العنوان ندوة المجتمع: الإسلاميون.. والحوار مع الغرب «وجهة نظر عربية»
الكاتب هشام العوضي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1997
مشاهدات 56
نشر في العدد 1251
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 27-مايو-1997
التفرقة بين الغرب السياسي.. الإنساني.. التقني.
د. عمارة: الإنسان الغربي قد يكون ضحية تراث ثقافي معادٍ للإسلام.. لكنه كإنسان يفتح عقله وقلبه للصورة الإسلامية إذا أحسن عرضها.
د. دسوقي: لا جدال في أن فكرًا مثل فكر الإخوان المسلمين في بلد مثل مصر هو التيار الوطني السائد.
د. أمين: الخطأ التمييز بين الشعوب لمجرد اختلاف متوسط الدخل فيها فقد يجمع هذا العامل بين شعبين بينما يكون بينهما تمايز حضاري واضح.
تتناول هذه الندوة طبيعة العلاقة بين الإسلاميين والغرب من حيث البحث عن إمكانية حوار بين الطرفين، وشروطه، وما هي النتائج المرجوة منه، وكل ما يتعلق بهذه الناحية كفهم الإسلاميين للغرب واستيعابهم لمؤسساته المدنية والسياسية، الندوة تثير كذلك مصالح الغرب في المنطقة وعلاقاته مع الأنظمة العربية الحليفة وانعكاس ذلك سلبًا أو إيجابًا على فرص الحوار بين الغرب والإسلاميين، ومن جانب آخر تتطرق الندوة للعلاقات الحميمة بين الغرب وإسرائيل، وتتساءل: هل العلاقة العدائية بين الغرب السياسي والإسلاميين كانت ستصبح مختلفة لو لم يوجد لوبي يهودي قوي في الغرب، ويقود هذا إلى موضوع آخر متصل وهو طبيعة العداء بين الغرب والإسلام، وعما إذا كانت تمثل عداءً تاريخيًا متجذرًا، أم هو عداء مصلحي أملته الظروف الراهنة وعلى الرغم من تنوع المداخلات بين الحدة واللين وبين الرفض والاستيعاب إلا أن المشاركين اتفقوا على وجوب التفريق بين مؤسسات الغرب السياسية الجائرة، والغرب الإنسان الباحث عن الحقيقة والحوار.
وقد شارك في هذه الندوة كل من: الدكتور جلال أمين، والدكتور محمد عمارة، والدكتور سيد دسوقي حسن:
وقد نفى الدكتور جلال أمين أن يكون هناك تقصير من جانب الإسلاميين في فهم الغرب، ولكنه -على حد قوله- فهم مبني على تقسيم الغرب إلى الغرب السياسي والغرب التكنولوجي الثقافي وإذا كان الإسلاميون لا يمانعون في الاستفادة من علوم الغرب في شتى المجالات، إلا أن أمين يبدي تشاؤمًا من إمكانية الحوار بين القوتين لأن القضية في نظره أعمق من مجرد تضارب المصالح السياسية والاقتصادية في المنطقة، إن من مصلحة الغرب تضخيم فكرة العدو الإسلامي، لأن ذلك يعطيه المبرر للاستمرار في تطبيق سياسته الجائرة في المنطقة، وعلى الرغم من الدور الذي يلعبه الغرب، إلا أن أمين لم يقلل من الدور الإسرائيلي السلبي والاستغلالي أيضًا في المنطقة، ويشير إلى أن القوة الإسلامية قوة احتمالية، وقد تتفجر في أي وقت إذا توفرت لها فرص النمو والتعاطف الجماهيري ولم يبد أمين تفاؤلًا من إمكانية حدوث حوار حقيقي بين الغرب والإسلاميين لشعور الغرب بالاستعلاء والسيطرة، فإذا ما حصل وفكر الغرب في إجراء حوار مع الإسلاميين فلن يعبأ كثيرًا بمشاعر حلفائه العرب في المنطقة من عواقب الحوار.
أما الدكتور عمارة فينفي عن الخطاب الإسلامي ازدواجيته في التعامل مع الغرب قائلًا بأنه على العكس خطاب يمتاز بالدقة لأنه يميز بين ما هو مقبول وما هو مرفوض من الغرب، واعتبر عمارة أن العداء الغربي للإسلام متأصل في التاريخ والإرث النصراني الذي ينظر إلى الإسلام على أنه حركة هرطقة، مشيرًا إلى استفادة الغرب من اليهود في إثارة المسلمين، وإلى أن مشروع عودة اليهود إلى القدس هو في جوهره مشروع غربي بروتستانتي قبل أن يكون يهوديًا.. وأضاف أن قوة التيار الإسلامي قد لا تكون بالدرجة المبالغ فيها من قبل بعض الإسلاميين، ولكنها مع ذلك قوة محترمة لا ينبغي الاستهانة بها لأنها تستمد شرعيتها من الجماهير المسلمة، وتساءل عمارة عن مدى إمكانية إجراء حوار مع الغرب إذا كان الغرب نفسه لا يعترف بالوجود الإسلامي؟ ومع ذلك أشار إلى أنه لو تحقق الحوار الغربي - الإسلامي فسيكون مع الغرب الثقافي والأكاديمي وليس الغرب السياسي.
ومن جانبه فرّق الدكتور سيد دسوقي بين فهم الغرب وبين التعامل معه معتبرًا المسلمين مقصرين في دعوة الغرب وسد حاجته الشديدة لقيم روحية وأخلاقية، خصوصًا أولئك المسلمين الذين يعيشون في الغرب ويثيرون مع الغرب قضايا هامشية هي من باب المتغيرات والأعراف لا من باب الأصول والقيم، واعترف دسوقي بصعوبة مواجهة الغرب عسكريًا وتكنولوجيًا، إلا أنه أكد على قدرة المسلمين على مواجهة الغرب ثقافيًا من خلال تحرير أنفسهم مما أسماه بـ«القابلية للاستعمار»، وفي الوقت نفسه طالب دسوقي الغرب بضرورة فتح قنوات مع التيارات الإسلامية المعتدلة....
وفيما يلي وقائع الندوة.....
علاقة الإسلاميين بالغرب علاقة غير واضحة، فهناك خلط بين صورة الغرب على حقيقته وبين تصور الإسلاميين لما يعتقدون أنه الغرب، وحتى الآن لم ينجح الكثير من الإسلاميين في تحديد طبيعة الغرب على اختلاف وتضارب مؤسساته فهناك من لا يزال يرى الغرب من منظور الحروب الصليبية أو الاستعمارية والإباحية ونحو ذلك، إلى أي مدى استوعب التيار الإسلامي الغرب كما هو في الحقيقة، وكيف يمكن تحسين هذا الفهم والاستيعاب في المستقبل؟
د. جلال أمين: أنا لا أشعر بالتعاطف مع الفكرة التي يوحي بها هذا السؤال من أن استيعاب الحركات الإسلامية قاصر قصورًا شديدًا، لأنني أعتقد بأن إدراك الحركة الإسلامية أو الموقف الإسلامي للغرب هو قريب جدًا من الصحة، والذي أقصده أنه يمكن تقسيم الغرب إلى معنيين كبيرين هما: المعنى الثقافي أو الحضاري والمعنى العسكري والسياسي والاقتصادي، والسؤال يوحي بأن الناس تفهمه بالمعنى الثاني أساسًا، اعتراضي على أن هناك فئة واسعة من المثقفين العرب يدركون البعد الآخر أيضًا، أي البعد الثقافي والحضاري ويدركون أن البعد الثقافي والحضاري هو الذي تنتج عنه الجوانب العسكرية والاقتصادية والسياسية، أما الجمهور الواسع فصحيح أن تعليمه ليس كبيرًا، ولكنه يدرك بالفطرة هذا الجانب الحضاري أيضًا، ويحس بأن وسائل الإعلام العربية مستغربة، وأن مظاهر الحياة والعادات اليومية متأثرة تأثرًا كبيرًا بالغرب وهذا هو بالضبط فهم الغرب بالمعنى الحضاري والثقافي، فأنا باختصار لا أستطيع أن أوافق تمامًا على القول بأن الموقف الجماهيري الإسلامي أو موقف الحركات الإسلامية من الغرب يتسم بقصور فاضح.
