العنوان نحو مشروع للنهضة في الوطن العربي (٢) محاور المشروع.. وعوامل النجاح
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 25-أغسطس-2001
مشاهدات 68
نشر في العدد 1465
نشر في الصفحة 38
السبت 25-أغسطس-2001
- مشروع النهضة ينبغي أن يثبت دعائم الشورى والديمقراطية في البيئة العربية.
- ومع الشورى والديمقراطية والوحدة لا بد من تنمية مستقلة متكاملة لبناء اقتصاد عربي قوي.
لن يختلف أحد حول أهم المحاور التي ينبغي أن يتضمنها أي مشروع للنهضة في الوطن العربي. قد يحدث جدل حول أيها يجب أن يقدم أو يؤخر، أو حول الأهمية النسبية لأحد هذه المحاور، وهذا الخلاف اليسير في مظهره مثل أحد الأسباب الرئيسة للأسف الشديد لعدم تعاون القوى السياسية والفكرية الفاعلة على الساحة العربية منذ بداية القرن الميلادي المنصرم، حتى في إطار الاتجاه الفكري والسياسي الواحد.
فقد جرى جدل عقيم حول قضايا من قبيل: هل نحقق الوحدة العربية ولو بالقوة أم نسعى إلى ازدهار وتقدم الدولة القطرية أولا، وما زالت تحضرنا مقولة الزعيم المصري سعد زغلول عندما أجاب عمن دعاه إلى العمل على وحدة العرب بقوله: وما الفائدة إذا جمعنا أصفارا؟ ستكون الحصيلة بالقطع صفرا كبيرا.
ومثله جدل آخر حول أيهمها أولى بالعناية والرعاية تحقيق الديمقراطية وتطويرها والحفاظ عليها أم التنمية الاقتصادية والعدل الاجتماعي بصورة أو بأخرى؟ وكانت النتيجة هي غياب كليهما معًا حتى بين الفصائل القومية نفسها الطامحة إلى تحقيق أهداف قومية، كان الخلاف شديدًا بين الاتجاه الناصري الذي تبنى شعارًا عربيًا قوميًا بترتيب جديد، وبين حزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان له قبل ذلك ترتيب آخر للشعارات «حرية - اشتراكية - وحدة».
الحقيقة أنه لا يختلف أحد حول أهمية تحقيق أحلام الأمة العربية في التقدم والازدهار وفي الحرية والديمقراطية وفي الوحدة والتكتل وفي الاستقلال الحقيقي، إلا أن التحدي الحقيقي هو في كيفية إنجاز هذه الأحلام على أرض الواقع والطريقة التي بها تقتنع كل الأطراف والقوى الفاعلة في الأمة بأهمية الالتقاء على كلمة سواء للخروج من المأزق العربي والاتفاق على الحد الأدنى من القضايا لكي ننجز مشروعًا تنفيذيًا ببرامج محددة لتحقيقها، ثم الانطلاق إلى ما بعدها وبعث الحمية والحماسة في أفراد الأمة العربية جميعًا أو على الأقل في الطاقات الحيوية مثل الشباب والنساء والقوى النقابية عمالية ومهنية، والطبقة الوسطى التي تمثل أهم رافعة لتحقيق الانطلاق والنهضة المرجوة.
تحديات العصر والاستجابة لها:
تمثل تحديات العصر وكيفية الاستجابة لها أهم محاور مشروع النهضة، فالعالم يشهد تحولات نوعية وكيفية كتلك التي لا تخطئها العين، التكتلات الكبرى والكيانات العظمي الشركات عابرة القارات ومتعددة الجنسيات صعود نجم شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، عولمة مخيفة للبعض حالمة عند البعض الآخر إلا أنها صارت واقعًا يحتاج للتعامل معه، تقنية عالية جدًا في الاتصالات أتاحت نموًا هائلًا للمعارف وإنتاجًا غزيرًا للمعرفة، لذلك جاءت محاور المشروع التي قد تبدو للبعض ترديدًا لشعارات قديمة إلا أنها في الحقيقة تمثل استجابة للتحديات المطروحة.
ففي عالم بات لا يعترف إلا بالكيانات العملاقة تمثل الوحدة العربية ضرورة بقاء للأمة العربية وليس مجرد حلم طوباوي أو أملًا قد يتحقق أو لا يتحقق، فضلًا عن أن النتائج التي ترتبت على تمزيق العرب إلى كيانات جزئية وإثارة النزاعات الحدودية الدامية فيما بينها كانت كارثة بكل المقاييس وجاءت التهديدات التي تحملها العولمة لبقاء الدولة القطرية وتقليص سيادتها إلى حد خطير، جاءت لتهدد ما تبقى من استقلال شكلي هزيل.
