العنوان نحو إخماد الفتنة الطائفية
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-2001
مشاهدات 79
نشر في العدد 1435
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 23-يناير-2001
ليس صحيحًا أن الحديث النبوي يأمر المسلمين بقتال الناس جميعًا حتى يسلموا.. وهذا هو الدليل
لا يخفى على عالم أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد صلحًا مع قريش عُرف بصلح الحديبية وفيه نزل قول الله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: 2)، وبناءً على هذا تحالف النبي صلى الله عليه وسلم مع قبيلة خزاعة وهي كافرة، فلما اعتدت عليها قبيلة بني بكر وهي من حلفاء قريش التي أمدتها بالسلاح وساعدتها في العدوان، استغاثت خزاعة بالنبي صلى الله عليه وسلم تناشده نصرتها للحلف الذي بينهما، فكان فتح مكة الذي هزمت فيه قريش وحلفاؤها إلى غير رجعة ودانت الجزيرة العربية للمسلمين.
لقد وضع الإسلام قواعد التعامل مع غير المسلمين في آية جامعة مانعة في سورة الممتحنة وهي قول الله تعالى ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الممتحنة 8- 9).
لهذا أجاز جمهور الفقهاء التعاون مع غير المسلمين والتعامل والتعايش الودي معهم في المجتمع، ويشمل ذلك أمورًا كثيرة منها:
1- عيادة مرضاهم: إذ روى البخاري «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له غلام يهودي يخدمه، فلما مرض أتاه يعوده، فأسلم» (فتح الباري 1/119).
2- زيارة قبورهم: ولقد استدل ابن تيمية على جواز ذلك بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استأذنت أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، فاستأذنت أن أزور قبرها، فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر بالآخرة» (مجموع الفتاوى 28/29).
3 - تعزيتهم: وفي ذلك ذهب الشافعية والمالكية والحنفية في رواية عنهم، والحنابلة في رواية عن الإمام أحمد إلى جواز تعزيتهم لمواساة أهل الميت، وحثهم على الصبر لأن ذلك من البر بهم إعمالًا لما ورد في القرآن الكريم من القسط والبر بهم، والمعلوم أن تعزية غير المسلمين تقتصر على ذلك ولا تتضمن الدعاء لميتهم ولا الاستغفار له، فذلك مُحرم شرعًا بسبب عقائدهم التي ناشدهم القرآن الكريم بالعدول عنها، حيث أشركوا مع الله غيره.
٤ – استعمال الأواني والثياب: حيث قال ابن قدامة: «لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في إباحة صلاة المسلم في الثوب الذي نسجه الكفار، ولا استخدام أواني غير المسلمين، فقد روى البخاري ومسلم عن أحد الصحابة كانوا يغزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصيبون من أواني أهل الكتاب وأسقيتهم فلا يعيب ذلك علينا» (فتح الباري 1/448).
5 - تهنئتهم في المناسبات: إن التهنئة في المناسبات الوطنية والاجتماعية تعد من البر الذي حث عليه القرآن الكريم.
أما التهنئة بالأعياد فتختلف باختلاف العيد وباختلاف عبارات التهنئة،فإذا اقتصرت على التهنئة على الأمور الدنيوية مثل عبارة «كل عام وأنت بخير» فلا شيء في ذلك، أما إذا كانت التهنئة في عقيدة أو أمر قد ورد في القرآن الكريم أو السنة النبوية تخطئة أو تكذيب له، فإن مثل هذه التهنئة محرمة، كمن يهنئ أحدًا بعيد صلب السيد المسيح، حيث كشف القرآن الكريم أنه لم يصلب ولم يقتل.
ولقد ورد في كتبهم أن الصلب عقيدة دينية تعني أن المسيح إله يغفر لأتباعه، وأن الباباوات يمثلونه فيملكون بذلك الغفران والحرمان من الجنة.
كما تحرم التهنئة بعيد العذراء، فبعض الطوائف يزعم أن مريم العذراء إله مع الله، وقد كشف القرآن الكريم زيف ذلك في قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ﴾ (المائدة 116 – 117)ـ
إن شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يرى عدم جواز مشاركتهم في الهدي الظاهر لأن ذلك يورث الولاء لهم، يجيز التهنئة إذا كانت هذه المشاركة تیسر دعوتهم إلى الإسلام أو يمكن أن تدفع ضررًا أو تجلب مصلحة «اقتضاء الصراط المستقيم ص 176»، والمقصود بذلك التهنئة التي تقتصر على العبارات غير المحظورة شرعًا.
