيننا طبقة تتقرب إلى قادة الماركسية المهيمنين على أكثر الأنظمة في المنطقة، مثلما تقرب المسلم - أمين عثمان - إلى الكاثوليكية وأعلن في الأربعينات أن مصر تزوجت بريطانيا زواجًا كاثوليكيًا، ولقد دفع أمين عثمان رأسه ثمنًا لهذه الزلفي بحادث الاغتيال المشهور.

وماركسية نجيب محفوظ من هذا الطراز وله في الصحفي موسى صبري أسوة واضحة إذ أرتدى ثياب الماركسية في كتبه ومقالاته ليصبح نقيبًا للصحفيين بمصر، ولما خذله الماركسيون بتوجيه من محمد حسنين هيكل - الرأسمالي -، كشف النقاب عن هذه الأمور في مقالاته بأخبار اليوم.

وسأكتفي بهذا القدر من الربط بين الماضي والحاضر، وأعود إلى جرأة نجيـب محفوظ في تزييف الواقع العملي بشأن الميراث الإسلامي

الميراث ليس امتيازات، بل هو أقوى اللبنات

لقد زعم نجيب محفوظ أن الميراث نوع من الامتيازات الطبقية التي يجب أن يتحرر منها الإنسان.

ولكن الذي يدركه الأعمى قبل البصير، والعدو للإسلام قبل بعض من انتسبوا إليه وباعوا أنفسهم لغيره.

هو أن نظام الميراث عندنا معاشر المسلمين، يؤدي إلى تفتيت الثروة وتذويب الطبقات، كما يؤدي إلى الترابط بين الآباء والأبناء، فضلًا عن أنه يخلق فـــــــي الفرد الباعث على الإنتاج، كما يربط الفرد بالمجتمع الذي يعاصره، بل وبالمجتمع التالي لعصره.

وسأكتفي بشهادة من عالم ليس مسلمًا، ألا وهو الأستاذ ماسينيون إذ يعلن - أن لدى الإسلام من الكفاية ما يجعله يتشدد في تحقيق فكرة المساواة وذلك بفرض زكاة يدفعها كل فرد لبيت المال، وهو يناهض عملية المبادلات التي لا ضابط لها، وحبس الثروات، كما يناهض الديون الربوية والضرائب، ويقف في نفس الوقت إلى جانب حقوق الوالد والزوج، وشيوع الملكية الفردية ورأس المال التجاري، وبذا يحل الإسلام مرة أخرى، مكانًا وسطًا، بين نظريات الرأسمالية البرجوازية ونظريات البلشفية الشيوعية وعلى ذلك، فالإسلام بمثابة خالق السلام بين النظم الاقتصادية المتنازعة.

ونكتفي بهذه الشهادة، ونعود إلى تناقضات نجيب محفوظ الذي جهل أن الإسلام أغنى من الرأسمالية ومن الماركسية بالمبادئ الاقتصادية والاجتماعية التي تعالج طبيعة الإنسان.

تناقض يكشفه التطبيق الشيوعي

لقد قال نجيب - بقدر شكي في النظرية الفلسفية، فإني أؤمن بالتطبيق في ذاته - وأعلن أنه يؤمن بالنظرية الشيوعية الأجر على قدر الحاجة لا العمل هذا الذي يؤمن بالتطبيق الماركسي، لا بد أنه علـى علم بأن التطبيق العملي جعل الماركسية تبعد كثيرًا عن النظرية، بعدًا جعلها تعود إلى نظام الأسرة، وتعود إلى نوع من الملكية الفردية - وإلى حوافز الإنتاج

أي أن التطبيق الماركسي يؤدي إلى بقاء الميراث ولو بغير قانون وفي أضيق الحدود كما يؤدي إلى هدم نظرية الأجر على قدر الحاجة.

لقد نشرت جريدة الأهرام - القاهرية - في عددها الصادر في ١٨ - ٥ - ١٩٦٥، تقريرًا للخبير السوفيتي - زولين - نصه بالحرف - يتعين على روسيا أن تعود إلى نظام ما سمح بالملكية الفردية في الأرض الزراعية، وذلك لحل مشكلات الزراعة التـي تتجدد عامًا بعد عام، على أن يكون تملك الأرض لمن يفلحها.

إن نجيب محفوظ لا يجهل هذا، ولا يجهل أن نظام الطبقات الذي وجد في روسيا القيصرية قبل الثورة الشيوعية، وكذلك نظام الإقطاع الذي وجد في فرنسا قبل ثورتها، لا يوجد مثلهما في المنطقة العربية، وذلك لأن الإسلام قد عالج ذلك من البداية.

كما أن نجيب محفوظ يدرك الواقع الملموس والذي يؤكد أن الميراث الإسلامي لا يركز الثروة في يد الابن الأكبر كما هو الحال في أوروبا، وبالتالي فهو يفتت الثروة ولا يخلق طبقات، بل يذيبها وهذا ما شهد به ما سنيون وغيره.

فاقد الشيء لا يعطيه.

لقد سئل نجيب محفوظ عن رأيه في حل المشكلة الجنسية في مجتمعنا فأجاب - أنا لا أستطيع أن أقوله - أي الحل - ولا تستطيع أنت أن وهذا يعني بوضوح أنه لا يؤمن بالزواج ولا يؤمن بقصر العلاقات الجنسية في حدود نظام الزواج، وبالتالي لا مكان للأولاد والميراث في مجتمع هذه سماته.

وعليه فنجيب محفوظ عاجز اجتماعيًا عن أن يشم هواء العواطف الأسرية ولا يتذوق طعم علاقات البنوة، ومن كانت هذه صفته فلا يجوز أن يكون مصدر توجيه في مجتمع قوامه الدين والأخلاق والأسرة لبنة من لبناته، ففاقد الشيء لا يعطيه.

ونجيب محفوظ الذي يزعم أنه مؤمن بنظرية الأجر مقابل الحاجة كان أجدر به أن يتنازل عن فائض حاجته إلى البائسين من بني جنسه، ولكننا ابتلينا بمن يعلنون مبادئ تخالف سلوكهم وحياتهم وواقعهم.

ونجيب محفوظ الذي لا يجد بديلًا عن الرأسمالية إلا الماركسية لا يود أن يعرف أن الإسلام هو الذي شرع نظامين للملكية هما الملكية الفردية والملكية العامة وجعل لكل نوع مجاله ووظيفته.

وبهذا نميز عن الرأسمالية وعن الشيوعية لأنه منزل من الله الذي خلق الإنسان ووضع له ما يصلح غرائزه على مر العصور والأزمان.

نجيب محفوظ لا يعلم أن الإسلام وضع نظامًا يكفل التوزيع العادل للأموال وعندما خص الفقراء بنوع من الفيء أوضح السبب وهو قول الله تعالى - ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ (الحشر: 7) -

والإسلام لم يقف ضده إلا أصحاب الامتيازات، سواء امتيازات السلطة السياسية أو الامتيازات الاقتصادية، وذلك حفاظًا على امتيازاتهم.

وأخيرًا نجيب محفوظ لم يجرؤ على نقد مظالم الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية والتي جاءت الهزيمة على يديها، ونقد نظام الميراث لا لشيء سوى لأنه جاء من عند الله، والله لا يفتح السجون والمعتقلات، ولا يأمر بإجراء عمليات غسيل المخ كما تفعل الرأسمالية والشيوعية، وأخيرًا سلام على أمة كان الإسلام فيها لا يستطيـع الدفاع عن نفسه ولا يجد من رجاله إلا متفرجين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 18

111

الثلاثاء 14-يوليو-1970

الفكر في الصليبخات

نشر في العدد 2101

942

الثلاثاء 01-نوفمبر-2016

شيء من الترويح!