; نحتاج غلى الحكام العقلاء والدعاة الحكماء | مجلة المجتمع

العنوان نحتاج غلى الحكام العقلاء والدعاة الحكماء

الكاتب أحمد جعفر

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1999

مشاهدات 62

نشر في العدد 1344

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 06-أبريل-1999

حوار

الشيخ عبد المجيد الزنداني في حوار مع المجتمع:

نحتاج إلى الحكام العقلاء والدعاة الحكماء.. وصلاح البشرية يبدأ بتصفية القلوب

حوار: أحمد جعفر

* أخطاء الشباب المسلم سببها نقص العلم الشرعي وقلة الإلمام بالواقع المجتمعي.

* الحركات الإسلامية تنشد إقامة الحق وعليها أن تطبقه أولًا في صفوفها.

* أرشح التيارين القومي والإسلامي لتقارب أكبر يتحقق باللقاء والحوار.

* الحركة الإسلامية في اليمن تبوأت موقعها عندما فتح الحاكم قلبه وعقله للتعامل معها مباشرة.

«الحاكم إذا قال فعل، والداعية إذا قال صدق، فإذا وقع الصدام بين الفريقين فإن انشقاق كيان الأمة وبنيتها سيكون هو المصير.. لذا أطلب من العلماء والقادة السياسيين أن يعيدوا النظر في «أيديولوجيتهم» الفكرية.. أدعو الحركات الإسلامية إلى أن تطبق الحق- الذي تنشد إقامته بين الناس- أولًا في صفوفها».

هذا بعض ما صرح به الشيخ عبد المجيد الزنداني الداعية الإسلامي، ورئيس جامعة الإيمان في صنعاء في حواره مع المجتمع متناولًا العلاقة بين الحكام والمحكومين، وحال الشباب المسلم، وواقع الحركات الإسلامية، ومنها حركة «الإصلاح» في اليمن، فضلًا عن كيفية النهوض بالأمة والبشرية وغيرها من القضايا الجوهرية.

* النهضة التنموية لا تتأتى إلا إذا تعاون الحاكم والمحكوم وبدون ذلك فالأمر استنزاف للموارد.. ما رأيكم؟

* الحاكم إذا قال فعل، والداعية إذا قال صدق، وهذان العنصران مصدر قوة في كل بلد، فإذا وقع الصدام بين أصحاب الفعل وأصحاب الصدق فإن ذلك يضعف الكيانين، وإذا وقع التعاون بين الفريقين كان قوة لكل منهما، فالحاكم بأمس الحاجة إلى من يصدقه القول، والداعية بحاجة إلى من يعينه، وينفذ ما في رأسه من أفكار لإصلاح الأمة والمجتمع، والتعاون واجب بين عامة المسلمين وهو أوجب بين هؤلاء الذين يمثلون القيادات لهذه الأمة من قيادات عملية، وقيادات علمية.. والصراع بينهما لا يجر إلى مساوئ كبيرة فحسب، بل إلى أخطار عظيمة تتمثل في انشقاق كيان الأمة وبنيتها، والتاريخ خير شاهد على ذلك، والأعداء يتفهمون هذه المسألة، لذا يستهدفون الجميع مدركين هذه الحقيقة.

* ماذا يمكن للفريقين أن يعملوه للتغلب على هذا الإشكال وقبول كل طرف للآخر بالحال التي هو عليها؟

* الحكام العقلاء والدعاة الحكماء يحرصون على إيجاد هذه الصلات القوية بينهما، لأنها في مصلحة الجميع.. أما عن معوقات التصالح بين الأنظمة الحاكمة والحركات الإسلامية في العديد من البقاع، فأقول إن الأعداء يريدون الوصول إلى الكل.. فهم لا يستطيعون اختراق أمة متحدة، لذلك عمدوا إلى تفريعها إلى مجموعات وكيانات لإضعافها وإحداث الخلخلة ببنيتها التحتية.

* هناك فتن استعمل فيها «العنصر الإسلامي» كبيدق يلعب به؟

* بالنسبة للصف الإسلامي أو الشباب المسلم، فالمتأمل فيما جرى من أخطاء يرجعها إلى عنصرين:

الأول: نقص في العلم الشرعي مما جعل الغلو يجد طريقه ممهدًا إلى عقول ونفوس الشباب.