الفتنة في قتل غير المسلمين
لقد ابتدع البعض رأيًا خاطئًا، فزعم أن اليهود والنصارى في البلاد العربية يستباح قتلهم لأنهم لا يدفعون الجزية، فهي في رأيه لا تسقط عنهم لأن الذي يملك إسقاطها هو خليفة المسلمين، وليس الحكام الحاليين.
والحمد لله أن هذا الرأي لم يصدر عن أحد العلماء، ولا يمكن أن يقول به عالم لأنه يخالف الثابت من القرآن الكريم والسنة المطهرة وإجماع الأمة.
وحتى لا يستغل خصوم الإسلام هذا الراي فيسيئون إلى دين الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أضع بين يدي القاري الحقائق التالية:
1- أنه في حالات فرض الجزية فإن من يتهرب من دفعها تُحصل منه جبرًا ولا يُقتل.
2 - ليس صحيحًا أن الحكام المعاصرين يملكون إسقاط الجزية فيما لو كانت مفروضة جدلًا، لأن الجزية عقد يتصالح عليه الحاكم مع غير المسلمين.
فضلًا عن ذلك، فإن هذه الجزية قد ألغيت من ما يزيد على مائة سنة، حيث أصدرت الخلاف العثمانية قانونًا في 19/1/1869م يقضه بمساواة غير المسلمين مع المسلمين في المواطنة والتجنيد، وبهذا القانون ألغيت الجزية في جميع البلاد الإسلامية، وهذا الإلغاء صدر عن خليفة المسلمين آنذاك.
3 - أن الإجماع منعقد على عدم جواز قتال أو قتل غير المقاتلين، وذلك لقول الله تعالى ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: 190).
وفي هذا روى ابن عمر أنه وجدت امرأة مقتولة في بعض الغزوات مع المشركين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما كانت هذه لتقاتل؟»، ونهى عن قتل النساء والصبيان (رواه الجماعة إلا النسائي)، كما قال للمحاربين: «ولا تقتلوا شيخًا فانيا، ولا طفلًا صغيرًا، ولا امرأة، ولا تغلوا» (رواه أبو داود نیل الأوطار للشوكاني، ج 7، ص 101).
أما الكاتب الذي أعطى لنفسه عصمة تجعل فهمه هو الحق، ومن ثم يصحح للشيخ محمد الغزالي والشيخ صلاح أبو إسماعيل، والشيخ عبد الرحمن عبد الخالق، ما أسماه سقطاتهم الفقهية الشنيعة!!
هذا الكاتب اعتبر تخرجه في كلية الدراسات الإسلامية صكًا يخول له اعتبار هؤلاء العلماء غير متخصصين.
ولم يسلم أحد من شتائمه في كتاب أخير له، ومنها قوله عني: إنني جاهل لقولي إن «العرب أهل الكتاب لا يشملهم الحديث النبوي: أُمرت أن من أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأن نصارى العرب في عصرنا مواطنون لا ذميون، فلا جزية عليهم».
المسلمون وقتال الناس
ليس صحيحًا أن الحديث النبوي يأمر المسلمين بقتال الناس جميعًا حتى يسلموا فقد الله عن ذلك في القرآن الكريم، أما الحديث النبوي فمعناه هو:
- أورد الإمام ابن حجر في كتابه فتح الباري شرح صحيح البخاري 1/77 في حديث «أمرت أن أقاتل الناس» من العام المخصص المقصود بالناس المشركين من غير أهل الكتاب، يدل عليه رواية النسائي، والمراد بالقتال ما يقوم مقامه من الجزية وغيرها.
أورد ذلك الإمام أبو الطيب صديق البخاري في كتابه «عون الباري لحل أدلة صحيح البخاري» ص 156، وقال: يدل على ذلك رواية الحديث عن صحيح النسائي بلفظ أمرت أن أقاتل المشركين.
2 - أورد الإمام الشوكاني في كتابه «نيل الأوطار» ج 8، ص 57 و58 أن الحديث خاص بمشركي العرب وعلل الإمام الطحاوي ذلك بأن الجزية تقبل من أهل الكتاب ومن جميع كفار العجم ولا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام والسيف طبقًا للحديث النبوي سالف الذكر.
3 - والشوكاني استدل أيضًا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» (رواه بخاري ومسلم).
4 - كما روى الحديث النبوي «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب» عند مسلم وأحمد، ونقل عن الحافظ في الفتح أن جزيرة العرب يراد بها الحجاز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال في حديث آخر «أخرجوهم من الحجاز»، فعرفنا أن مقصوده بجزيرة العرب الحجاز فقط (نيل الأوطار ج 8 ص 66).
وقال: الحجاز هي مكة والمدينة اليمامة وما والاها، فهو الذي يطلق عليه جزيرة العرب، وليس ما سوى ذلك (ج 8، ص 65)، وفي القاموس الحجاز هي مكة والمدينة والطائف.
5 - واستدل أيضًا بأن المقصود بالحديث المشركين بجزيرة العرب بأن النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهل نجران على الجزية كما رواه أبو داود.
الجزية في الحاضر والماضي
لا يخفى على المنصفين أنه عندما أكتب وغيري أن المواطنين من أهل الكتاب لا جزية عليهم فهم مواطنون لا ذميون، فإن المقصود هم النصارى العرب الذين يتساوون مع العرب المسلمين في الجنسية والتجنيد طبقًا لأحكام الدستور والقانون، فإذا كانت الخلافة الإسلامية العثمانية قد أصدرت قانونًا في 19/1/1869م بالمساواة بين المسلمين وغير المسلمين في المواطنة والجنسية وفي التجنيد، ومن ثم إسقاط الجزية عنهم، وكانت الدساتير والقوانين في جميع البلاد العربية والإسلامية قد نصت على ذلك، فمن ذا الذي يجرؤ أن يتهم من قال ذلك بالجهل وموالاة اليهود والنصارى في زمن الهزائم.
إن ما نقلته عن الحديث النبوي: «أمرت أن أقاتل الناس»، بأنه خاص بعرب الحجاز فقط ليس فهمًا من عندي، بل هو قول كبار علماء الأمة.
ولا يجهل باحث أن قرار الخلافة العثمانية المتضمن إسقاط الجزية عن غير المسلمين ليسلمثلي دخل فيه، ولقد قننته البلاد العربية والإسلامية بعد استقلالها الخاطئ عن الخلافة العثمانية.
وهذا التقنين لم يصدر عن كاتب هذه السطور حتى يتهم بموالاة اليهود والنصارى والأمريكان والأوروبيين.
ومع هذا أضع أمام القارئ الحقائق التالية:
أولًا: أن آية قتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية هي قول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوب: 29)، إنما نزلت في السنة التاسعة للهجرة عندما جمع إمبراطور الروم الجيوش لقتال المسلمين وكان من قبل قد تهادن مع المسلمين.
والصفات الواردة في هذه الآية لا تنطبق على عرب الجزيرة من أهل الكتاب بل على الأعداء وغير المسالمين.
ثانيًا: أنه قبل نزول هذه الآية بسنوات تراضى النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل الكتاب من عرب الجزيرة على المساهمة مع المسلمين في الدفاع عن الوطن المشترك بما يتفق مع ظروف كل طائفة منهم.
أ - اقترنت إقامة دولة للمسلمين بالمدينة المنورة في أوائل السنة الأولى للهجرة بالاتفاق مع أهل الكتاب بالمدينة وكانوا من اليهود على الدفاع عن المدينة مع المسلمين وأن يتحملوا النفقات مع المؤمنين، ولهذا لم يدفعوا الجزية والتزموا بالبديل الوارد في الوثيقة التي التزموا بها وفيها :
1 - البند 29 ونصه: «اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين».
2 - البند 48 ونصه: «على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم».
3 - البند 49 ونصه: «بينهم النصر على من حارب أهل هذه الوثيقة».
4 - البند 59 ونصه: «بينهم النصر على من دهم يثرب - المدينة المنورة».
5 - البند 62 ونصه: «على كل ناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم».
وهذا البند يلزم اليهود بعمل ما يلزم للحيلولة دون دخول قريش وغيرها من الجهة التي يسكنها اليهود، ولهذا لما خانوا هذا العهد واتفقوا مع قريش على مساعدتهم وباقي الأحزاب لدخول المدينة حارب النبي يهود بني قريظة – زعماء المؤامرة.
