العنوان ندوة في واشنطن حول: الإسلام والغرب.. قراءة معرفية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1995
مشاهدات 59
نشر في العدد 1145
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 11-أبريل-1995
ندوات
* رالف كوري من جامعة «فيرفيلد»، الأمريكية: الخطاب الأمريكي والغربي تجاه العرب والمسلمين يتسم بالعداء.
واشنطن: المجتمع
تثير مسألة العلاقة بين الإسلام والغرب اهتمامًا واسعًا في الدوائر الغربية السياسية والأكاديمية- على السواء- منذ مطلع الثمانينيات، وذلك نظرًا للتطورات البارزة التي شهدها العالم الإسلامي فيما يتعلق بصعود حركة الإسلام السياسية، وللأهمية الاستراتيجية الكبرى لعالم الإسلام، وقد بدا واضحًا في السنوات الأخيرة أنه رغم الاحتكاك التاريخي بين الإسلام والغرب، فإن قدرًا ضئيلًا من التفاهم- بل والمعرفة الأولية- قد توافر حتى الآن لدى كل من الطرفين تجاه الآخر، أدى ذلك بالتالي إلى اتساع ملحوظ في برامج الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في الجامعات الغربية، كما أدى ذلك- ولم يزل- إلى عقد سلسلة لا تنتهي من الندوات والمؤتمرات حول الموضوع على جانبي الأطلنطي.
إن أهمية هذه الندوة تبرز في أنها الأولى التي تعقد على هذا المستوى الرفيع من البحث والعلم ومحاولة القراءة المعرفية، من خلال وجهة نظر وتوجيه إسلامي، وعلى أرض مؤسسة إسلامية، وهو ما يؤكد على المستوى الأكاديمي والثقافي، أن أصحاب الشأن الأصليين- وهم المثقفون والمفكرون في مسألة «الإسلام والغرب»- قد أصبحوا طرفًا فاعلًا في الحوار الذي كان شبه منحصر في القضايا السياسية والاقتصادية، وأصبح بإمكان المفكرين أن يساهموا- ولو بقدر- في تحديد برنامج وإشكاليات ومسائل العلاقة والحوار.
الإعداد للندوة
كان التفكير منذ بداية مرحلة الإعداد لهذه الندوة أن تكون منطلقاتها معرفية، وأن تضم أكاديميين وعلماء- مسلمين وغير مسلمين- من كافة التخصصات المتصلة بمسألة الإسلام والغرب من هذه الزاوية، وتكفي نظرة واحدة إلى المساهمين في برنامج الندوة لتتضح هذه النقطة، فقد كان هناك علماء في الدراسات الإسلامية، والعلوم السياسية، والتاريخ، والأدب، والاجتماع، ويعتبر أغلبهم- إن لم يكن جمعيهم- من المعروفين عالميًا في مجالات تخصصهم بكتاباتهم وفكرهم.
وقد كان ممكنًا بالطبع أن تنضم لهم شخصيات من دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، لو كان هناك ما يكفي من الوقت لدعم هؤلاء، وإدخال الندوة على جدول مواعيدهم، ولكن قصر فترة الإعداد للندوة لم يسمح بتحقيق مثل هذا الهدف، ورغم ذلك، فيمكن القول- من خلال الاهتمام الأمريكي الإعلامي بالندوة، إضافة إلى اهتمام هيئة الإذاعة والتليفزيون البريطانية، ومحطات الإعلام العربية- أن رسالة الندوة قد وصلت إلى كل المهتمين بالأمر، إضافة إلى ذلك فإن بعض الأساتذة والعلماء الأمريكيين الذين شاركوا في أعمال الندوة يعتبرون من القريبين جدًّا من دوائر صنع القرار في البلاد، وقد وصلتهم رسالة الندوة بأن هذه العلاقة لا يمكن تصحيح مسارها بدون جهود معرفية وأكاديمية مشتركة يعمل علماء ومفكرو الجانبين فيها كفريق عمل موحد، يقوم بحفريات معرفية في عقل كل من الجانبين وذاكرته التاريخية.
وإذا لم تتح فترة الإعداد القصيرة لمعظم المشاركين إعداد أوراق مكتوبة في صيغتها النهائية، غير أن المساهمات كانت بشهادة معظم الحاضرين على أرفع مستوى ممكن من العلم، والفكر، وثقابة النظر، والتأمل، وستجري خلال الشهرين أو الثلاثة القادمة عملية تفريغ شاملة لأعمال الندوة، وبالاتفاق والمراجعة مع المساهمين، يجري إعداد صيغة نهائية للأوراق والمناقشات، ومن ثم نشرها كاملة في كتاب.
أعمال الندوة
ضمت أعمال الندوة ثماني جلسات على مدى ثلاثة أيام، واختتمت بجلسة حرة «مائدة مستديرة» استمرت لأكثر من أربع ساعات.
شملت الجلسة الافتتاحية ثلاثة متحدثين بارزين: أ.د. جابر العلواني، متحدثًا باسم المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
و أ.د. جون فول، متحدثًا باسم الضيوف، والسيد حسن نصر باعتباره ضيفًا خاصًا للندوة من جامعة جورج واشنطن، وأشار ثلاثتهم لأهمية الندوة وأهمية الموضوع، وقدموا أبعادًا جديدة للحوار حول «الإسلام والغرب»، مؤكدين وجود أرضية قوية لهذا الحوار، كان تركيز ثلاثتهم بشكل خاص على ضرورة طرق الأبعاد المعرفية الثقافية، والدينية، والتاريخية للعلاقة بين الإسلام والغرب قبل التطرق إلى ما هو سياسي، إذ أن تلك الأبعاد هي التي رسخت- وما زالت- نظرة كل طرف إلى الآخر، وقد شهد مساء الجمعة ١٠ مارس «آذار» 1995م الجلسة الثانية للندوة، وهي التي ضمت كلا من: د. سليمان نيانغ من جامعة هاورد «الإسلام والغرب ملاحظات أولية»، و أ.د. محمي فتحي عثمان من كاليفورنيا «الإسلام والغرب نظرة متفائلة»، ود. عزيزة الهبري من جامعة ريشموند «المسلمون في ظل حضارة غربية عالمية رؤية استراتيجية»، نظر المساهمون الثلاثة في هذه الجلسة إلى بعض جوانب الخلفية التاريخية للعلاقة بين الإسلام والغرب، كما ألقى كل منهم الضوء على بعض أسباب ومعوقات قيام علاقة صحية بين الطرفين، وقد ساهمت المناقشة التي دارت بين المساهمين في هذه الجلسة والحاضرين في تحديد أدق لوجهات النظر المطروحة حول العامل الصهيوني، وجهل رجال الإعلام، والخوف من الظاهرة الإسلامية، والعلمنة، والتحديث، وقوة عنصر الإيمان في المجتمعات الغربية، ومدى إمكان تحجيم أو تجاوز كل عامل من هذه العوامل.
ابتداء من صباح اليوم الثاني للندوة «السبت ۱۱ مارس آذار» أصبحت المساهمات أكثر تحديدًا وتخصصًا، حيث عالجت الجلسات من الثالثة إلى الثامنة محاور خاصة.
ففي الجلسة التي ضمت كًلا من جون فول «ملاحظات حول النظرة الخاطئة للربط بين الغرب مع الحداثة»، ولويس كنتوري من جامعة ميرلاند «هيغل والدين والإسلام»، تركز الحديث حول إشكالية الحداثة والتحديث، وإمكانية وجود مسافات أخرى خارج التجربة العلمانية الانقسامية التي شكلت ملامح التاريخ العربي الحديث، وكانت الجلسة التالية «وهي الرابعة من أعمال الندوة» من أكثر الجلسات حرارة، فقد شارك فيها تشارلز بتروورث من جامعة ميرلاند بمساهمة «الآخر باعتباره شرًّا»، دافع فيها عن استمرار وقوة العنصر الإيماني والأخلاقي في الغرب، في حين قدم رالف كوري من جامعة فيرفيلد «الخطاب الإمبريالي الجديد في أمريكا تجاه الشرق الأوسط» رؤية مناهضة، أشار فيها إلى عمق الاتجاه الإمبريالي المعادي لكل ما هو «خارج» و «آخر» في الخطاب الغربي، وقد طرح د. أنس الشيخ علي من لندن المساهم الثالث في الجلسة «الإسلام في الرواية الأمريكية والبريطانية الشعبية» أدلة إضافية من الأدب الشعبي البريطاني- الأمريكي لمقولة رالف كوري، لم يشمل النقاش الساخن الذي أعقب هذه الجلسة حوارًا بين المساهمين والقاعة فحسب، بل حوارًا بين المساهمين أنفسهم كذلك.