الثاني: نقص في علم أحوال المجتمعات والواقع المجتمعي سواء كانت سياسية أو اقتصادية، والمعرفة والإلمام الكاملين بالحقائق الدولية.. هذان العنصران جراه إلى تصرفات قائمة على تقدير سيء ونقص لدى هؤلاء الشباب، وما أوقعهم في هذا هو إساءة ظنهم بعلمائهم وبقيادتهم السياسية فلما أساءوا الظن بالقيادات العلمية الشرعية اضطروا إلى أن يكونوا علماء، ولكن بدون تأهيل فوقعوا في الغلو، ولما أساؤوا الظن بالقيادات السياسية اضطروا إلى أن يكونوا قادة بدلًا منهم، وعندهم النقص فتصرفوا تصرفات ساذجة.. في ظل وجود عدو خارجي يفطن إلى أحوال أمتنا ويرقبها عن كثب، ويحلل ظواهرها، ومن ثم أدرك حقائق الوضع وأدخل في صفوفهم من يزيدهم غلوًا وابتداعًا، وهكذا حدثت ثغرات فتمكن العدل من أن يدخل من خلالها إلى الجسد الإسلامي، ولكن إذا كنا نحمل بعض هذه الفصائل مسؤولية ما حدث ويحدث الآن، أفلا نحمل هذا العلوم كذلك العلماء الذين ابتعدوا عن هذه الفصائل والقادة السياسيين الذين تركوهم فريسة سهلة لأعداء الأمة وليقعوا في مثل هذه التصرفات التي تجر الأخطار على الجميع؟ لذا أرى أن المسؤولية مشتركة والمسؤولية الأكبر تقع على عاتق العلماء والقادة معًا.

اليوم العالم يتجمع في كتل ضخمة، فماذا تساوي الكيانات المبعثرة أمام هذه الكيانات؟

كيف يفكر هذا- الفصيل الإسلامي- في مصير هذه الأمة وكيانها وعناصره حتى الآن لا يقبل بعضهم بعضًا وتنشأ مجموعة من بضعة آلاف من الشباب وتريد أن تجعل من نفسها محورًا للحياة في العالم كله وتهمش الآخرين!! إذا كنا نطلب من شبابنا أن يعيدوا النظر ليدركوا حقائق ما يجري حولهم، فكذلك أطلب من العلماء والقادة السياسيين أن يعيدوا النظر في أيديولوجيتهم الفكرية فالكل يركب سفينة واحدة وسط أمواج عاتية لا ترحم.

تصفية القلوب أولًا

* عالم السياسة معقد وللبشر في هذه اللعبة قواعد وقوانين فما شروط القيادة فيه؟

* السياسة كلها وحيثما ذهبت تنتهي في النهاية عند أهواء ومصالح تقود إليها.. ولما كانت أهواء الناس، ومصالحهم تتجه إلى عالم الحياة الدنيا المحدودة التي لا تكفي أطماع شخص واحد منهم فكيف إذا اجتمعت مليارات من الإرادات التي تريد كلها هذا الشيء، فلو ملكت شخصًا نصف الأرض لابتغى النصف الآخر ولو أعطيته الأرض كلها لطلب سبيلًا إلى القمر، فكيف وهناك ستة مليارات من البشر ولكل منهم إرادة تريد أن تستحوذ على هذا الخير كله في الدنيا...؟ النتيجة الحتمية هي الصراع، وفي الصراع هناك الحيل والكذب والغدر وكل ما ينشأ عنه من ويلات، والعلاج الحقيقي هو أن يفطن هذا الإنسان لحقيقة الحياة الدنيا، وأنها معبر للآخرة، وأن الذي يريده من النعيم المقيم والخلود موجود في الآخرة.. وهذا هو الشرط الوحيد الذي به تصلح الحياة الدنيا، عندما يؤمن الناس بربهم حق الإيمان بالآخرة وأشراطها حق المعرفة سيسعون لها ويعلمون أن فوزهم بهما لا يتم إلا يتنازلهم عن أهوائهم فتتحول العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان من علاقة صراع واصطدام إلى علاقة تعاون ومحبة، فالصحابة رضوان الله عليهم وأتباع الأنبياء والصالحون بدأوا أولًا بتصفية القلوب وعودتها إلى رشدها.. وبما أعده الله لهم في الآخرة، ثم أتت بعد ذلك النتيجة: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص: 83).

* هل يمكن اعتبار التجارب الناجحة كما حدثت في «اليمن والأردن» نموذجًا في التعايش مع الأنظمة؟

* الحكم على تجربة معينة يحتاج إلى وقت كاف حتى يظهر ذلك النجاح من عدمه، ولكن الذي جعل الحركة الإسلامية في اليمن تأخذ موقعًا مرموقًا هو أن الحاكم فتح قلبه وعقله ليسمع من أبناء الحركة الإسلامية، في حين كان من قبل يسيء الظن بهم لأن الأخبار كان تأتيه من خلال أجهزة معينة وربما لم تنقل له الصورة كما يجب، وهذا أمر طبيعي إذا أتت من مصدر إلى مصدر.. وربما دخل ضمن هذه المصادر من له أهداف تخدم جهات أجنبية وسياسات ترضي أطرافًا بنفسه إلى أن يجلس ويسمع فرأى كثيرًا من الأشياء كانت تصله مليئة بالمغالطات والتشوهات المستهدفة وعلى سبيل المثال، عندما دخلت جلس الرئاسة وأصبحت بجوار الرئيس اليمن علي عبد الله صالح، أصبح الرئيس يقول للناس: إن عبد المجيد الزنداني ليس كما كنا نتصوره وليس كما كنا نسمع عنه، وينقل عنه من صفات وأحاديث.. فقلت في نفسي: من أين إذن كانت تلك الأخبار؟

فالحاكم عليه أن يتحرى وهو في موقع قدرة وقوة وليس عيبًا أن يفتح صدره لأبناء شعبه.

الإسلاميون.. والقوميون

* كان للأحزاب القومية في السابق خطاب معاد للإسلام، بينما نجده الآن يختلف قليلًا فما السبيل للحد من تصادمية الخطابين القومي والإسلامي؟

* تغير خطابهم نحو الإسلام علامة رشد ودليل خير على أنهم يتجهون إلى الصواب كما يدل على معلوماتهم عن الإسلام كانت خاطئة بل ومشوهة واقترابهم وتفقههم في الدين يجعلهم يعرفون أن دين الإسلام الدين الحق، وما يجب أن يكون بين الإسلاميين وأصحاب المنطلق القومي قطيعة، ليس هناك خلاف كبير بين القومية والإسلام فالإسلام لا يمنعنا من أن نكون بارين بقومنا، ولا يمنعنا من أن نعطيهم شيئًا من العناية، لكن أن نقطع صلاتنا بأمتنا الإسلامية فهذا هو المحظور ولا شك في أن أصحاب الفكر القومي قد أخذوا هذه الفكرة من أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين.. أما أوروبا اليوم فقد تجاوزت هذه المرحلة القومية وقفزت فوقها وأصبحت ترى أن الطور الذي وصلت إليه المجتمعات البشرية لا تصلح له هذه الكيانات القومية فبدأوا ينادون بوحدة أوروبية تجمع القوميات والأجناس المختلفة، ألسنا نحن الأولى بأن نمد أيدينا إلى إخواننا المسلمين الذين يلتقون معنا في دين واحد، وكتاب واحد، وفي سنة مفصلة مبينة.. ألا يكون لنا في موقف باكستان عبرة للمراجعة عندما طلبت الأمم المتحدة من رئيس الوزراء الهندي التخلي عن البرنامج النووي لبلاده فوافق بشرط أن تتخلى باكستان عن برامجها في هذا الشأن، وعندما عرض الأمر على رئيس الوزراء الباكستاني قبل بشرط أن تتخلى الهند وإسرائيل.. ماذا يعني ذلك؟ معناها أن شريكنا في المصير الواحد هو الأمة الإسلامية، وإذا كان الأوروبيون أربعمائة مليون يجتمعون في وحدة واحدة وعملة نقدية واحدة، أليس من حق هذه الأمة، أن تتحد وأن تجتمع على كلمة واحدة، لا شك في أن هناك معطيات جديدة عند الاتجاهين القومي والإسلامي يجعلهما في أفضل صورة تمكنهما من التفهم والتقارب أكثر فأكثر، وهذا التقارب لن ينمو إلا بالزيارات واللقاءات المفتوحة والحوارات المستمرة ثم لابد من نواة متفرغة لتدير هذا التقارب وتضعه في بوتقة ينصر فيها الفريقان.. ولكن يجب أن يفهم ألا يكون ذلك على حساب الإيمان، والاعتقاد بالشريعة، والدين والأخلاق.

* كثيرًا ما نسمع من أصحاب الفكر ومنابر الثقافة كلمات مترادفة: مطلوب.. يجب.. على الذين.. فمن الذي يبادر بالتنفيذ إذن؟

* القيادات الرسمية لهذه الحركات هي المسؤولة وهي المعنية بذلك.. وإذا كان بعض القيادات محصورة في بلادها أو ممنوعة من السفر أو تحت الإقامة الجبرية فعليها أن توكل من تثق فيه وتشارك ولو بورقة عمل أو برنامج أو تبدي وجهة نظرها، وأعتقد أن وسائل الاتصال الحديثة فاقت الحدود الجغرافية للبلاد وصارت من الهيمنة بحيث يمكن أن تؤثر على أصحاب الرأي ورجال الفكر والصحافة والعلماء والنخب المثقفة الذين تقع عليهم المسؤولية في توعية شعوبنا بحقيقة الأمر.

* على امتداد التجربة الإسلامية ظهرت بثور انشقاقية.. وبعيدًا عن الأسباب: هل هناك إستراتيجية تمنع بروز الانشقاقات في الحركة.. كيف تتم مناقشة الأفكار المغايرة للاتجاه العام للحركة علنًا بدلًا من التكتم الذي قد يؤدي إلى البلبلة والمزايدة من قبل البعض؟

* الكائن الحي إذا منع عنه الهواء فسيموت.. والحرية هي الهواء بالنسبة للإنسان في المجال الفكري، والحرية المنضبطة بشرع الله تعالى صمام أمن لتقويم الاعوجاج.. ونجاح المجتمعات الأوروبية في استقرار أوضاعها نتيجة لأنها ضمنت تلك الحرية لأفرادها، وبذلك أصبحت القيادات الرسمية والشعبية تحت الرقابة والمحاسبة، كما ضمنت أن اختيار تلك القيادات سيكون بإرادة من الناس فتحول الحكام إلى خدام حقيقيين، وديننا يدعوننا إلى ذلك.. يدعونا إلى أن يكون الحاكم خادمًا يخدم أمته ويدعونا إلى أن نؤدي الأمانة إلى أهلها، فالأمة هي صاحبة ذلك الحق ويدعونا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحركات الإسلامية التي تنشد إقامة الحق والحياة المثلى عليها أن تطبقها أولًا بين صفوفها وعليها أن تعيش فيها، ولكن يعتذر عن تطبيق ذلك بسبب الظروف والقهر والكبت الذي يمارس من بعض الأنظمة ضد هذه الحركات.. ولكن أقول إن الواجب العام على الفرد المسلم وعلى القوى الشعبية في كل بلاد المسلمين أن يكفروا في الضمانات التي تعطي الناس الحق في التحرك في دائرة الضوء، والنور، وبكل وضوح.. ولن يكون ذلك إلا إذا حدث التعايش بين الأنظمة وهذه الحركات ووضحت الحدود والعلاقات حتى لا تكون هناك مفاجآت يفاجئ طرف بها الآخر، لذلك يأخذهم بالظنة أو التهمة، وعلى هذا فالمطلب الموضح لن يتحقق إلا في جو يتنفس فيه المجتمع برئتين، وليس من خلال رئة الآخرين.. وإذا لم يتحقق هذا الجو، فعليهم السعي ما استطاعوا إلى تحقيق ذلك، فإنه شرط أساسي، والله تعالى يقول: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).

* كيف ترى مستقبل الأمة؟ وهل من كلمة يمكن أن توجهها لأبناء المسلمين؟

* أمتنا في غالبها ما تزال غافلة عن ديننا ودنياها، فكل ما حولها متحرك وقوي وهي تجثم على ثروات عالمية هائلة، 70% من بترول العالم في بلادها وغيره من الثروات، ولذلك فهي مطمع لغيرها من الأمم، لكنها لم تستيقظ بمجموعها، لذلك أمامنا جهد كبير في إيقاظ أمتنا ورفع مستوى إيمانها وتجديد الدين فيها، والمشروع الذي كان قد قاده البروفيسور نجم الدين أربكان، وأراد أن يفتتح به سوقًا اقتصادية إسلامية فيما يسمى بـ «مجموعة الثمانية»- هو مفتاح من هذه المفاتيح يمكن لساستنا وحكامنا أن يسلكوا الطريق من خلالها، فأمتنا يمكن أن تنهض إذا احترمت نفسها وتوحدت واجتمعت كلمتها: وأقول إلى الإيمان.. إلى الوعي.. إلى الوحدة، وليكن معلومًا للجميع أن الشعوب لا تستيقظ إلا تحت المطارق والضربات، لأنها ملايين من البشر وليست أفرادًا يمكن حصرهم.

