; أوراق عن الثورات العربية والتغيير.. نحو إقليم خليجي مستقر وناهض ونام | مجلة المجتمع

العنوان أوراق عن الثورات العربية والتغيير.. نحو إقليم خليجي مستقر وناهض ونام

الكاتب ا. محمد سالم الراشد

تاريخ النشر السبت 12-مارس-2011

مشاهدات 69

نشر في العدد 1943

نشر في الصفحة 12

السبت 12-مارس-2011

  • كيف يمكن للسلطة وقوى المجتمع المدني التحرك نحو مجتمع خليجي ناهض ومستقر؟
  • من مظاهر الخلل: نمو السلطة الحاكمة على حساب المجتمع المدني وتراجع فكرة تنظيم الحقوق والواجبات في إطار دستوري.
  • خطوات التغيير منها:

- دعم الثقة بالنفس «سلطة ومجتمعًا»، بأن التغيير المنشود هو للأفضل وللاستقرار

- نزع أي غطاء طائفي أو فئوي أو حزبي من هذه المطالبات وترجيح مصلحة الوطن

تهب حاليًا رياح التغيير في الثورات العربية «تونس، مصر، ليبيا، اليمن» على إقليم الخليج العربي هادرة ومتوثبة، فمنذ أسابيع تعيش مملكة البحرين حالة الاحتجاجات وردات الفعل من كتلتين أساسيتين في المجتمع البحريني «السنة والشيعة»، الأولى عبر عنها «ما سمي بتكتل القوى الوطنية»، والأخرى «٧ جمعيات أكبرها كتلة الوفاق الشيعية»، وهذا الحراك المدني السلمي في البحرين يشكل ضاغطًا مهمًا على السلطة السياسية لإحداث تغيير نحو إصلاحات سياسية واقتصادية، ولا يخلو من تطرف في بعض توجهاته في الطرف الشيعي، مطالبًا بإسقاط النظام الملكي.

 كما أن هناك مجموعة من الاحتجاجات والمظاهرات، والمسيرات في «صحار وبعض المدن العُمانية»، رافقها استجابة من الحكومة العمانية لخلق وظائف جديدة، ومعالجة للبطالة، مع تعديلات وزارية، وخطط لاستقلالية جهاز الادعاء العام، ومراجعة لصلاحيات مجلس الشورى.

وكذلك، فإنه تبادلت رسائل متعددة على «الفيسبوك» للتظاهر يومي ۱۱ و۲۰ مارس في المملكة العربية السعودية، حيث استجاب لها ما يقارب ١٧ ألف شخص، في حين أن آلافًا من السعوديين وقعوا على مطالب الإصلاح السياسي، التي تدعو إلى مجلس منتخب رقابي وتشريعي، وحزمة من الإصلاحات السياسية الأخرى.

وفي الكويت، قامت مجاميع متعددة من الشباب بالتظاهر يوم ٨ مارس، مطالبين رئيس وزراء الكويت بالرحيل.

إن هذه التحركات المدنية الشعبية في المنطقة تأتي في سياق الحالة العامة المضطربة في الوطن العربي، الذي يعاني من اختلال في العلاقات بين نظام الحكم والمجتمع؛ مما أدى إلى تراكمات من التراجعات السياسية والاقتصادية والمعيشية، واستلاب الحقوق، والتمكين للمصالح الأجنبية والإقليمية على حساب مصالح الأمة العربية.

وفي منطقة الخليج، حيث إن المجتمع يعاني من بطء استجابة النظام السياسي الخليجي لمتغيرات الحالة المدنية العالمية سياسيًا وتنمويًا واقتصاديًا، فقد أدت سنوات من التأخر الإصلاحي إلى:

  • تفكك الرؤية المدنية للمجتمع في الدولة، بحيث تمددت سلطة الحكم على حساب المجتمع المدني، وتراجعت فكرة تنظيم الحقوق والواجبات في إطار دستوري، أو ممارسته بشكل متقدم أوجد خللًا في استبداد السياسة الرسمية على الرؤية المدنية للشعب.
  • تنامي الثروات وتراجع الدولة والمجتمع، ومع وفرة الإيرادات المالية من النفط وتوظيف هذه الأموال إما في الخارج وتنميتها، أو في مشاريع غير منتجة في بعض الدول على أساس خطط تنموية غير ناجحة وناجعة في علاج الاختلالات الاقتصادية، فقد أصبح عائد الناتج السنوي يصب في مصلحة طبقة محددة على حساب التنمية الحضارية للمجتمع، لذا فإن بناء الدولة ككيان حضاري مدني والمجتمع كقوة داعمة لها، قد تراجعت لصالح الطبقة الخاصة أو المصالح الخاصة داخليًا وخارجيًا.
  • كما أن العلاقات والترتيبات الإقليمية والدولية خصوصًا ما يتعلق بالسياسات الأمنية والسياسات النفطية أدت إلى الاتكاء التام على العامل الأجنبي على حساب إضعاف المجتمع المدني؛ مما أوجد نزوعًا إلى إهمال العامل الداخلي لحفظ الدولة، وهو ما يعني «عدم وجود مجتمع قوي قادر على مساندة الحكم»، إلى تفاهمات ومصالح مع «قوى أجنبية كالولايات المتحدة والعالم الغربي».

وقد أوجد ذلك علاقة حاضرة مترددة التواصل والانسجام سببت ضعفًا في الثقة بين الحاكم والشعوب، عزز في عدم قدرة الطرفين على الحفاظ على النهوض بالمجتمع والحفاظ على الكينونة الخاصة بالدولة كمؤسسة. 