إلا أن تحقيق الوحدة العربية أصبح رهنًا بعدة عوامل منها ما يعد في عرف الاتجاه القومي صعبًا وعسيرًا مثل «احترام الدولة القطرية وتحقيق الوحدة الوطنية أولا كمدخل إلى الدولة القومية الموحدة»، وكذلك تعيين الطريق إلى الوحدة بعد التجارب الوحدوية الفاشلة وبعد الغزو العراقي المرير لبلد عربي شقيق هو الكويت بادعاء تحقيق وحدة القطر العراقي، خاصة بعد أن جاءت ورقة د. سعدون حمادي في الندوة التي عقدت في فاس، ورسمت مسارين لتحقيق الوحدة العربية، الأول من خلال الأنظمة وهو على ما يبدو طريق مسدود، والثاني مسار الثورة وبالتالي يفتح الطريق إلى القوة لتحقيق الوحدة وهو ما فعله العراق عند غزو الكويت، وقد اعترض كل المعقبين والمتداخلين والمحاورين على فرض الوحدة العربية بالقوة.
لذلك كان من الضروري أن يتضمن محور الوحدة في المشروع المقترح بنودًا من أهمها:
- ضرورة المصالحة مع الدولة القطرية.
- الطريق الديمقراطي هو السبيل إلى الوحدة العربية.
- البناء المؤسسي التدريجي لدولة الوحدة العربية.
- تبني أكثر من خيار لتحقيق الوحدة بين عدد محدود من الأقطار العربية «مجموعة نواة».
- خيار الكونفدرالية - خيار الاتحاد الفيدرالي.
- أهمية تفعيل دور الجامعة العربية ومؤسسات العمل العربي المشترك وتطويرها.
- العمل الشعبي والمؤسسات الشعبية الأهلية عبر القطرية مثل الاتحادات المهنية العربية والعمالية وغيرها.
التحول نحو الديمقراطية أما التحدي الثاني الذي يواجه أي نهضة عربية مرجوة فهو التحول نحو الديمقراطية، لقد أصبحت الديمقراطية «بما تحمله من معاني إطلاق الحريات العامة وحرية التعبير والتداول السلمي على السلطة... إلخ» ضرورة لبناء النهضة فضلا عن كونها شرط استمرار لأي نهضة حقيقية، حيث لا يمكن لشعوب مقهورة أن تنهض أو تحافظ على نهضتها أو تحقق الوحدة المنشودة بينها، إذًا هناك حاجة لأن يتضمن المشروع المقترح كيفية التغلب على المعوقات الداخلية والخارجية التي تمنع التحول الديمقراطي.
كما أن خصوصية الثقافة العربية الإسلامية تفرض تناول علاقة الديمقراطية بالشورى، كما جاء بها الإسلام والتي تسمح بالمشاركة الشعبية لعموم الناس وتلزم الحاكم وتحترم تعدد الآراء وتسمح بالحق في التنوع والاختلاف وتحترم إرادة الأمة في اختيار حكامها وكيفية عزلهم، هذه الشورى هي حالة راقية وصورة أكثر تقدمًا من صور الديمقراطية، فلسنا في حاجة إلى تبني خيار محدد «وستمنستر مثلا أو الفرنسي أو الأمريكي الرئاسي»، بل يمكن لنا في ظل تحقيق القواعد الكاملة، أن نتبنى خيارًا خاصًا ينسجم مع عقيدة وهوية الأمة العربية ويتناسب مع ثقافتنا ويسهل على الشعوب أن تهضمه وأن تتبناه، بل يمكننا هنا أن نضيف لبنة إلى البناء الديمقراطي العالمي من الناحية الفلسفية والمنهجية، بل وفي وسائل العمل كذلك.
إن أي مشروع للنهضة ينبغي أن يحقق تثبيت دعائم الشورى والديمقراطية في البيئة العربية - بدءًا من التنشئة والتربية لتعزيز قيم المواطنة والمساواة وتكافؤ الفرص، مرورًا بتوفير الحريات العامة مثل حرية الرأي والتعبير والتنظيم وكذلك احترام التعددية في الفكر والممارسة والحق في المشاركة السياسية في ظل نظام دستوري يعتمد التمثيل النيابي ويعمل بآلية التداول السلمي للسلطة، في ظل استقلال حقيقي للهيئة القضائية وفصل بين السلطات الثلاث، هذا كله مع الأخذ في الاعتبار أن بناء الشورى والديمقراطية عملية صعبة طويلة الأمد وبغير ذلك فإن الجهود المبذولة قد لا تثمر.
ويظن البعض أن تحقق انطلاقة ديمقراطية قبل إرساء أسس قوية ومتينة ثقافيًا وفكريًا وعبر ممارسات مستقرة شرطًا كافيًا لتحقيق نهضة عربية، إلا أن ذلك غير صحيح لأن الديمقراطية شرط ضروري ولكنه ليس شرط كفاية، فلاب د من العمل على بقية محاور مشروع النهضة، وستكفل آليات الديمقراطية ضبط المسار وتصحيح الأخطاء وحشد الطاقات والكفاءات، فضلًا عن أن الإرادة الشعبية المحترمة هي التي ستحسم الخيارات الحضارية للأمة وتقف في وجه المخططات المعادية، لذلك تصر أمريكا على دعم الديكتاتوريات، ويظل العدو الصهيوني يتشدق بأنه وحده واحدة للديمقراطية وهو يعلم أن تطبيق الديمقراطية سوف يأتي إلى الحكم بأكثر القوى معاداة للمشروع الصهيوني.
التنمية:
مع الشورى والديمقراطية والوحدة لا بد من تنمية مستقلة متكاملة لبناء اقتصاد عربي قوي يحقق آمال الأمة في رخاء وازدهار يؤهلها للقيام بدورها الحضاري في العالم كله.
وهذه التنمية تتطلب اكتساب المعارف وبناء نظام تعليمي جديد ودعم البحث العلمي والتعليم المستمر والتطوير الثقافي.
كما أن التنمية تحتاج إلى حفز للادخار والاستثمار لبناء قدرة إنتاجية تنافسية لخلق فرص عمل للشباب والعاطلين عن طريق مزاوجة بين قطاع خاص كفء، ومنضبط ومسؤول اجتماعيًا مع دولة قادرة ومبادرة وانفتاح متوازن على العالم.
وهنا لا بد من البحث عن دور النفط العربي ووسائل الطاقة في بناء تنمية مستقلة والاهتمام بالبيئة والآثار الخطيرة التي تترتب على التنمية غير المنضبطة بينيًا، ويستحسن دراسة التجارب التنموية في شرق وجنوب شرق أسيا خاصة الصين وماليزيا.
وحتى يكون للتنمية المستقلة عائد حقيقي على مشروع يحقق نهضة الأمة جميعا ولا تصب في صالح طبقة واحدة أو شريحة ضيقة من المجتمع فلا بد من العمل على إنجاز واقعي يحقق أكبر قدر من العدالة الاجتماعية.
وفى هذا المجال المهم، الذي كان لليسار الصوت العالي المدوي في تبينه، لا بد أن يتصالح التيار القومي مع أركان ومعالم الإسلام ومنجزات حضارته العظيمة على مدار القرون السالفة، حيث يمكن الاعتراف بأنه كان هناك فقر في بلادنا إلا أنه لم يكن هناك تمييز طبقي أو أن المحاولات انعدمت من أجل إيجاد علاج لمشكلة الفقر.
وهنا تبرز أهمية إعادة الاعتبار لركن مهم وخطير وأساسي من أركان الإسلام ألا وهو الزكاة، لا كفريضة فردية فقط، بل كمؤسسة تكافل اجتماعي تقوم الدولة برعايتها.
وهناك مؤسسة الوقف التي لم تكن فقط الرعاية المحتاجين بل أمدت المجتمعات الإسلامية بأسباب النهضة ودعمت مشاريعها في التعليم والعلاج والرعاية الاجتماعية وغيرها.
ليس المطلوب مساعدة الفقراء فقط بل العمل على القضاء على الأسباب التي تؤدي إلى إعادة إنتاج الفقر عن طريق بناء القدرات البشرية وتوفير مناخ يؤدي إلى خلق فرص عمل جديدة للفقراء.
ومن المهم الأخذ في الاعتبار البعد القومي للثروة العربية وتحقيق العدالة في توزيعها ليس عن طريق اقتسامها كما يحلو للبعض أن يزايد بل عن طريق توظيفها في المنطقة العربية لتنميتها وخلق فرص عمل جديدة وتحقيق تنمية مستقلة.
الاستقلال الوطني والقومي:
وإذا تحققت المحاور السابقة متضافرة ومتداخلة فإن الاستقلال الوطني والقومي يكون قريب المنال متحققًا في الواقع، وحينئذ ستقل التدخلات الخارجية في شؤون الأمة وسيكون الأمن الوطني والقومي مكفولًا كما الأمن المائي والغذائي، كما التماسك الوطني والقومي، وحينئذ وفي ظل بنية أساسية متوفرة يمكن تحقيق الأمن الثقافي في المجالين المدني والعسكري كما سيسهل بناء قدرة قتالية عربية في سياق بناء قدرة استراتيجية شاملة لا تقتصر فقط في مجال إنتاج السلاح، ولعل ذلك كله سيصب في صالح مواجهة المشروع الصهيوني المضاد لأي نهضة للأمة العربية كما سيكون بالإمكان مواجهة الهيمنة الأجنبية حيث ستتوفر إمكانات لبناء قدرات تفاوضية جيدة من موقع القدرة والقوة والوحدة لا على المستوى السياسي فقط، بل أيضا، وهو أهم على المستويين الاقتصادي والثقافي مع مؤسسات النظام العالمي الجديد والشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات الدولية، وإذا استطعنا أن نحقق نهضة شاملة في الأمة العربية فإنها ستتطلع إلى القيام بدور حضاري على مستوى العالم «سماه حسن البنا من قبل أستاذية العالم» وهذا يحتاج إلى رسالة للأمة العربية تريد نشرها كما للأمم الأخرى، فاليوم تواجهنا عولمة أمريكية برسالة عالمية تدور ظاهرًا حول الإنسان، وتزعم أنها تريد تحقيق أكبر قدر من الحرية له عن طريق حفظ حقوقه وتمكينه من إرساء الديمقراطية، إلا أن ذلك كله يخفي مطامع ومصالح تتحطم أمامها كل الشعارات البراقة، وليس هذا موضوعنا الآن لكن المهم أن تحديد هذه الرسالة يحتاج إلى ما يسميه المشروع التجدد الحضاري، لأنه من غير المعقول أن يتبنى مفكرون غربيون نظرية صدام الحضارات باعتبار وجود فعال للحضارة الإسلامية بينما نحن لم نستأنف إعادة بناء حضارتنا الإسلامية بعد، ولا يمكن بناء حضارة إسلامية حقيقية إلا على أساس وحدة عربية ونهضة عربية، لأن العرب هم معدن الإسلام وحملة رسالته الحضارية قديمًا وحديثًا.
مصالحة:
لذلك كله كان لا بد من مصالح تاريخية بين التيار القومي والتيار الإسلامي ثم العمل على إحياء الثقافة العربية المشتركة، وإعادة الاعتبار إلى اللغة العربية مع الاهتمام بالحرف العربي الذي يكتب به قرابة ۳۰۰ مليون نفس من غير العرب.
وفي ظل تخوفات مشروعة من الانعزال والتقوقع لا بد من الاهتمام بأمرين: الأول: التنوع الثقافي داخل الأمة واعتباره مصدر ثراء وغنى وليس مصدر فرقة وشتات.
الثاني: الانفتاح على العالم بترجمة المعارف الأحدث على نطاق واسع والاستفادة بتجارب الآخرين.
وهذا سيحقق للأمة اعترافا ذكيا من الدوائر الحضارية الأخرى بل والإسهام في بناء حضارة عالمية إنسانية تحترم التنوع وتلتزم التعددية الحضارية وتحقق التفاعل بين الحضارات عن طريق حوار متكافئ لا صدام فيه، كل ذلك سيكون مشعل هداية للإنسان عموم الإنسان، وهذا ما يريده الإسلام.
إننا بحاجة إلى بناء نسق قيمي متوازن يحدد للمواطن العربي دوائر العمل المطلوبة منه على مستوى الفرد والجماعة الصغيرة والمجتمع والدولة والأمة ودولة الوحدة.
نحتاج كما يقول مالك بن نبي إلى مزج العناصر التي تكون الحضارة الإنسان والوقت والتراب لننطلق من نير البقاء في أسر التبعية والذيلية إلى أفق الحضارة والنهضة.
وهذا دور الطليعة الفاعلة - من أفراد ومفكرين وسياسيين وأدباء وجماعات مصالح وقوى سياسية واجتماعية - التي يقع عليها عبء استنهاض همم الأمة لتحقيق الإقلاع بمشروع النهضة.
نحتاج إلى علاقة طبيعية بين هذه القوى الفاعلة وبين نظم الحكم فإن لم تتبن مشروع النهضة - وهذا حلم ليته يتحقق ولو جزئيا - فلا تتخذ من الإجراءات ما يقوضه ويعطله. دعونا نفكر ونعمل وليس فقط نتأمل ونحلم.