الإصلاح

* هل هناك إستراتيجية مستقبلية تبقي التواجد العلني لحركة «الإصلاح» في النسيج السياسي للمجتمع اليمني؟

* الظاهرة ربما تكون محل تسليم من أن الاتفاق الشعبي حول الإصلاح يخفت في بعض الأحيان أخرى.. فالإصلاح فازت بالمقاعد نفسها التي فازت بها من قبل وزيادة بنائب واحد (64) نائبًا، وتحليلي هو أن الجماهير دائمًا وأبدًا تستجيب عندما تجد من يتحدث عن مشاعرها، ويضحي لمصالحها، ويوصلها بكل أمانة وإخلاص، ولا يخاف في الله لومة لائم، والإصلاح عندما يرى أن هناك أمورًا تقتضي ذلك البيان ولو كان هناك من يغضب.. يقول ذلك.. فترضى الجماهير وتغضب جهات «أخرى» ونظرًا لأن هناك اتفاقا للتعايش بين حركة الإصلاح في اليمن والحزب الحاكم تراعي الحركة في خطابها السياسي هذا الاتفاق فهي لا تغضب الحاكم غضبًا شديدًا ولا تحرجه حرجًا شديدًا وهذا ينعكس بالتالي على شعبيتها.

* ما تقويمكم لمسيرة حركة الإصلاح في ظل اليمن الموحد؟

* للأسف الشديد «الإصلاح» وضع في ظل الحزبية وهذا موقف لا أرضاه له ويحتاج منا إلى إعادة النظر في فكرة التعددية من أساسها.. هي أن المجتمع أصبح ينقسم إلى مجموعات متعادية من أساسها.. وهي أن المتجمع أصبح ينقسم إلى مجموعات متعادية في بعض الأحيان مما يجعل الحق يضيع بين هذا التنافس وذاك.. فمثلًا كنا نعيب أن يكون هناك تعصب للقبيلة، واليوم نجدها في الأحزاب.. فالناس يتعصبون لأحزابهم بحق وبباطل، كنا نعيب أن ذلك الولاء وتلك الأخوة الخاصة تحصر في دائرة القبيلة، ولا تمتد لتشمل بية أبناء الشعب.. بدأنا نراها كذلك اليوم في الأحزاب.. فترى أفراد الحزب الواحد بينهم المحبة والود والألفة والانسجام ولا يشعرون بأن غيرهم من أبناء الشعب يشاركهم في تلك المحبة الخاصة، وهؤلاء لهم النصر، وإن كانت القبائل أحسن من الأحزاب.. فالقبائل تؤوي وتنصر من جاء إليها لكن الأحزاب اليوم لا تؤوي ولا تنصر إلا من كان من أعضائها.. وأحزاب اليوم إذا كان الموقف في جانبها فهو الحق وإذا كان من خصمها فهو باطل.. ثم نرى في كثير من الأحيان أن الخصومات والمواجهات تؤدي إلى أن يتبنى حزب ما موقفًا معينًا وتجده يبيح الربا مثلًا برغم أنه إثم واضح، ولكنه باسم الدفاع عن مصلحة الحزب السياسية تجده يدافع عن ذلك.. وفي بعض الأحيان يصوتون ويرفعون أيديهم بالموافقة في البرلمان على إقراره مثلًا وتحدث مواجهات واستفزازات وبعض الناس يزيدون الأمر اشتعالا ويجرونه إلى المخاصمة فترى وقد استنفر الصف بأكمله ليقف دفاعًا عن الحزب مهما كان موقفه.

هذا منهج يخالف مبادئ الإسلام في أن تكون الأخوة للناس جميعًا وللمؤمنين خاصة، فالكل يجب أن ينعم بأخوة الإسلام والإيمان، وهذه الخصومات تخالف ديننا، والذي أمرنا بأن الولاء للمؤمنين: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (المائدة: 55) وديننا يأمرنا بقول الحق ولو على أنفسنا، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ (المائدة: 8)، ونحن دائمًا نتبنى رأي الحزب أو التنظيم مهما كان على خطأ أو صواب، وهذا تخلف في الدين، وتخلف حضاري.. وأصبحت الآن مصلحة الحزب فوق مصلحة الدين والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2)، وهذا الجو عكر علينا في الإصلاح حياتنا الدينية، بل وعكر الحياة السياسية، ومطلوب من ثم أن توجد تنظيمات سياسية تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، مطلوب أن يتعاون الناس على البر والتقوى وليس المطلوب أن يتعاونوا على العكس.

فهذه المسألة تحتاج إلى إعادة النظر من قبل المفكرين والدعاة، كيف نحقق التعاون بين الأفراد والمجموعات الصغيرة والكبيرة والتنظيمات الواسعة، وكيف نحقق أخوة الإسلام وولاء المسلمين العالم للأمة بأكملها؟ وكيف يكون الولاء للحزب غير مؤد إلى تعاون على إثم أو عدوان، تقويمي أن هذا المنزلق الذي دخلت فيه الحياة السياسية في اليمن قد أثر فيه سلبًا وبدت في الأفق مظاهر سلبية عديدة تتطلب العلاج، ولابد من إعادتها إلى رشدها، وإلى معين القرآن الكريم يحكمها ويقودها، فالرسول صلى الله عليه وسلم أمر بأن تكون هناك قبائل كالمهاجرين والأنصار والأوس والخزرج، ولكن بشرط ألا تكون الأخوة والتناصح فيما بينكن على حساب الأخوة العامة للمسلمين.

* أثرتم في حديثكم أنه لابد من إعادة النظر في التعددية من قبل المفكرين الإسلاميين فماذا تعني؟

* أقول لهم: افعلوا ما شئتم من التنظيمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والخيرية فهو تعاون على البر والتقوى ما دام محوره التعاون على البر والتقوى، لكن عندما تصبح هذه التنظيمات سببًا للتعاون على الإثم والعدوان فهذا حرام.. بل القرآن يخبرنا بقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122)، ولكن هناك ضمانات في أن «الكل أمة واحدة» ولاء واحد، وأخوة واحدة، ومرجعية واحدة.

* نسمع عن حوادث خطف باليمن بعضها تكون نتائجه بسيطة، والبعض الآخر تكون نتائجه سيئة كما حدث مؤخرًا بقتل مجموعة من الرهائن، فما تعليقكم؟، وما دور «الإصلاح» في تجلية هذا الموقف؟

* في الحقيقة إنه شيء غريب وقع في بلادنا، واستغرابي منشؤه أن الشعب اليمني كسائر الشعوب العربية يحترم الضيف ويحترم الغريب لكن لاحظ الشعب أن الحكومة لا تلتفت لمطالبه في بعض الأحيان، وبعض الأفراد ممن لهم مطالب خاصة لاحظوا أن الحكومة تحرص على رعاية هؤلاء الأجانب بصورة بارزة وتفرق بين المواطن والمقيم على أرضه في حين أنه لا خير في عمل يسدي للغريب، والقريب إليه أحوج، فعلموا أن الأجانب المقيمين باليمن هم نقطة الضعف عند الحكومة، فقرروا الضغط عليها من خلالها حتى يحصلوا على متطلباتهم من الحكومة، ثم يطلقوا سراحهم بعد ذلك، ونظرًا لتكرار هذه العمليات أرادت الحكومة أن تتعامل مع هذا الظاهرة بعدما أخذت بعدًا سياسيًا في بعض الأحيان، وهو ما يعد شكلًا جديدًا على طبيعة الشعب اليمن، فكانت النتيجة المؤلمة التي سمعتهم عنها «والإصلاح» يستنكر ذلك بشدة، فالزائر الذي يدخل إلى بلد بتأشيرة مستأمن، وذمة المسلمين واحدة لا تتغير مع الأجناس أو الديانات الأخرى، ولكن اختلال الأوضاع في المجتمعات ينشأ عنه مثل هذه الافتراءات.

الرابط المختصر :