ب. أما المواطنون من نصارى العرب فقد تراضوا على دفع الجزية حتى لا يقاتلوا أهل ملتهم من النصارى، فعقد نصارى نجران صلحًا يلزمهم بدفع الجزية، والتزم اليهود والنصارى من البحرين بدفع الجزية وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.
ج - في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رفض نصارى تغلب دفع الجزية لأنها كانت تدفع للرومان قهرًا وإذلالًا، وطلبوا أن يدفعوا الزكاة مثل المسلمين، فوافق الخليفة على ذلك طالما قبلوا ذلك لأن الزكاة تزيد في مقدارها على الجزية، واشترط الخليفة أن يكون لديهم أموال تجب الجزية، وأن تطبق عليهم شروط النصاب في أن يعفى من الزكاة من كانت أموالهم دون نصاب الزكاة.
ثالثًا: أنه عندما ينقل أحد من المسلمين الحقائق التاريخية عن الجزية لا ينبغي على دعاة المتاجرة بالخلافات أن يتهموه بموالاة اليهود والنصارى.
فهذه الحقائق قال بها غير المسلمين أمثال توماس أرنولد في كتابه: «الدعوة إلى الإسلام» ص 58 و78، وجوستاف لوبون، وجوستاف جرنباوم، وجورجي زيدان، وغيرهم، حيث كتبوا أن الجزية نظام معمول به قبل الإسلام كان عند اليونان والرومان الذين فرضوا الجزية على الشعوب التي هُزمت أمامهم، بل إن الفرس قد وضعوا الجزية على رعايا دولتهم.
هذه الجزية كانت فوق الطاقة المفروضة عليهم، وكانوا لا يتمتعون بأي حقوق مقابل دفعهم الجزية، وعندما أخذ الإسلام نظام الجزية عن هؤلاء ألغى المظالم التي اقترنت بها، وأهم ذلك هو:
1 - جعل الجزية على الأفراد المقاتلين لا على المدينة جملة، لهذا أعفى منها غير المحاربين ورجال الدين والنساء والعميان والصبيان والمجانين والمعتوهين والعاجزين من المرضى وكبار السن.
2 – خفض قيمتها، فقد جاء الإسلام للهداية وليس للجباية، ففي الحديث الذي رواه معاذ فرض النبي صلى الله عليه وسلم على أهل اليمن دينارًا على كل حالم، أي بالغ (سنن أبي داود 3/453).
3 - فضلًا عن أنها بدل عن تجنيدهم في الحرب مع المسلمين، ففي الحديث النبوي: «يكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين (1).
لهذا تمتعوا بالكفالة الاجتماعية كالمسلمين، والقرار الذي أصدره الخليفة الأول أبو بكر وأكده الخليفة الثاني عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما– ما نصه: «أيما رجل من أهل الكتاب ضعف عن العمل وأصابته آفة من الآفات أو كان غنيًا فافتقر تصرح جزيته، ويعال هو ومن يعولهم من بيت مال المسلمين» (2).
4 - يجوز أن يتراضى غير المسلمين على أن يدفعوا الضريبة أو الزكاة لأنهم يأنفون من اسم الجزية، فهذا ما تراضى عليه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب مع نصارى بني تغلب.
5 – يجوز أن يقاتل غير المسلمين مع المسلمين وتسقط عنهم الجزية، ومن الأمثلة على ذلك:
أ – كتب الخليفة الثاني إلى كل من أهل أذربيجان وأهل أرمينيا وأهل داغستان وأهل جورجيا أن تسقط الجزية على من حارب مع المسلمين وكل من استجاب للدفاع مع المسلمين (3).
ب – رد خالد بن الوليد الجزية إلى أهل الحيرة عندما دخلها الرومان، وجاء في كتابه إليهم: «إنما رددنا لكم الأموال لأنه قد بلغنا ما جمعه الروم من الجموع، وإنا لا نقدر على حمايتكم» (الطبري 14/16، والخراج لأبي يوسف ص 139).
ج – أسقط أبو عبيدة بن الجراح الجزية عن أهل فلسطين عندما قاتلوا مع المسلمين (فتوح البلدان للبلاذري، ج 1، ص 217).
د - أصدرت الخلافة الإسلامية العثمانية قرارًا في 19/1/1869م بالمساواة بين المسلمين وغير المسلمين في الجنسية، وترتب على هذا إلزامهم بالتجنيد في الجيش وإسقاط الجزية عنهم.
تطبيق الشريعة على غير المسلمين
إن ضعف العرب المسلمين كان سببًا في التساؤل عن مدى قبول نصارى العرب تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية عليهم.
فالغربيون في أوروبا وأمريكا يطبقون قوانينهم على غير المسلمين الأمريكان والأوروبيين، ليس فقط في المسائل المدنية والجنائية، بل يلزمونهم في الأحوال الشخصية بقوانين متعارضة مع الإسلام، على الرغم من أن القوانين الدولية تقضي باستثناء مسائل الأحوال الشخصية من قاعدة إقليمية القوانين.
إن قاعدة إقليمية القانون التي توصل إليها الأوروبيون في القرن العشرين توجب تطبيق قانون الإقليم على جميع سكانه بغير استثناء.
هذه القاعدة التي توصل إليها الأوروبيون في القرن العشرين تضمنتها وثيقة المدينة التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم لتنظيم العلاقة في القرن السابع الميلادي بين جميع المواطنين.
لقد نص البند 56 من هذه الصحيفة على أنه «ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله».
أي أن القانون الواجب التطبيق هو الشريعة الإسلامية وهو قانون المسلمين الذين يمثلون الأغلبية.
هذا الذي ارتضاه أهل الكتاب، وهو خضوعهم لأحكام الشريعة الإسلامية طالما كانوا يقيمون في البلاد الإسلامية، جعل البعض يثير التساؤل عن مدى رضا هؤلاء بالحدود الشرعية.
إنه لا يوجد سبب لهذا التساؤل، فقاعدة إقليمية القانون التي يحترمها الجميع توجب التزام غير المسلمين في البلاد العربية والإسلامية بالحدود والعقوبات حسب الشريعة الإسلامية، خصوصًا أنه لا يوجد في ديانتهم أحكام في العقوبات أو غيرها تتعارض مع ما ورد في الشريعة الإسلامية.
لهذا عندما أثير في مجلس الشعب بمصر موضوع تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وكان في فبراير 1977م، قال ممثل الأقباط الأرثوذوكس الأنبا غريغوريوس: إن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية أمر لا اعتراض عليه من النصارى ولاشك فيه.
وقال ممثل الأقباط الكاثوليك الكاردينال أصطفانيوس: إن تطبيق الحدود الواردة في الشريعة الإسلامية ضروري للشخص وللمجتمع، وذلك حتى تستقيم الأمور، وينصلح الناس، كما أنه ليس في التطبيق ما يمس حقوق المسيحيين.
إن ما يقوله بعض زعماء النصارى من أن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية لا يمسح حقوقهم، لا يمكن أن ينقضه ما قد يتقوله غيرهم من أن تطبيق أحكام الشريعة على غير المسلمين فيه مساس بدينهم.
فلا يستطيع هؤلاء أن يذكروا نصًا واحدًا في التوراة أو الإنجيل فيه عقوبة تخالف ما أورد في الشريعة الإسلامية.
ومع هذا فإذا تراضى غير المسلمين أن تكون لهم قوانين خاصة بهم ومحاكم لهم يحتكمون إليها فيما بينهم من معاملات، فالإسلام لا يحظر ذلك ما دام لا يمس غيرهم، قال الله تعالى ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ﴾ (المائدة: 47)، فالإنجيل يحرم القتل والزنى والسرقة، ففيه: «لا تقتل، لا تزني، لا تسرق» (إنجيل متى 19/16).
وعن الحكم بينهم قال الله تعالى:﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: 42 – 43).
الهوامش
نقل هذا علاء الدين الكاساني في كتابخ «بدائع الصنائع» ج 7، ص 100، ولكن هذا الحديث غير موجود في كتب الأحاديث المعروفة، وقد صح نسبة هذا إلى الإمام علي ابن أبي طالب، سنن الدارقطني، ج 2، ص 350، وشرح السير الكبير للسرخسي ج 3- ص 350.
الخراج لأبي يوسف، ص 126، ونصب الراية للزيلعي ج 3/453.
تاريخ الطبري، ج 5، ص 250 – 256.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل