العنوان نداء إلى المسلمين
الكاتب د. عبد العزيز عبدالله الحميدي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يونيو-1984
مشاهدات 102
نشر في العدد 677
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 26-يونيو-1984
الحمد لله الذي جعل عباده المؤمنين إخوة بعضهم من بعض يجود غنيهم على فقيرهم، ويتحملون جميعًا ما يجري على بعضهم من النكبات والكوارث حتى يعود المنكوب والمصاب سويًّا كأن لم يصب بأذى فأصبحوا بذلك الأمة المتراحمة ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ ﴾ (الفتح: ٢٩).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، سن لعباده شريعة عادلة رحيمة تضمن للمجتمع حياة سعيدة ولا ييأس فيها الفقير لفقره فيحرم من لوازم الحياة الضرورية.
وأشهد أن محمدًا رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- أقام للعالم مجتمعًا مثاليًّا يحتذى في نبل المشاعر وسمو المقاصد.
وبعد: فإن ما حل بالأمة الإسلامية من النكبات في هذا العصر يفوق الوصف، ومن أبرز ذلك ما يعانيه إخواننا في أفغانستان من تسليط قوى البغي والعدوان، وهم يعيشون الآن مرحلة حاسمة في تاريخ كفاحهم فأما الانتصار بإذن الله فتقوم للإسلام دولة قوية تحمي المسلمين من أعنف دول الكفر والضلال، وهذا من عوامل نجاح نصرة المسلمين لهم وإمدادهم بالمال الذي يفقده هؤلاء المجاهدون ويتوقف عليه استمرارهم في الجهاد وهو متيسر لكثير من المسلمين.
وأما الانهيار والارتماء في أحضان الدول الكافرة التي تساوم هؤلاء المجاهدين كي يتخلوا عن إسلامهم وتمدهم بما يشاؤون من الأموال.
وإنه لمما يحز في نفس المسلم أن يرى إخوانه يعيشون في شظف من العيش وكثير من المسلمين يبذلون أموالهم في كماليات لا داعي لها، وإن هذا ليعتبر نقصًا في الوعي وضعفًا في الإيمان.
ولقد أوجب الله الجهاد على المسلمين واعتبره العلماء فرض عين إذا دخل العدو دار الإسلام فالجهاد اليوم فرض عين على كل قادر، فمن لم يستطع الجهاد بنفسه فليجاهد بماله فإن هذا ينجيه من المسؤولية، ولقد ذكر الله الجهاد بالمال قرين الجهاد بالنفس كما في قوله ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات:١٥)
وقال- صلى الله عليه وسلم: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم»، فإذا لم يستطع المسلم الجهاد بالنفس سقط عنه الوجوب ولكن يبقى عليه وجوب الجهاد بالمال. وعلى هذا فإن ما يبذله المسلم للمجاهد ليس تطوعًا وإنما هو واجب شرعي فعلى المسلم أن يحتاط لدينه حتى يؤدي هذا الواجب كاملًا.
ولقد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق» وأن من ملك المال الفائض عن ضرورته ولم ينفق منه على المجاهدين في سبيل الله فإنه يخشى عليه أن يموت هذه الميتة والعياذ بالله. وقد بين النبي- صلى الله عليه وسلم- أن من أنفق على المجاهدين أو على أسرهم يعتبر غازيًا في سبيل الله حيث يقول- صلى الله عليه وسلم: «من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيًا في أهله بخير فقد غزا» فمن تكفل بنفقة أحد الغزاة في سبيل الله أو تكفل بالنفقة على أسرة أحد المجاهدين فقد برئ من المسؤولية بإذن الله.
وإنني بهذه المناسبة لأتقدم بدعوة المسلمين إلى تمويل المجاهدين والنفقة على أسرهم بما يكفل لهم أداء الواجب الإسلامي، وحيث إن النفقة على المجاهدين أو على أسرهم شهريًّا غير معلوم قدرها لدى أكثر المسلمين فإنني أدعو اللجان المختصة لجمع التبرعات للمجاهدين والهيئات الإسلامية إلى أن تتبنى هذا الموضوع الهام فتقوم بحصر التكاليف الإجمالية للمجاهد الواحد وتكاليف أسرته على وجه التقريب وأن تدعو المسلمين إلى أن يتبنى كل واحد منهم النفقة على مجاهد أو على أسرة مجاهد. وإننا إذا فرضنا أن عدد المجاهدين في العالم يصل إلى مليون مجاهد فإننا لن نعدم وجود مليونين من الملتزمين بالإسلام يقومون بأداء ما أوجبه الله عليهم نحو الجهاد في سبيل الله، وبهذا نكفل استمرار القدر الضروري لإمداد المجاهدين واستمرار الجهاد في سبيل الله، كما نضمن بحول الله براءة عدد كبير من المسلمين من المسؤولية وانخراطهم في سلك المجاهدين في سبيل الله، فإذا كان عدد المجاهدين في سبيل الله مليون مجاهد فإنهم يصبحون مع المجاهدين بأموالهم ثلاثة ملايين مجاهد.
وقد بين لنا الله تعالى أن الفلاح بالنعيم المقيم في الآخرة والسعادة الحقيقية في الدنيا مترتب على البراءة من الشح حيث يقول تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (التغابن:١٦).
وبين لنا النبي- صلى الله عليه وسلم- الأسباب الواقية من الشح بقوله: «من أدى زكاة ماله طيبة بها نفسه وقرى الضيف وأدى في النوائب فقد برئ من الشح» أما الزكاة فإن المجاهدين في أفغانستان قد توفر فيهم أربع صفات من صفات أهل الزكاة الذين ذكرهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:٦٠).
فإن هؤلاء المجاهدين فقراء ومساكين ولا أدل على ذلك من أكل بعضهم أوراق الشجر واقتصادهم الشديد في المعيشة وانتشار أمراض سوء التغذية بين أسرهم وهم مجاهدون في سبيل الله بلا شك، وإذا توفر لديهم المال فإنهم يستطيعون تألف قلوب بعض مخالفيهم ممن يقاتلونهم مع أعدائهم.
أما الأداء في النوائب فلا شك أن ما يجري في أفغانستان من أعظم الكوارث التي مرت على المسلمين في هذه السنوات.
فعلى المسلمين جميعًا أن يسارعوا إلى العمل بهذه الأسباب التي تضمن براءتهم من الشح وظفرهم بالتالي بالفلاح العظيم.
ولقد كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يجمع المسلمين عند حلول النوائب فيحثهم على الصدقة ويرغبهم في إعلانها حتى يكونوا في أقوياء الإيمان قدوة حسنة لمن هم دونهم كما حدث في غزوة تبوك حيث تصدق أبو بكر بماله كله وتصدق عمر بنصف ماله، وتصدق عثمان بألف بعير بما يتبعها فكان لماله وزن كبير في تلك النائبة، رضي الله عنهم أجمعين.
وإن إخواننا الأفغانيين لمن أشد المسلمين تعرضًا للنكبات التي استمرت عدة سنوات، وأن في إمدادهم بالمال مجالًا خصبًا لتقوية إيمانكم وتزكية نفوسكم فبادروا إلى إمدادهم بأيد سخية ونفوس أبية تأبى أن يحل الضيم بجزء من جسدها، وأن ينتهك عرضها أعداء الله وأعداء رسوله.
نسأل الله العلي القدير أن يلهمنا رشدنا وأن يجنبنا مواقع الزلل وأن يجعل عملنا خالصًا لوجهه الكريم إنه سميع مجيب.