العنوان نحيا اليوم عصر الأزمة
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 31-ديسمبر-1985
مشاهدات 54
نشر في العدد 748
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 31-ديسمبر-1985
إننا نحيا اليوم عصر الأزمة أزمة المجتمعات الاستهلاكية المتغربة. فحالة الاختناق التي يشعر بها الفرد داخل هذه المجتمعات، ليست مجرد قلق كما يقولون أو عجز أمام طوفان السلع المادية، بل إن الاختناق ناشئ من الجدب الخلقي والنفسي الذي نشأ من خلال ملابسات سياسية وثقافية عديدة حاصرت ولا تزال تحاصر المواطن العربي المسكين. حتى في ظروف الإشباع المادي، بقي إنسان هذا العصر وهذه المجتمعات هاربًا نحو كل أنواع الإدمان، لأن كل مواصفات مجتمع الاستهلاك المتغرب لم تنقذه ولم تخصب جدبه المادي والمعنوي. من هنا زادت المرارة، وطفح اليأس وافتقد إنسان هذه المجتمعات الثقة في كل ما حوله من مؤسسات سياسية وثقافية وإدارية. إنها الأزمة وعصر الأزمة.
التيارات المتفاعلة اليوم مع هذه الأزمة في الوطن العربي أربعة هناك التيار الإسلامي والتيار الليبرالي والتيار القومي والتيار الماركسي. وهذه المجلة الأسبوعية «المجتمع» هي إحدى الوسائل الإعلامية التي يوظفها التيار الإسلامي لصالح الطرح الإسلامي. وأعتقد أن العمل السياسي الذي يريد إحداث تغييرات جذرية في النظام الاجتماعي والاقتصادي في مجتمعاتنا المهزومة اليوم، لا يمكن أن يحقق أغراضه إذا لم يوظف التراث كمادة لثورة ثقافية من جهة، ويقف من قوى الاستعمار والهيمنة وقوى الاستغلال المحلية التابعة للاستعمار موقف الرفض من جهة أخرى. لقد أثبتت التجارب في الوطن العربي الإسلامي، أن الليبرالية الغربية والماركسية الدوغمائية والقومية العلمانية والتراثية الحرفية، قد عجزت كلها عن إحداث ديناميكية حقة أو تغييرًا جذريًا جوهريًا في البنية العربية المعاصرة.
من واقع الالتزام بالتيار الإسلامي، وانطلاقًا من مقرراته العقائدية أقول بإن الغرب هو التحدي. ولا بد أن نأخذ موقفًا واضحًا من الغرب. أنا مسلم والغرب- بالنسبة لي- هو التحدي الأعظم، ليس فقط في الأرض والزراعة والصناعة والاقتصاد، لكن في الغزو الثقافي واللغوي والروحي والقيمي والمظهري. إن الغرب يريد أن يجعلني دائمًا متعلمًا لديه، وأن يوهمني أني مهما حاولت اللحاق به فمعدل إنتاجه أسرع بكثير من معدل لحاقي به وبالتالي تتسع الفجوة بيني وبين الغرب، فأصاب بالصدمة الحضارية، وأجري يائسًا وراءه حتى أموت. تلك هي نظرته أو نظريته هو الأستاذ ونحن التلاميذ.
التيار الإسلامي-كما أفهمه وأحسه- يريد أن يقلب هذه المعادلة. أن ينقل الحضارة الإسلامية الحديثة من مرحلة التتلمذ على الغرب إلى مرحلة الانفصال والتحدي، ثم الإبداع والاحتواء. فالمسلم اليوم أصبح لا يستطيع أن يتكلم عن الحرية إلا إذا كان ديكارتيا، ولا عن العدالة الاجتماعية إلا إذا كان ماركسيًا فأصبح الغرب هو «المعيار» و»الميزان» وهو أمر مؤسف للغاية ولا بد من أن يحصل عليه تغيير جذري. إن إلقاء نظرة على الساحة الفكرية للعالم الإسلامي، تبرز انتشار العديد من التيارات الغربية وذلك نظرًا لغياب وعينا الثقافي الأصولي. ومن ثم نشأ بيننا ممثلون للحضارة الغربية ووكلاء عن المذاهب الفلسفية الغربية وحين أردنا- بعد معارك الاستقلال السياسي- أن نحل مشاكلنا- ولم نجد البديل الإسلامي المتبلور نظريًا وحركيًا- لجأنا بالضرورة إلى الماركسية لحل قضية العدالة الاجتماعية، وإلى الليبرالية لحل قضايا القمع السياسي، ولكن هل وصلنا إلى نتيجة إلى الآن؟ لا أظن.
إن القضاء على التغريب إذن- في كل وجوهه ومظاهره اللغوية والتحليلية والتفكيرية بل وحتى المظهرية هو في الوقت نفسه حماية للمسلمين من الاستلاب الثقافي حتى الحجاب الذي ترتديه الفتاة المسلمة يمكن أن ننظر إليه- بالإضافة للزوميتة الشرعية- على أنه ضرب من ضروب التمرد والرفض لنموذج المرأة الغربية، من خلال الحجاب تقول الفتاة المسلمة- عمليًا- ذلك ينبغي أن نكتشف النظرية الإبداعية من داخلنا، ومن ذاتيتنا الثقافية، ومن جذورنا، لا أن نستوردها من الخارج كما نستورد التلفاز والسيارة ذلك هو التحدي المستقبلي والتراث- في معركة التحدي مع الغرب هذه- مخزون ثقافي وروحي عظيم الأهمية. لا بل إن التراث في هذه المعركة «ضرورة». إن تحديات الحاضر تتمثل في الفكاك من رابوع التخلف والاستغلال والاستبداد والتبعية، وقراءة مستنيرة ونقدية للتراث، وتوظيف موضوعي له في معركة التحدي مع الغرب كفيلان بأن يقويا جانبنا كثيرًا للفكاك من الرابوع المذكور.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل