العنوان نحو منطلقات إنسانية للتعامل مع المجتمع الغربي
الكاتب عزام التميمي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1996
مشاهدات 64
نشر في العدد 1182
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 02-يناير-1996
تحليل
بقلم:
يشعر المسلمون المقيمون في الغرب بوجود أزمة حقيقية في تعامل المسلمين مع المجتمع الغربي، ويمكن تحليل هذه الأزمة والإشكاليات الناجمة عنها على النحو التالي:
ظاهرة وجود جاليات مسلمة يسمح لها بالعيش في أمان في بلاد الغربيين ظاهرة غير مسبوقة في التاريخ الإنساني، فأوروبا لم تكن في السابق تتسامح مع وجود غير المسيحيين تواجد المسلمون قديمًا في إسبانيا وصقلية وبعض مناطق أوروبا الشرقية، إلا أنهم كانوا يتعرضون للإبادة أو ما يسمى اليوم في العرف السياسي -بالتطهير الديني أو العرقي.
- لأسباب طوعية «الهجرة من أجل العمل أو الدراسة إلخ» أو غير طوعية «اللجوء السياسي والبحث عن الأمن» صارت هذه الجاليات من المجتمعات الغربية، واكتسب أبناؤها حق المواطنة فيها -هناك عقبات حقيقية تعترض تعايش كثير من المسلمين مع غيرهم في المجتمعات الغربية بعض هذه العقبات ليست من صنع المسلمين. ولكن البعض وفي تصوري هو الأخطر والأصعب ناجم عن تصورات وسلوكيات موجودة لدى المسلمين.
يسعى البعض خاطئا إلى التغلب على هذه العقبات بالذوبان في الثقافة الغربية والتخلي عن الهوية الإسلامية جزئيًا أو بشكل كامل.
-ويصر البعض الآخر على تجاهل العقبات مبادرًا إياها بالانعزال والانطواء داخل شرانق يخشى أن تنمو في بعض المدن إلى ما يشبه الغيتوات اليهودية في القرون الماضية.
أدى التباين في التعامل مع هذه الأزمة إلى خلق فصام بين الأجيال.
فهناك جيل الآباء والأجداد، حيث الارتباط العاطفي والثقافي بالموطن الأصلي، وحيث التمسك بنفس الأعراف والتقاليد سواء انسجمت مع الوضع الجديد أم لم تنسجم، وهناك جيل الأبناء والأحفاد الذي لا تربطه بالموطن عاطفة، ولا يقيم وزنًا لكثير من العادات والأعراف التي يراها مصادمة للواقع أو مخالفة للمنطق أو معيقة لتطوره ورقيه داخل المجتمع الذي ولد أو نشأ فيه.
مثال: مشكلة الفتيات، والظلم الذي يقع عليهن من تعرضهن داخل الجالية الآسيوية لأسوأ أنواع الاضطهاد، مثل الحجر عليهن ومنعهن من التعليم، وفرض الأزواج عليهن ومعاقبتهن إن خالفن الأمر باستخدام وسائل طرد الشياطين، كما عرض برنامج 2 BBCمساء يوم الخميس ١٩٩٥/١٢/٢١م.
لا شك أن عقبات التعايش وإشكاليات التعامل ينبع بعضها من المجتمع الغربي نفسه، إلا أن بعضها منشؤه العقلية المسلمة المتأثرة بكم من المفاهيم التي شكلت بفعل ثقافة نشأت لغير هذه البيئة وفي ظروف تختلف عن ظروف المعيشة في أوروبا، ويتحمل الفكر الحركي جزءًا من المسئولية في ذلك لأن أدبيات الحركات الإسلامية بشكل عام إنما صنفت لتعالج إشكاليات موجودة في مواطن المسلمين، حيث يشكلون الأغلبية الساحقة من السكان، وظني أن منظري الحركات الإسلامية، الذين لا تزال كتبهم وآراؤهم تعتمد مناهج للتربية والإعداد في كل البيئات وكل الظروف بلا تمييز لو علم أن ذلك حادث لاستاءوا منه واستنكروه، لأنهم إنما كانوا يخاطبون جمهورًا محليًا عرفوه وخبروا ظروفه، ويدخل في هذا النطاق كثير مما كتب عن الغرب، وهي كتابات تصف دور الغربيين الاستعماري والتآمري، بدافع إيقاظ الأمة من سباتها وكشف الخونة من أبنائها الذين ارتضوا أن يكونوا مطية يحقق المستعمرون من خلالهم مصالحهم الحيوية في بلاد المسلمين، فنحن المسلمين المغتربين بحاجة إلى فكر جديد، بل إلى فقه مبدع يأخذ بعين الاعتبار الظروف المستجدة وما الفقه إلا مرآة عاكسة لظروف الزمان والمكان لتحقيق أكبر قدر من المصالح ودرء ما يقابلها من المفاسد.
إن للمسلمين في بلاد الغرب اليوم مصالح حيوية من أهمها:
أولًا تحقيق مكاسب جماعية للجاليات العربية والمسلمة التي اختارت الاستقرار في الغرب فلا تزال هذه الجاليات تواجه مشاكل عديدة، لا تقتصر على التعليم والأحوال الشخصية، بل تتجاوز ذلك إلى الآثار الناجمة عن العنصرية وتدهور مستويات الأخلاق داخل المجتمعات الغربية، وبعض الحلول لهذه المشاكل غير ممكنة دون التفاعل مع مؤسسات الدول والمجتمع، والتأثير على صناع القرار، أو حتى المشاركة في صناعة القرار.
. ثانيًا: نشر الدعوة الإسلامية وتقديم تنامي الإسلام بصورة تستوعبها الأفهام الغربية.
ثالثًا: التخذيل عن المسلمين في بلادهم، وتخفيف الضرر الذي يلحق بهم بسبب السياسات الاستعمارية للحكومات الغربية، وذلك بتحييد أكبر عدد ممكن من الغربيين وحملهم على التأثير على صناع القرار في بلدانهم.
ومع أن المسلمين متأخرون في اقتناص الفرصة، إلا أنهم اليوم أمام تحديات كبيرة تفرض عليهم المسارعة إلى تنشيط أدوارهم.
أما التحدي الأول فهو تنامي التيار المعادي لما يسمى بالأصولية الإسلامية في أوساط السياسيين والإعلاميين بعد أن انتهت الحرب الباردة، وهذا التيار تدعمه الحكومات الغربية والكيان الصهيوني والمنظمات اليهودية المتصهينة.
والتحدي الثاني: مصدره مجتمع الغربيين الذي لا يعرف إلا النزر القليل عن الإسلام، وما يعرفه في معظم الحالات يثير الريبة والخوف في النفوس من كل ما يمت للإسلام بصلة.
والتحدي الثالث: هو تنامي التيارات العنصرية التي تغذيها الأزمة الاقتصادية فتزيدها حقدًا على كل وافد أو ملون، وهذه التيارات ليست في حقيقتها تيارات عقائدية -كالنازية أو الفاشستية- وإنما هي إجرامية تتغلف بدعاوى أيديولوجية هي رد فعل على التدهور وقد فصل في ذلك إيرنست غيلنر حينما تكلم عن حتمية سقوط المجتمع الليبرالي وعن نظرية الذئاب والكلاب والتحدي الرابع هو بروز جماعات إسلامية منحرفة في فكرها متطرفة في أساليبها ووسائلها تشوه صورة الإسلام وتسيء إلى الجالية المسلمة، وهذه الجماعات مسئولة في كثير من الأحيان عن إقدام بعض الحكومات الغربية على تبني أو تعديل القوانين للتضييق على المسلمين بحجة مكافحة الإرهاب والتطرف وأخطر ما في هذا التحدي هو اعتقاد منتسبي مثل هذه الجماعات أن التسامح والحرية العقائدية تتنافى مع الإسلام، وهم في ذلك لا يقلون سوءًا وخطرًا على الإنسانية عن بعض زعماء الصرب الشوفينيين الذين أباحوا لأنفسهم إبادة مئات الآلاف من المسلمين بعد استباحة أموالهم وأعراضهم وأرواحهم. وفي مواجهة هذه التحديات يحتاج المسلمون إلى منطلقات فكرية قادرة على تكوين أرضية مشتركة يمكن أن يقفوا عليها هم وأهل هذه البلاد، إنها منطلقات إنسانية فطرية تميل إلى الخير وتؤيده وتنفر من الشر وتستنكره تقوم على العدل وتعشق الحرية، وجدت في كل الحضارات، وأصبحت بالتراكم إرثًا إنسانيًا عامًا. وفي الثقافة الإسلامية اكتسبت هذه المنطلقات وضعًا خاصًا حين أكدها وهذبها الوحي الذي كرم الإنسان ووضع ضوابط تحول دون الظلم والاستبداد، وأسس قيمة تحكم العلاقات بين الأفراد والمجتمعات على أساس قاعدة «ولقد كرمنا بني آدم»، «إن أكرمكم عند الله أتقاكم» و«لا يجرمنكم شنآن قوم على الا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى». وغير ذلك من المبادئ السامية.
فرسالة الإسلام كانت سباقة في:
دعوتها لتحرير الإنسان من العبودية لغير الله
وفي نضالها لإطاحة الطواغيت والأصنام وكل رمز من رموز المؤسسة الدينية الفاسدة المضللة للجماهير. وفي خطابها الإنساني الداعي إلى إعمالً العقل بدل الإمعان في التقليد الأعمى للآباء والأجداد.
إن إحدى مشاكل المسلمين في بلاد الغرب أنه لا توجد لدى كثير منهم ثقافة كافية تؤهلهم لفهم الحضارة الغربية وبالتالي للتعامل مع معطياتها، فغالبية المسلمين أتت إلى هذا البلد مهاجرة من قرى نائية في بلادهم تبحث عن الرزق دون إلمام حتى بالحد الأدنى من العلم الشرعي، ودون خبرة أو مهارة في فن الحوار والجدال، ناهيك عن ضعف لغتها الإنجليزية كل هذه العوامل بالإضافة إلى الإحساس بالتناقض مع أعراف المجتمع الذي وفدت إليه، أدت إلى توليد حالة من الإقصاء ساهم في زيادة حدتها نظرة الاستعلاء والتجاهل وعدم الثقة التي يرمقهم بها أهل البلاد الأصليون، وهذا بالتالي سيؤدي إلى الاعتقاد بأن قيم الحضارة الغربية نتاج النهضة والإصلاح، بمجملها خصم لهم.
وأنى لمن هو في موقع هؤلاء أن يدرك المكاسب الإنسانية الرائعة للنهضة، والتي رأسها تدجين الديانة المسيحية، بمعنى تلطيفه وتخليص المجتمع من سيطرة المؤسسة الكهنوتية المستبدة والظالمة، وتوسيع آفاق الفكر الديني نحو مزيد من التسامح والقابلية للتعايش مع الغير أى أن النهضة في جذورها نابعة من الفكر الديني الذي يقوم على أساس أن البشر خلقوا أحرارًا ومتساوين مكرمين ومسئولين في نفس الوقت. وبالإضافة إلى أن النهضة والعلمنة بشكل خاص خرجت من رحم المسيحية -«اعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله» فإن القيم الإنسانية السائدة في الغرب اليوم هي في الحقيقة نتاج تطور حصل عبر عصور متتالية استلهم خلاله منظرو الغرب تجارب الحضارات السابقة بما فيها الإسلامية، وذلك أن الأوروبيين أثناء. وخلال الحروب الصليبية وعبر احتكاكهم بالمسلمين بشكل عام تأثروا بما رأوا وسمعوا وقرأوا، فكان لذلك مساهمته الكبيرة في بعث النهضة الأوروبية التي خلصت الأوروبيين من الإقطاع ومن تحكم الكنيسة واستبداد الملوك. لقد أفرزت النهضة فكرًا وثورات رفعت شعارات تحرير الإنسان وتحقيق المساواة وإقامة العدل. واعتبار الشعب مصدرًا للسيادة بدلًا من الملك أو الكنيسة، واستبدال الفردية بالتعددية، وفصل السلطات منعًا للاستبداد، وإطلاق حرية التعبير.هذه المفاهيم هي التي تجعل المسلمين انطلاقًا من عقيدتهم والغربيين انطلاقًا من مسيحيتهم أو علمانيتهم يجمعون على المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، وعلى مبدأ أن الأمة هي مصدر المرجعية. في قضايا الحكم والسياسة بالرغم من اختلاف الأصول والمنابع وهذه المفاهيم هي التي تجعل للمسلمين دورًا مهمًا في إعادة تقييم النهضة الأوروبية، أو بمعنى آخر نقدها، وهي القضية التي باتت تشغل بال قطاع مهم من المفكرين الغربيين، وينبغي ألا يكون هم المسلمين تقويض إنجازات النهضة، وإنما الحفاظ على إيجابياتها وتطويرها واستثمارها وتقليص سلبياتها وتقديم بدائل عملية ومقنعة، ويوشك الإسلام أن يكون الوحيد القادر على مثل هذا العمل الجبار في زمن بدأ الغربيون فيه ينحرفون بنهضتهم عن إنجازاتها العملاقة وفي سبيل تحقيق ذلك فإننا بحاجة إلى أن:
أولًا: البحث عن التأكيد على المنطلقات الإنسانية التي تجمع المسلمين والغربيين في قارب نجاة واحد وصولًا إلى بر الأمان.
ثانيا: زيادة الوعي لدى المسلمين، وإنشاء خطاب يناسب البيئة الأوروبية يدعم الحوار والمشاركة الإيجابية، وإعادة النظر في كثير من الأدبيات التي كتبت لمرحلة معينة أو ظرف محدد. فليس من مصلحة من يستقر في هذا البلد ويصبح جزءًا من مجتمعه أن يناصبه العداء. وما يوجد لدى مسلمي الغرب من تحفظات على سياسات غربية معينة، فلا أفضل من التعامل معها عبر القنوات السياسية المحلية، تمامًا كما تفعل المعارضة في أية دولة ديمقراطية، ولا يكون ذلك بالتنازل عن المبادئ أو عن الحقوق أو بالجبن عن الدفاع عن قضايا المسلمين العادلة في بقاع الأرض المختلفة.
ثالثًا: توطيد العلاقات مع النخب الغربية المنفتحة من كتاب وصحفيين وأكاديميين وسياسيين، وفتح حوارات مستمرة لترسيخ مفهوم الأرضية المشتركة، وهناك أعداد متزايدة من هؤلاء تكشف كتاباتهم عن صدق نواياهم، وقد قطعت بعض المنظمات والهيئات الإسلامية شوطا جيدًا في الالتقاء معهم في ندوات حوار ومؤتمرات وورشات عمل لا شك أن لها تأثيرها على الرأي العام ولها دورها في تعديل كثير من المفاهيم والقناعات التي جانبت الصواب.
رابعًا: إعداد خطة عملية لدخول المؤسسات الديمقراطية على مستوى الديمقراطية على مستوى البرلمان والبلديات والنقابات ولتفعيل الدور السياسي للمسلمين في البلاد.
خامسًا: إعداد خطة بالتعاون مع المؤسسات الإسلامية الأخرى، لمكافحة الفكر المنحرف -تفنيدا له وتبرؤًا منه- فهذا الفكر عقبة كؤود في طريق تحسين أوضاع المسلمين في الغرب، ولا يقل أصحابه شيطانية عن أعضاء الجماعات الفاشستية والسوفيتية، بل ليس من المبالغة القول بأن الغربيين أقرب إلى المسلمين من هؤلاء الغلاة والحمقى.