د سيد دسوقي: أتفق مع الدكتور جلال أمين فيما قاله حول تقسيم الغرب إلى غرب حضاري وغرب سياسي واقتصادي، وأنا أرى أن الغرب المنطلق ماديًا وعلميًا هو مثل لنا بالاحتذاء والاقتباس بشروط، وهي أن نتعلم منه لنضيف إلى أنفسنا ما يقيم حضارتنا، وهذا كلام لا خلاف عليه، وغير صحيح القول بأن الإسلاميين يقفون من الغرب موقفًا رجعيًا أو عدائيًا، على العكس فنحن لدينا طلبة مسلمون كثيرون يدرسون في الغرب وأكثرهم متفوقون والحمد لله، ولكن الغرب أيضًا يسبب لنا مشكلة أخرى وهي مشكلة الاستعمار، لأن بلادنا بالنسبة لهم تشكل دجاجة سمينة، بما تحويه من موارد وثروات، وكان على الغرب أن يأخذ منا هذه الموارد ويغرينا بعد ذلك بنماذجه في المسكن والمطعم والمشرب والإسلاميون يقفون من هذه النقطة موقفاً مغايرًا، لأننا نرى أن لنا نمطًا حياتيًا وتنمويًا مختلفًا يتناغم مع البيئة والإنسان، ومن الضروري ألا يصر الغرب على فرض نمطه التنموي فوق رؤوسنا وبطريقة سلطوية، فالازدواجية غربية وليست إسلامية فالديمقراطية لهم والديكتاتورية لنا الرخاء والطرق الواسعة عندهم، والمدن المكتظة عندنا وهذا يجعل الإنسان العربي المسلم لا يثق في التعامل مع الغرب.
د. محمد عمارة الذي أعيبه على بعض الإسلاميين، بل وبعض الوطنيين والقوميين أيضًا، هو أنهم لا يميزون في الغرب بين قطاعات وشرائح متعددة ومتمايزة فهناك الإنسان الغربي، وليس بينه وبين الإسلام أو الإسلاميين مشكلة، لأن هذا الإنسان قد يكون ضحية لتراث ثقافي معاد للإسلام يمتد من الحروب الصليبية بل ومن قبل الحروب الصليبية، لكنه كإنسان يفتح عقله وقلبه للدعوة الإسلامية والصورة الإسلامية إذا عرضت عليه عرضًا جيدًا، أيضًا هناك العلم الغربي، وكما قال الدكتور سيد دسوقي بأنه لا توجد أي مشكلة مع هذا العلم الذي ينبغي أن نسعى إليه، وليس فقط أن نقبله المشكل هو مع دوائر محددة فعلًا، وهي دوائر صنع القرار في الغرب والسياسات الغربية التي تقدم مشروعًا غربيًا للهيمنة والمركزية الحضارية الغربية، وترفض تعددية الحضارات.
على الجانب الآخر هناك خلط عند الغربيين نحو فهم حقيقة التيار الإسلامي وهناك عدة عوامل لهذا، منها -كما تقول الأمريكية شرين هنتر- ازدواجية الخطاب الإسلامي نفسه، فهو مهادن للغرب، مبرز لإنجازاته الحضارية ومنها الديمقراطية وكرامة الإنسان إذا كان الجمهور غربيًا في الكونجرس الأمريكي أو البرلمان البريطاني، وعدائي للغرب إذا كان الجمهور إسلاميًا في طهران، أو في خطبة الجمعة، وهذه الازدواجية تجعل تحديد حقيقة الموقف الإسلامي من الغرب شيئًا صعبًا بالنسبة للمفكرين الغربيين؟.
د. محمد عمارة: أنا لا أقول إن هناك ازدواجية في الخطاب الإسلامي تجاه الغرب، وإنما هناك تمييز بين ما هو مقبول من الغرب وبين ما هو مرفوض من الغرب، وحتى في طهران فطهران لا ترفض التقنية الغربية، ولا ترفض العلم الغربي، بل إن الغرب هو الذي يحاصرها ويحرمها من هذه التقنية ومن هذا العلم، وطهران عندما ثارت لم تعاد ما في الغرب من إيجابيات، بل إن النظام الدستوري والسياسي في طهران يقوم حالياً على الأسس والنظم الغربية فيما يتعلق بالتمثيل النيابي، وفيما يتعلق بالدستور، وفي المقابل فإن الغرب هو الذي يفرض قيمه بالقوة، في مؤتمرات السكان ومؤتمرات المرأة وغيرها، ومن هنا فالقضية ليست قضية ازدواجية وإنما قضية تمييز بين قطاعات مختلفة في الحضارة الغربية.
د جلال أمين: إن كلام شرين هنتر فيه تبسيط شديد للأمور ومحاولة للعثور على عذر أنا أعتقد أن الأقرب إلى الحقيقة هو أن هناك سوء فهم متعمدًا لدى الكتاب الغربيين عن الإسلام، فهم يسيئون فهم الإسلام عن عمد، لأنه كان من السهل جدًا -على فرض وجود هذه الازدواجية- أن يفهموا الخطاب الإسلامي على حقيقته، وأنه خطاب يعترف ببعض إنجازات الغرب ولكنه يعادي جوانب أخرى فيه هناك رغبة ودافع قوي جدًا لدى عناصر مهمة جدًا في الغرب - في الفكر والسياسة والاقتصاد... إلخ تتعمد إظهار الإسلام على غير حقيقته.
نريد أن نقترب من فهم طبيعة العلاقة بين الإسلاميين والغرب، فهناك نظرية إسلامية ترى بأن العداء بين الطرفين عداء متأصل في طبيعة الغرب من منطلق ديني متعصب - وما الحروب الصليبية سوى تعبير عن هذا التعصب الديني أو حتى التعصب العلماني الحالي ويرى الرأي الآخر أن الغرب لا يكره الإسلاميين بالضرورة لأنهم مسلمون ولكن لأنهم يهددون مصالحه في المنطقة وأنه في حالة غياب هذه المصالح فليس للغرب مع الوجود الإسلامي أي مشكلة بل قد يكون هناك تعاون وتفاهم بين الاثنين في حالة توافق المصالح كما حدث فترة الحرب الأفغانية بين المجاهدين وبين الولايات المتحدة الأمريكية؟
د. جلال أمين: أنا أقرب إلى الرأي الثاني من الأول، وإن كان الرأي الأول فيه جزء من الصحة، والجزء من الصحة فيه هو أن لدى الجماهير العادية في الغرب نظرة معادية تجاه المسلمين لأسباب تاريخية وبسبب تراكم الدعاية الإعلامية ضد الإسلام لفترة طويلة، وقد يكون للحرب الصليبية بعض الأثر، وإن كان ليس لها أثر كبير اليوم، إنما الرأي الآخر قريب جدًا من الحقيقة وهو أنها مسألة مصالح، ولكن العيب في هذا التفسير هو أنه يحاول أن يجمل الأمر، وكأنه من السهل جدًا على الغرب أن يعدل من موقفه وهذا غير وارد لأن المصالح التي لدى الغرب عميقة جدًا ومن الصعب تجاوزها بسهولة خصوصًا وقد أضيفت إلى هذه المصالح الاقتصادية مصالح إسرائيلية -اقتصادية وسياسية وتوسعية- وتشابك هذه المصالح بعضها ببعض يجعل من الصعب جدًا التصور بأن الغرب سيعدل من موقفه.
هناك نظرية أخرى ترى أن إسرائيل هي المسؤولة عن استعداء الغرب على الإسلام، وتصوير الإسلاميين على أنهم الخطر القادم على الحضارة الغربية وإرهاب العالم من التيار الإسلامي، وعلى العكس من ذلك فإن البعض يعتقد بأن الغرب ذاته هو المستفيد الحقيقي والمسؤول الأساسي عن هذا الاستعداء وأنه على فرض عدم وجود لوبي يهودي أو صهيوني مؤثر في السياسة الأمريكية مثلًا، لما انعكست العلاقة العدائية بين الغرب وبين التيار الإسلامي في الشرق الأوسط كما يظن بعض الناس؟
د. محمد عمارة: أنا مدرك تمامًا لدور اللوبي اليهودي، ودور الجاليات والأقليات اليهودية في تأكيد الصراع الغربي ضد الإسلام وضد الإسلاميين، لكني أعتقد أن اليهود يلعبون دورًا وظيفيًا لدى الحضارة الغربية في العداء للإسلام والإسلاميين والمشروع الإسلامي فالغرب قبل استخدام اليهود كأقليات ضد المشروع الإسلامي كان يحتقر اليهود واليهودية ويضطهدهم، واضطهاد الغرب لليهود قصة طويلة ومعروفة، لكن الغرب الآن يدلل اليهود لأنه كما قلت يستخدمهم استخدامًا وظيفيًا في العداء للعالم الإسلامي، وفي تحقيق مطامع الغرب في العالم العربي وفي العالم الإسلامي، وأنا أرى أن المشروع الصهيوني والعودة إلى فلسطين هو في الأساس مشروع غربي ومشروع بروتستانتي قبل أن يسوق في الأوساط اليهودية، والتصور الذي يتصوره البعض من أن الغرب مستعمرة صهيونية هو تصور ساذج.
د. سيد دسوقي: اتفق مع الدكتور عمارة في أن الاستعمار الغربي بذكائه الباهر وبعبقريته الضخمة ومؤسساته الرهيبة هنا وهناك هو الذي صنع قضية فلسطين، بل وحتى من ناحية حسابية وبوجود مجلس الكنائس العالمي ومؤسسات الغرب الضخمة لا يمكن أن يتمكن 20 مليون يهودي من السيطرة على الغرب من أوله إلى آخره بل العكس، إن الغرب هو الذي استغل اليهود كي يضرب عصفورين بحجر واحد، فقد ضرب اليهود بأن شغلهم وحصرهم في هذه البقعة من الأرض بعيدًا عنه، واكتفى من شرهم، وفي نفس الوقت ضرب بهم العرب والمسلمين.
د. جلال أمين: ولكن لا ينبغي في المقابل أن نقلل من شأن الدور الإسرائيلي، فأنا أعتقد أن إسرائيل هي مسؤول أساسي كذلك في استعداء الغرب على الإسلام، صحيح أنه حتى لو لم تكن إسرائيل موجودة، لكان من السهل أن يتصور المرء أن الغرب كان سيحاول أيضًا إشعال نار العداوة، لكن كان سيكون من السهل التغلب نسبيًا على ذلك وتحقيق نوع من المصالحة، والسبب في هذا باعتقادي هو أن إسرائيل هي المستفيد الأكبر من هذه العداوة.
هناك أيضًا خلط من جانب الإسلاميين في تحديد حجم قوتهم الحقيقية.. وهذا الخلط يتضح في علاقتهم مع السلطة مثلًا، إذ يعتقدون أنهم قوة كبيرة تعمل لها الدولة ألف حساب، ولكن يفاجأ التيار الإسلامي بضربة من حديد من هذه السلطة تتخذ أشكالًا مختلفة من القتل والاعتقال والنفي، فلا تحدث ثورة شعبية أو نقمة عارمة، ونفس الخلط موجود بالنسبة لعلاقة الإسلاميين مع الغرب، فبعض الإسلاميين يرى فعلًا أنه الخطر الذي ورث الخطر الشيوعي، وأن الغرب يعمل له ألف حساب، بينما يرى البعض الآخر -ومنهم مفكرون غربيون مثل فرايد هاليداي- أن التيار الإسلامي ضعيف ولا ينبغي التهويل من حجمه بعيدًا عن العواطف والشعارات.. كيف نقيم قوة التيار الإسلامي الحقيقية؟
د. سيد دسوقي: أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال تكون أكثر دقة وواقعية لو رسمنا دائرة وقسمناها كي نرى ماذا يملك التيار الإسلامي من القوة؟ وماذا تملك الدولة من القوة؟ وماذا يملك الغرب من القوة الحركة الإسلامية الآن تملك الشارع، ولكن ما هو حجم الشارع بالنسبة لميزان القوى؟ أقصد بالشارع هنا جل المثقفين، ولا جدال في أن الحركة الإسلامية قد استهوتهم، ولا جدال في أن فكرًا مثل فكر حركة الإخوان المسلمين في بلد مثل مصر، هو التيار الوطني السائد، وقد قلت هذا الكلام لأخي وصديقي الدكتور فتحي سرور رئيس مجلس الشعب في مصر، قلت له أنت تعرف حجم التيار الإسلامي، فقال لي: نعم، أنا أعرف حجمه وأعرف أن حركة الإخوان المسلمين تملك الشارع، بينما تملك الأحزاب الأخرى ومنها الحزب الوطني الحاكم قدرًا ضئيلًا مقارنة بشعبية الإخوان.
د. محمد عمارة: هذا صحيح.. فأنا أدرك أن الحركات الإسلامية ليست بالقوة التي يتصورها البعض، لكنها عندما تقاس بالحركات العلمانية والتنظيمات العلمانية فهي تأتي في المقدمة لأنها تتحرك في مناخ مؤمن ولها رصيد في الأمة وفي إيمان الجماهير، فهي الأقوى إذا ما قيست بغيرها، لكنها ليست بالقوة التي يتصورها الذين يبالغون في حجمها وفي أوزانها.
د جلال أمين: أنا فقط أريد أن أضيف شيئًا وهو أن السلطة المحلية والغرب لهما مصلحة في تضخيم القوة الإسلامية، بل أذهب إلى حد القول بأن العناصر الغربية في الخارج تدعم عناصر من التيار الإسلامي بالأسلحة والتأييد - أي حينما يجدون لهم مصلحة، إما لإيجاد تهديد للسلطة المحلية حينما يريدون الضغط عليها، وأما للترويج للفكرة التي سبق وأن أشرت إليها، وهو إيجاد العدو الخطر على الغرب، وسأضرب مثلًا بسيطًا: ففي الغزو الإسرائيلي الأخير للبنان حصلت حادثة انفجار حافلة السياح الأجانب في شارع الهرم في مصر، ونسبت إلى فصيل إسلامي ولا تزال منسوبة إليه إلى اليوم، وأنا لا يساورني الشك في أن هذه اللعبة إسرائيلية للتغطية على المجزرة التي ارتكبوها في لبنان، ومن ثم فهم أحيانًا يدعمون بعض العناصر التي تتسمى باسم الإسلام من أجل أن يروجوا لفكرة أن الإسلام هو الخطر القادم، وأعتقد أن القوة الحقيقية للتيار الإسلامي هي قوة احتمالية Potential وليست قوة واقعة، بمعنى أنها يمكن أن تصبح قوة كبيرة ولكنها ليست كذلك في الوقت الحالي، لأن مصدر قوتها الرئيسي هو تعاطف الناس حتى من غير المنتمين إلى الحركات الإسلامية، فعدد المتعاطفين مع الفكرة الإسلامية -كما أشار الدكتور دسوقي، والدكتور عمارة- أكبر بكثير مما يتصور الناس، وهذا لأسباب معروفة، لكن الحقيقة أنه حين تحزم السلطة أمرها لضرب الحركات الإسلامية هنا وهناك، فإنها تنجح لأن الحركات الإسلامية كقوة مادية لم تبلغ بعد درجة التهديد للسلطة الداخلية أو للقوى الخارجية.
ولكن إحدى العقبات الفعلية أمام حوار إسلامي - غربي مثمر هو تنافس الطرفين على المصالح المشتركة الموجودة في المنطقة، من بترول ومياه إلى آخره وكلا الطرفين ليس عنده استعداد للتنازل عن هذه المصالح والثروات، وكل يقدم أسبابه في أحقية احتكار هذه الثروات وتأتي إسرائيل في المرتبة الثانية، فالغرب يريد الحفاظ على هذا الكيان وفرض عقلية السلام على المنطقة، والإسلاميون يعيشون على أمل القضاء على هذا الكيان، في ظل هذه المتناقضات... كيف يمكن للحوار أن يتم؟
د. جلال أمين: إن الأمل في الحوار كما قلت ضعيف، وأنا متشائم من إمكانية حدوثه ولكني لم أستبعد الأمل تمامًا، وهذا يتطلب تغيرات كبيرة جدًا، فالغرب لن يتغير في المستقبل المنظور فالمصالح التي يحاول الغرب تحقيقها واضح أننا سنعيش معها مدة طويلة وطالما استمرت هذه المصالح فلن يكون هناك حوار مجد، إلا إذا ضرب الإسلاميين ضربة لا قيام لها، وفقدوا فيها قدرة التعبير عن أنفسهم وفي هذه المسألة لن يكون هناك حوار.
د. سيد دسوقي: ولكن فيما يتعلق بالشق الثاني من المداخلة عن إسرائيل أقول: نحن لا نملك الخيار بين دولة إسرائيلية ودولة فلسطينية ليس فيها إسرائيل، فهذا الخيار ليس مطروحًا من الغرب، وإنما المطروح حاليًا هو إسرائيل فقط، والمطروح أيضًا هو أن الغرب بقوته التي لا نملك مثلها يرى أنه هو الذي اكتشف هذا البترول واستخرج هذا البترول ونحن في نظره مجرد عالة، وبالتالي ليس لنا إلا فتات الفتات أنا أقول إنه على الإسلاميين أن يزيدوا قوة شعوبهم ثم يطلبوا مزيدًا، ويزيدوا قوة شعوبهم أكثر ثم يطلبوا مزيدًا وهكذا حتى يتحسن الخيار، لأن الخيار لن يتحسن بالأماني وإنما يتحسن بالعمل الدؤوب.
أثارت نظرية صموئيل هانتجتون حول «صراع الحضارات»، ضجة كبيرة لا زال صداها مدويًا إلى الآن، والقطاع الأكبر من الإسلاميين يرفض هذه النظرية ويستشهد بها نموذجًا لعقلية الغرب العدائية نحو «الآخر»، ولكن بعيدًا عن الانفعالات هناك في تراثنا الفكري والإسلامي من نادى بشكل أو بآخر بصراع الحضارات، فكتابات الأستاذ سيد قطب الأخيرة في معالم في الطريق وحديثه المتكرر عن المجتمع الإسلامي الوليد الذي سيكبر ويتسع حتى يتصارع ويقضي على الجاهليات الكبيرة جزء من هذه الإيحاءات، وهناك كتابات أخرى تستمد هذه النظرة الاستعلائية إلى الحضارات الأخرى تمامًا كما يفعل هانتجتون؟
د. محمد عمارة: أسلم بأن هناك قطاعاً من الفريق الإسلامي لم يفهم قضية التعددية فهما حقيقيًا، فالتعددية في الرؤية الإسلامية هي سنة من سنن الله التي لا تبديل لها ولا تحويل فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (هود: 118). ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (هود: 118)، أي دينًا واحدًا، وشريعة واحدة، وملة واحدة، ولكن الاختلافات في اللغات -أي في القوميات- سنة، والاختلاف في الشعوب والقبائل سنة، والاختلاف في المناهج -أي في الحضارات- سنة، والاختلاف في الشرائع -أي في الملل- سنة.
د. سيد دسوقي: حتى فكرة التعارف التي تحدث عنها القرآن الكريم بالنسبة للشعوب والقبائل لا تعني مجرد التعارف بالمعنى السطحي، أي أن أسألك عن اسمك وتسألني عن اسمي، وإنما أن يعرف بعضنا بعضًا جيدًا، وأن نبدأ في عمل جماعي وهكذا... وقد أوضحت في كتابي التجدد الحضاري، رأي الإسلام من القرآن في قضية الحضارة، وبرهنت على عنصر الإنسانية البحتة في الحضارة الإسلامية، وأن الحضارة الإسلامية لا تقوم على الفصل والعداء بين الشعوب، وفيه نظرية شاملة تختلف عن فكر الأستاذ سيد قطب.
د. محمد عمارة: أنا أؤمن أن في كتابات سيد قطب، وفي كتابات المودودي ومن جاء بعده كلامًا مغلوطًا حول قضية التعددية وتصورًا أن ظهور الإسلام على الدين كله يعني حلول الإسلام محل الديانات الأخرى، وهذا ليس صحيحًا، وأنا أرى أن ظهور الإسلام على الدين كله يعني ظهور «الحلول الإسلامية»، و«البدائل الإسلامية»، في الحضارة وفي التقدم، ولا يعني بالضرورة حلول الإسلام محل الديانات الأخرى أنا انتقدت هذا الكلام فيما كتبته عن سيد قطب في كتابي «الصحوة الإسلامية والتحدي الحضاري»، وأيضًا فيما كتبته عن المودودي والصحوة الإسلامية.. إذن هذا فهم، ولكن هذا فهم محدود لقطاع محدود هو رد فعل للهيمنة الغربية والاجتياح الغربي وللاستعلاء الغربي لأن الاستعلاء المبالغ فيه عادة يكون رد فعل لاستعلاء حقيقي يمارسه الغرب على العالم الإسلامي.
د. جلال أمين: أريد أن أركز على نظرية هانتجتون وأقول بأنه لا شك أن في الأطروحة التي طرحها هانتجتون جزء صحيح، إنما توقيت ظهورها وطريقة التعبير عنها والاستخدام الذي وظفت به والمنبر الذي نشرت فيه، كله يدل على أن الهدف الأساسي من المقال هو نفس ما أشرت إليه من قبل أي الترويج وتهيئة الناس للعداوة مع الإسلام ولكن ما هو الجزء الصحيح في القضية الجزء الصحيح هو أنه مع زوال الخطر الشيوعي ومع مرور الزمن على ما يسمى بنظرية التنمية الاقتصادية التي صورت أن هدف مجتمعات العالم الإسلامي هو اللحاق بالغرب اقتصاديًا، اتضح الآن أن الفوارق الحضارية بين الشعوب النامية وغير النامية أهم بكثير من الفوارق الاقتصادية، وأنه كان من الخطأ أن يجمع العرب مع الهند مع الصين مع إفريقيا وكأنهم يشكلون كتلًا متجانسة لمجرد أن متوسط الدخل في هذه الدول منخفض، وأن التمايز الحضاري أهم، وأن القضية بين الغرب والعالم الثالث هي قضية حضارية وليست قضية اقتصادية في الواقع وأنا أميل إلى هذا الآن ولكن الصيغة التي صاغ بها هانتجتون المقالة كانت صياغة مغرضة تحقيقًا للغرض الذي يراد من المقالة.
يعتقد بعض الغربيين أن هناك إشكالية أو مأزقًا يواجه الغرب السياسي من موضوع الحوار مع الإسلاميين، وهو أن الغرب إذا ما قرر الجلوس مع الإسلاميين للحوار فإنه من المحتمل أن يغضب السلطة الحليفة له في المنطقة وفي المقابل إذا لم يجلس مع الإسلاميين فإنه سيفوت على نفسه فرصة التعرف على أفكار وأطروحات الإسلاميين عن كثب كيف يستطيع الغرب السياسي الخروج من هذه الدوامة؟
د. جلال أمين: الغرب السياسي ليس في مأزق على الإطلاق على ضوء ما قلته، والسلطات المحلية معظمها من الضعف بحيث عندما يريد الغرب أن يتكلم مع الحركات الإسلامية المتطرفة فإنه يتكلم معهم، سواء رضيت السلطة المحلية أم رفضت، كما شهدنا في حالة عمر عبد الرحمن في أمريكا، والغرب يفعل ما يشاء، والسلطة المحلية أصبحت من الضعف بحيث لم تعد لها القدرة على فعل شيء.
د. محمد عمارة: أنا أرى أن الذي يقوم بالحوار عادة هو مراكز الفكر والبحث والمراكز الثقافية وليست الحكومات، ولذلك فأنا لا أرى حرجًا على الحكومات في الغرب إذا كانت مراكز فكر وثقافة تحاور الإسلاميين، وهي مراكز فكرية بعيدة عن الحساسية مع السلطات ومع الحكومات، ففتح قنوات للحوار بعيدًا عن حساسيات السلطات والحكومات ليس أمرًا صعبًا.