; نحن حركة نهضة حضارية شاملة | مجلة المجتمع

العنوان نحن حركة نهضة حضارية شاملة

الكاتب عبدالمنعم أبو الفتوح

تاريخ النشر السبت 31-مايو-2008

مشاهدات 424

نشر في العدد 1804

نشر في الصفحة 33

السبت 31-مايو-2008

كنت أتصور أن السؤال حول طبيعة دور جماعة الإخوان المسلمين في المجتمعات العربية عما إذا كان هذا الدور سياسيًا أم دعويًا، أو هو دور إصلاحي أم تغييري.. كنت أتصور أنه قد حسم منذ زمن ولكن يبدو أن الطبيعة الاستثنائية التي تحياها مجتمعاتنا في هذه الحقبة جعلت أغلبنا يدور في دائرة مغلقة فما أن ننتهي من تعريف وتحديد موضوع حتى نبدأ في إعادته إلى المربع رقم واحد.

جماعة الإخوان المسلمون من البدايات الأولى لوجودها في الحياة العامة في المجتمعات العربية والإسلامية وهي حركة نهضة حضارية شاملة تعتبر الإسلام الدين والمنهج روح هذه النهضة وباعثها.
هذا المعنى لم ينتجه الإخوان المسلمون من العدم، ولكنه رؤية رأها كل المصلحين السابقين على قيام الحركة منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى بدايات القرن العشرين.. من الكواكبي الذي رأى أن الاستبداد هو الداء الرئيس الذي وقع فيه الشرق وتخلص منه الغرب، والأولية تتمثل في الإصلاح السياسي، إلى الأفغاني ومحمد عبده اللذين تمثلا البعد الثقافي والديني في الحضارة الغربية وقدرا أنه المفتاح لفهم السبب في تأخرنا وتقدم الغرب إلى رشيد رضا تلميذ محمد عبده النجيب وأستاذ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين.

تلقف الأستاذ البنا -رحمه الله- دوره في مشروع الإصلاح بإخلاص وإتقان شديدين، فانتقل بالعمل الإسلامي نقلة هائلة، من إطار الجهود الفردية والاجتهادات الشخصية إلى إطار الحركة الجماعية المنظمة وذلك بغرض إشراك كل الأمة في حمل نصيبها المقدر في تحقيقه وإقامته فحوله من مشروع فكري إلى حركة إصلاح ونهوض شعبية تضم كل فئات الشعب بعد أن كان الناس ينظرون إلى النشاط الإسلامي العام من خلال شيوخ الصوفية والطرق والتقاليد الموروثة التي كانت في مجملها عنوانًا للجمود والرفض لكل جديد. فجاءت حركة الإخوان المسلمين وقدمت المثقفين وطلاب الجامعات والعمال والفلاحين والداعين إلى الاستفادة من الحداثة في سياق الحفاظ على الهوية الحضارية التي يمثل الإسلام قلبها النابض.
كان كل ذلك اهتمامًا إصلاحيًا ناهضًا يقوم على قاعدة متينة من التغيير النفسي والاجتماعي والسياسي، وقد تميز نشاط جماعة الإخوان المسلمين السياسي من بداياته الأولى - بالاعتدال والتصالح مع الواقع والمشاركة في البرلمان والتفاعل مع الأحزاب السياسية الأخرى، ولم تصدر عن الجماعة أي دعوات انقلابية أو تكفيرية باتجاه النظم والسلطات القائمة، فكان هناك قبول بالدستور والقوانين مع المطالبة بتعديلها لتتوافق مع أصول الشريعة الإسلامية ونصوصها، وهو الفهم الذي وصفه الأستاذ البنا بأنه أضوأ من الشمس، وأوضح من فلق الصبح، وأبين من غرة النهار.
وعليه فجوهر حركة الإخوان المسلمين لتحقيق النهضة والتنمية يقوم على بناء الإنسان وإنهاضه وفق شمولية التعاليم الإسلامية نظريًا وعمليًا وروحيًا بما يغطي كافة جوانب الشخصية وبما يساعد على إعداد أرضية إسلامية للمجتمعات القائمة تساهم في تحقيق مشروع الدولة، على اعتبار أن ذلك هو أساس النهضة الإسلامية.

وأخيرا هناك ثلاث نقاط أرى من المهم تأكيدها:
نحن لم نكن -ولن تكون- في يوم من الأيام حركة انقلابية رافضة لأنظمتنا ومجتمعاتنا، ونحن إنما نسعى إلى إصلاحها وليس للقضاء عليها أو استئصالها كما تفعل الجماعات الراديكالية.. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ﴾ (هود: ۸۸).

جماعة الإخوان -إضافة لما ذكرته سابقًا- هي جماعة مدنية مجتمعية مفتوحة تعتمد في إدارة شؤونها وأحوالها على المتعارف عليه في نظم الإدارة وتسيير الأمور بما يحقق توافق خطوات العمل ضمن المجرى الفكري والعملي للجماعة مثلها في ذلك مثل كل الجمعيات والأحزاب والأندية التي تضبطها لوائح مستقرة ومتفق عليها، وهو ما ينفي عن الجماعة أي توصيف آخر. والطبيعة المدنية المفتوحة للجماعة تتعارض مع أي شكل آخر من أشكال الإدارة العسكرية الميري أو الإدارة السرية المغلقة.

لم تتغير قناعتي يومًا ما أن جماعة الإخوان ذات الفكر المجتمعي المدني الناهض لم تتح لها الفرصة الحقيقية الكاملة للوجود المستقر داخل المجتمع بما يؤكد طبيعتها وجوهرها الأصيل.. لا في الأربعينيات بسبب الاحتلال ولا في الخمسينيات بسبب صدام يوليو. ولا بعد ذلك وحتى يومنا هذا. وسامح الله كل من شارك في حرمان هذا الوطن الحبيب من ثروة حقيقية اجتماعية وفكرية وسياسية وتربوية ضمن باقي ثرواته القومية الأخرى التي حرم منها هذا المجتمع العزيز، وللأسف.. لصالح قوى البغي والشر على أمتنا وحضارتنا.

الرابط المختصر :