ولذا، فإن الصراع الإقليمي والدولي بين الولايات المتحدة وإيران، والخشية من أي حرب محتملة أو حتى الخوف من ثورات التغيير في العالم العربي، كل ذلك شكل محركًا للمجتمع المدني، وتخزينًا حاضرًا للقلق على مستقبل المجتمع والدولة، لذا بدأ هذا المجتمع المدني الاستجابة لثورات التغيير في العالم العربي.

محصنات المجتمع الخليجي

وفي المقابل، فإن المجتمع الخليجي لديه من المحصنات من رياح التغيير العاتية أو الاحتراب، أو الحروب، للأسباب التالية:

أولها: ثبات الهوية الدينية: فالمجتمع الخليجي بسلطته السياسية ومجتمعه المدني متدين ومسلم، تحكمه علاقات التشريع السامي للدين، وهذه الهوية موغلة في القدم، ومتعالية على التصدع، وبطبيعته فالشعب الخليجي يستظل بهويته الدينية ويجعلها حاكما له في كل تغيير، وبالطبع منها القواعد الشرعية بين الحاكم والمحكوم.

ثانيها: حالة التوافق: فمنذ أكثر من ثلاثة قرون تم التوافق والتراضي على أن النظام الملكي للعائلات الحاكمة الكريمة في دول الخليج، هو الخيار الأنسب لقيام حكم رشيد ومستقر في هذه المنطقة، وهي حالة من الثقة تناوبتها حالة من الضعف والقوة على حسب اقتراب الحاكم من الشعب وقدرته على الإصلاح والتغيير.

ثالثها: الشروع نحو السلم الاجتماعي: يظل الشعب الخليجي شعبا مسالمًا في تحركه، لا تحركه أغراض التغيير الشاملة، ولا استخدام العنف، وإنما يعبر عن ذاته بالحوار والمسيرات السلمية، والخطابات والمطالبات الإصلاحية، وعادة ما يستظل الناس بلحاف العقل، ومآلات الأمور ونتائجها، ولا يخلو ذلك من تطرف يمكن تطويقه أيضًا بالمعالجة السليمة.

إنه من المهم أن نعرف أن الوقت والزمان قد تغيّر، فالشورى التي كان الحاكم يستجلبها من عقلاء القوم في جلسة هادئة في مجلس قهوة عائلي قد انتهت، فاليوم تطور ذلك إلى أشكال من البناء المؤسسي، وذلك لضرورات الزمان والمكان، وتعدد المهام والقضايا، لذا فإنه من المهم أن تنعدم المخاوف من التغيير، وأن يتسلح الساسة والمجتمع بالشجاعة والثقة المتبادلة.

فما خطوات التغيير؟

أولًا: دعم الثقة بالنفس «سلطة ومجتمعًا» بأن التغيير المنشود هو للأفضل وللاستقرار، وإن حالة الحراك المدني المتراكمة في تعبيرها بالمظاهرات السلمية أو المطالبات الإصلاحية، إنما يجب أن تجسد الولاء للدولة الحضارية، وأن التغيير سيكون في الآليات والمنهج لا الأغراض أخرى. 

ثانيًا: نزع أي غطاء طائفي أو فئوي أو حزبي من هذه المطالبات أو أجندات متطرفة، وترجيح مصلحة الوطن والمجتمع والدولة، وإذا كان ما يحدث في البحرين نموذجًا يشعرنا بحالة من الخوف من تغول الطائفة ودكتاتوريتها على منهج الإصلاح المطلوب، فإن الضمانة هي الاتفاق الشعبي على رؤية المصلحة الوطنية فوق كل المصالح الخاصة.

ثالثًا: الحل الأمني ليس حلًا وإنما معقدًا للحالة المدنية والسياسية، لذا فإن التفاهم السلمي والانسجام الوطني يؤكد حرمة الدماء أو الإضرار بالوطن، فالأمن خادم الأمة والشعب، ويجب على الشعب احترام مهمته وتقدير هيبته والتزام القانون في ذلك كله، وعلى السلطة أن تتعامل مع الشعب بالرحمة والحكمة والاتزان، وقدسية الدماء الطاهرة للشعب، وعدم تمكين لغة السلاح في مواجهة لغة السلام.

رابعًا: التوافق السلمي، وبالطريقة الحضارية على التغيير نحو مجتمع دستوري ناهض ونام، تحدد فيه الحقوق والواجبات، وتستنهض فيه السلطات والأمة لبناء مجتمع خليجي مستقر وقوي.

خامسًا: وقد تشكل المؤتمرات الجماهيرية وبحضور السلطة ورعايتها، آلية سلمية مشتركة، تقلل من مخاوف المسيرات السلمية وتقرب الآراء، وتقترح الحلول، وتستنهض الجهود المسار تغييري مدني على أن تنجز التعهدات وفق أجندة يتفاهم عليها الجميع، مضمونة بصدق السلطة وثقة الشعب.

إن خيار التفاهم بين الحاكم والشعب في دول الخليج العربية خيار مهم؛ لأننا بذلك نحرر أنفسنا من الهشاشة الاستراتيجية لمجتمعاتنا بسبب تراكم مساوئ التراجعات الإصلاحية، وتغول التركيبة السكانية الوافدة على حساب المواطنة، كما ولا تخطئ العين ذلك الاستلاب الأمنية والدفاعية على الخارجي لقدراتنا حساب استقرارنا الإقليمي، وتمكن للقوى الإقليمية والأجنبية من سيادتنا وقدراتنا.

إن وجود مجتمع مدني قوي يساند قوة السلطة، ويبرزها ثقة واستقرارًا هو الأمل والمستقبل لأوطاننا وأبنائنا، إنها معادلة التعايش التي يريدها الشعب الخليجي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل