العنوان نحو تحديد علمي لمفهوم الكتاب والسنة (2)
عنوان تمهيدي من هنا نلتقي.. وبهذا نلتزم
الكاتب عبدالرحمن عبدالخالق
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1974
مشاهدات 14
نشر في العدد 192
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 19-مارس-1974
- نماذج من مقاييس الفهم.. ومعايير التصور
ألقى الأستاذ عبدالرحمن عبدالخالق محاضرة
بعنوان «الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة».
وذلك في قاعة المحاضرات بالمقر الرئيسي لجمعية
الإصلاح الاجتماعي.
وقد أم المحاضرة عدد كبير من المثقفين وطلبة
العلم وجمهور المواطنين.
استغرقت المحاضرة -والنقاش الذي أعقبها- نحو
ثلاث ساعات.
واشترك في التعقيب السيد يوسف هاشم الرفاعي.
وعلى الرغم من تباين وجهات النظر، فقد ساد
الحوار جو من الود والأدب وسعة الأفق.
في هذا العدد ننشر مطلع المحاضرة، وهو مطلع
يمثل المعايير والضوابط، ويحدد مصادر المعرفة في العقيدة والشريعة والعمل، كما
يحدد منهج تناول الكتاب والسنة في التصور والفهم.
في العدد الماضي علمنا الشطر الأول من «مفهوم
الكتاب والسنة» وهو الشطر العقائدي الإيماني، وملخصه أن قضايا الإيمان والاعتقاد
والغيب لا تؤخذ إلا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فقط.
وفي هذا العدد نعرض -بحول الله- الجانب الآخر
من هذه القضية وهو جانب التشريع في أمور العبادات، فللتشريع ميادين كثيرة منها
العبادات، والمعاملات، والسياسة، وأمور المعاش والحياة، وباب الاجتهاد مفتوح فيها
جميعًا إلا العبادات فليس فيها اجتهاد فكل ما يتقرب به إلى الله تبارك وتعالى من
أعمال يجب الوقوف فيها عند الحد المشروع، ولم يسمح الرسول صلى الله عليه وسلم لأحد
أن يزيد على ما قال فيها، أو أن يبدل شيئًا منها، وهناك بعض الأدلة التي تثبت هذا
الأصل من أصول الإيمان:
رأى رسول الله رجلًا يمشي في الحج بين رجلين
يسندانه فقال صلى الله عليه وسلم: «ما هذا؟» فقالوا: يا رسول الله نذر أن يحج
ماشيًا! فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني! مروه فليركب»،
فنهى صلى الله عليه وسلم عن فعل لم يشرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان
فاعله قاصدًا به التعبد والتقرب إلى الله عز وجل.
ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا آخر
يجلس في الشمس فسأل عنه فقالوا: يا رسول الله نذر أن يصوم، ولا يتكلم، ويجلس في
الشمس، فقال صلوات الله وسلامه عليه: «ليتم صومه، وليتكلم وليجلس في الظل» فأمره
رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصوم الشرعي فقط، ونهاه عن الصوم المبتدع، وهو
السكوت، وإن كان مشروعًا في شريعة سابقة كما قالت مريم عليها السلام: ﴿إِنِّي
نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ (مريم: 26)
ولكن الله عز وجل لم يتعبدنا بهذه الشريعة، وأمره بأن يتحول إلى الظل، لأن الجلوس
في الشمس مع وجود الظل تكلف سخيف وخروج عن جادة الحق، وعبادة لم يشرعها الله
سبحانه وتعالى.
وأبلغ من الدليلين السابقين حديث عبدالله بن
عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن أباه عمرو بن العاص اشتكاه إلى الرسول صلى الله
عليه وسلم بأنه زوجه امرأة من أشراف العرب ومكث يسألها كل يوم: كيف رأيت زوجك؟!
فقالت: صالحًا غير أنه لم يطأ لنا فراشًا! وذلك لخمس عشرة ليلة، فقال رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن عمرو: «بلغني أنك تصوم النهار وتقوم الليل»،
فقال: نعم يا رسول الله، ثم قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «صم من كل شهر
ثلاثة أيام»، فقال: يا رسول الله! قال صلى الله عليه وسلم: «خمسًا»، قال: يا رسول
الله! قال: «سبعًا»، قال: يا رسول الله!! قال: «تسعًا»، ثم قال له في النهاية: «صم
صيام أخي داود كان يصوم يومًا، ويفطر يومًا، ولا يفر إذا لاقى».
وفي هذا الحديث من الفقه أن منهج الإسلام هو
الاعتدال بين حاجات الإنسان كلها فيعطى الإنسان حق ربه ولا ينسى في سبيل ذلك حق
زوجه ونفسه وعينه وقوته، ولذلك جاء في الحديث الصحيح: «إن لربك عليك حقًا، ولزوجك
عليك حقًا فأعط كل ذي حق حقه».
وهنا لفظة في الحديث يجب أن نقف عندها طويلًا
وهي أن الصوم لا يجوز أن يضعف المسلم حتى إنه ليفر من العدو لضعفه بالصوم ولذلك
قال الرسول لعبد الله: «فصم صيام داود كان يصوم يومًا، ويفطر يومًا، ولا يفر إذا
لاقى» وهذه القوة البدنية للقاء العدو مطلوبة في الإسلام لأن الجهاد هو أعلى مراتب
الإسلام، فالذين يميتون قواهم بالتعبد لو كان أصله مشروعًا ويطغى هذا على جانب آخر
من العبادة فإنهم مفرطون بهذا الفعل، عاصون الله تبارك وتعالى من جهة أخرى.
وفي الحديث الصحيح الآخر أن رجلًا سأل رسول
الله صلى الله عليه وسلم عن صومه، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا،
وجعل عمر بن الخطاب يقول: رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، حتى سكن غضب النبي
صلى الله عليه وسلم، وسر غضبته صلوات الله وسلامه عليه أن هذا السائل أراد أن
يضاهي فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه العبادة التي كان له فيها خصوصية، وهو
أنه يواصل اليوم واليومين والثلاثة، وكان يسأل صلى الله عليه وسلم عن ذلك فيقول:
«لست كهيئتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني».
وأبلغ هذه الأدلة كلها في مسألة التعبد
والتقرب وأنه لا يجوز فيه إلا اتباع المشروع، والتقيد بالكتاب والسنة هو حديث
النفر الثلاثة الذين أتوا إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم فسألوا عن عبادته،
فلما أخبروا كأنهم استقلوها فقال أحدهم: وأين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم،
إن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر!! أما أنا فسأقوم ولا أنام؟ وقال
الآخر أما أنا فسأصوم ولا أفطر، وقال الثالث أما أنا فلا أتزوج النساء، فلما رجع
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر خبرهم صعد المنبر وجمع الناس ثم قال: «ما بال
أقوام يقولون كذا وكذا! أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر،
وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني».
وفي هذا الحديث من الفقه شيء كثير ويهمنا الآن
ما نحن بصدده وهو أن أي تجاوز فيما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في العبادات
التي يتقرب بها إلى الله عز وجل فمعنى ذلك الخروج من منهج الإسلام إلى منهج آخر
حتى ولو صلحت النيات وأريد لذلك وجه الله عز وجل، فإن الرب تبارك وتعالى لا يعبد
إلا بما شرع.
وأمر آخر وهو أن تجاوز فعل الرسول صلى الله
عليه وسلم سواء كان بتشريع جديد كتحريم الزواج أو الزيادة في المشروع كالصيام
أبدًا، والقيام كل الليل، اتهام للرسول صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن في القمة من
معرفة الله تبارك وتعالى والقيام بحقه، ولذلك قال أولئك النفر: وأين نحن من رسول
الله صلى الله عليه وسلم! إنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يعنون أن الله
قد غفر ذنوبه فليس بمحتاج إلى اجتهاد في العبادة، ومعنى هذا أن الرسول قد ترك
شيئًا من وسعه في العبادة استنادًا على هذه المغفرة والحظوة عند الله تبارك
وتعالى، وهذا من أفسد الاعتقادات في حق الرسول صلى الله عليه وسلم الذي ما ترك من
وسعه وسعًا في عبادة الله وطاعته، وكان صلى الله عليه وسلم في القمة دائمًا وفي
المقدمة دائمًا، كما أمره بذلك ربنا سبحانه وتعالى حيث قال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي
وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُۖ
وَبِذَٰلِك أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: 162 - 163) فهو
صلى الله عليه وسلم أول المسلمين في كل شيء فلا يجوز لمسلم أن يظن فيه غير ذلك،
والزيادة على ما شرعه إنما هي اتهام له صلى الله عليه وسلم ولذلك قال: «إن أعلمكم
بالله، وأتقاكم لله أنا» ثم فاصل من أراد طريقه بالالتزام ومن لم يلتزم فليتخذ
طريقًا آخر «فمن رغب عن سنتي فليس مني».
ولم يكتف الرسول صلى الله عليه وسلم ببيان كل
ذلك بل أعلن في كل خطبة من خطبه للناس: «وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»،
وقال أيضًا: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، فكل عمل محدث يراد به
التقرب إلى الله عز وجل فهو مردود على صاحبه والتعبد هو بالمشروع فقط.
ولقد أصل الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك
أصلًا عجيبًا وهو تعمد مخالفة أهل الكتاب والأمم الأخرى وذلك حتى تتحقق ميزة الأمة
بالمنهج المستقل والأفعال المستقلة، وحتى لا تختلط أفعال الأمة وعباداتها بأفعال
الأمم الأخرى وعباداتها فأمر أن نصلي بالنعال والخفاف، مع العلم أن خلعهما أتم
لمعاني الخضوع والذلة، وذلك مخالفة لليهود والنصارى الذين لا يصلون في خفافهم
ونعالهم، قال: «إن أهل الكتاب لا يصلون في خفافهم ونعالهم فصلوا في خفافكم ونعالكم»!
ولهذا الأصل أدلة وشواهد لا تحصى كثيرة
والمراد هنا التنبيه إلى أن الأمة الإسلامية يجب أن تكون أمة مستقلة في كل شيء:
المنهج والعبادة والسلوك والآداب والعبادات وحتى اللباس والمظاهر والعادات.
وأرجو أن أكون بهذه المقدمة قد أوضحت جانبًا
من هذه القضية، قضية الالتزام بالكتاب والسنة عقيدة وعبادة وسلوكًا فقط، والسلوك
والآداب بالمشروع فقط.
فهم الصحابة -رضوان الله عليهم- هذا الأصل
الأصيل لأنه مقتضى قولهم «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» فاتبعوا هذا الأصل
وكانوا حراسًا له، فما شاهدوا انحرافًا ولو يسيرًا إلا شددوا نكيرهم على فاعله،
وبتروه من أصله، ومن أكبر الأدلة على ذلك أن عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- دخل
المسجد في الكوفة فرأى حلقًا، وفي وسط كل حلقة كومًا من الحصى ورجل قائم على كل
حلقة يقول لهم: سبحوا مائة فيسبحون مائة، احمدوا مائة فيحمدون مائة، كبروا مائة،
فيكبرون مائة، فقال لهم ابن مسعود -رضي الله عنه: «يا قوم والله لأنتم على ملة هي
أهدى من ملة رسول الله! أو مقتحمو باب ضلالة!».
وهذه قضية منطقية سليمة فهؤلاء إما أن يكونوا
أهدى من الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم قد وفقوا لعمل لم يصل إليه علم رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وإما أن يكونوا في ضلالة، والغرض الأول منتف حتمًا لأنه لا
أحد أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق إلا الغرض الآخر، وهو أنهم قد
اقتحموا باب ضلالة، فقالوا: «والله يا أبا عبدالرحمن ما أردنا إلا الخير». وهذا
دليل منهم على صلاح نياتهم، وإرادتهم وجه الله تبارك وتعالى بهذا العمل المبتدع،
ولكن عبدالله بن مسعود قال لهم: «وكم من مريد للخير لم يبلغه». وهذا معناه أن
النية وحدها لا تكفي لتصحيح الفعل بل لا بد أن ينضاف إلى ذلك التقيد بالمشروع.
وبالغ الصحابة -رضوان الله عليهم- في حماية
جناب الدين وجانبه أن يدخل فيه الغريب، وما ليس منه، حتى يصفو للناس التأدب بالأدب
الخالص، والتخلق بالخلق الكامل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فطرَد
علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- القصاصين من المساجد، وهم الوعاظ الذين يعظون
الناس ويزعمون ترقيق قلوبهم بالقصص الخيالي، والحكايات والأساطير، وأنكر ابن عمر
على رجل عطس فقال: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، قائلًا له: ما هكذا
علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إذا عطس أحدكم فليحمد الله، ولم يقل
وليصل على رسول الله.
الحقائق .. والموازين
وبمجموع هذه الأدلة والأدلة السابقة في العدد
الماضي تتضح لنا الحقائق التالية لنفهم قضية الكتاب والسنة:
- أولًا:
الهدى هو ما كان من الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فقط ﴿قُلْ
إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ﴾ (آل عمران: 73)، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ
إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (يونس: 32). وأن هذا الهدى محصور في كتاب الله وسنة رسوله
صلى الله عليه وسلم فقط وليس وراء هذا طريق ثالث يقرب من الله ويباعد من
النار.
- ثانيًا:
أن كل عقيدة تخالف كتاب الله وسنة رسوله فهي عقيدة باطلة يجب حربها والقضاء
عليها.
- ثالثًا:
أن كل زيادة أو نقص في تشريع العبادات والسلوك يراد به التقرب إلى الله تبارك
وتعالى وإصلاح النفس إنما هو بدعة مرفوضة حتى لو كان صدر هذا ممن ينتسبون إلى
الإسلام ويدعون إليه.
- رابعًا:
أن كل من ادعى علمًا غيبيًا ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله زاعمًا أنه قد
وصله بطريق الجن أو الفيض أو الفتح أو الاتصال بالسماء فإنما هو كاذب مارق.
- خامسًا:
أن أقوال العلماء في أمور الدين لا تؤخذ قضية مسلمة قط بل لا بد من عرضها
أولًا على الكتاب والسنة فما وافق أخذ وما خالف ذلك رد، وإذا كان يجوز لنا
أحيانًا الأخذ بها والعمل بها إذا لم نعلم الدليل فإن ذلك إلى حين معرفتنا
بالدليل، ومتى عرفنا الدليل حكمنا به على القول.
- سادسًا: أن الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا أعلم الناس وأتقى الناس وأنهم تحققوا بهذين الأصلين الكتاب والسنة، وأن من كان على مثل ما كانوا عليه فقد اهتدى ومن شذ يمينًا أو يسارًا فقد ضل.