ركزت مساهمات الجلسة الخامسة التي قدمها كل من د. علي المزروعي من جامعة نيويورك «الإسلام في عالم غربي أكثر محافظة»، وأنتوني سوليفان من جامعة ميتشمان «الحوار والخطأ: نحو إعادة تشكيل التخاطب الإسلامي المسيحي»، وإحسان باقبي من جامعة شو «المسلمون في سياق أمريكي، على جوانب مباشرة للعلاقة بين الإسلام والغرب في اللحظة الحضارية»، وقد كشفت مساهمات هذه الجلسة ملامح هامة لتعقيد الخارطة الفكرية الغربية- المسيحية، والأبعاد المختلفة للجالية الإسلامية في الغرب، وأهمية ملاحظة المتغيرات في الفكر والسياسة في الغرب خاصة على مستوى صعود الاتجاهات المحافظة، والتمييز فيما بينها مع إشارات إلى دور الجاليات، وواجباتها نحو تغيير التصورات الغربية نحو الإسلام.
أما الجلسة السادسة، التي اختتمت بها أعمال اليوم الثاني للندوة، فقد طرحت وجهات نظر إسلامية ثلاث للغرب والفكر الغربي، قدَّم عبد الوهاب المسيري من مصر، وبارفيز منصور من استوكهولم، ود. منى أبو الفضل من واشنطن ثلاث مقارنات بالغة العمق على المستوى الفلسفي والفكري والمعرفي لحقبة عصر الأنوار الغربية للعلمانية الغربية لموقع الإيماني والمقدس العلوي في رؤية الغرب للإنسان والعالم، ولأهمية وعي المسلمين بكل هذا في رؤيتهم لمجتمعاتهم المعاصرة ولمستقبلهم ولعلاقاتهم مع الغرب.
بدأت أعمال اليوم الثالث للندوة بجلسة ضمت موضوعات ثلاثة: معضلة التحديث في العالم الإسلامي وجهة نظر صانع القرار العربي «غراهام فوللر»، المثقفون المسلمون في تركيا «شريف ماردين» من جامعة أمريكا، والبعد غير العنفي للإسلام السياسي في شمال أفريقيا «جون أنتلس» من جامعة فوردام، ونظرًا لأن موضوعات هذه الجلسة طرحت خصوصیات جغرافية معاصرة، فقد أثارت هي أيضًا حيوية بالغة في النقاش بين المساهمين والقاعة.
لقد ركز فوللو- على سبيل المثال- على ما يراه صانع القرار الغربي من عداء الإسلام السياسي للغرب، من احتمالات تهديد المصالح الغربية، ومن عدم قابلية الحركة الإسلامية للتنبؤ والتحليل في سلوكها السياسي، وفتح شريف ماردين الباب على مصراعيه لإعادة تعريف ما هو علماني، وما هو إسلامي في تاريخ العالم الإسلامي الحديث، مركزًا تحليله بشكل خاص على مثقفي الدولة العثمانية في مراحلها الأخيرة وبداية الدولة التركية.
أما جون أنتلس، فقد أكد ضرورة إعادة النظر في الأزمة المتواصلة في شمال إفريقيا من حديث القيام بقراءة أكثر دقة لبرنامج الحركات الإسلامية.
ورغم كون الجلسة الثامنة من آخر جلسات العمل، فإنها لم تخل من حيوية خاصة، كان البعد الخاص لهذه الجلسة هو التاريخ الفلسفي للعلاقة بين الإسلام والغرب «مهدي أمين رضوي» من كلية ميري واشنطن، والتاريخ العسكري لهذه العلاقة «شهاب الصراف»، وفي الحالتين شهدت الندوة ومشاركوها آراء بالغة العمق والجرأة، فقد أكد رضوي أن التأثير بين الفلسفة الإسلامية والأوروبية والعصور الوسطى كان طبيعيًّا، لأن كليهما حمل قدرًا كبيرًا- رغم اختلاف الخصوصيات- من الإيمان واحترام المقدس، في حين يصعب الحوار والتأثير حاليًا؛ لأن طريق العلمنة الغربي قد قطع أشواطًا واسعة، في حين لم يقدم الفكر الإسلامي بعد الإجابات الضرورية لأسئلة الحداثة والتحديث، وفي المقابل شكك شهاب الصراب في أسس أنموذج التحليل السائد الذي عزى التراجع والتدهور الإسلامي في المرحلة ما قبل القرن التاسع عشر إلى العامل العسكري.
وأخيرًا، شهد بعد ظهر الأحد حتى مطلع المساء جلسة المائدة المستديرة التي طرحت داخلها مسائل عديدة أخرى للنقاش، كما أعيد النظر في بعض القضايا الهامة التي أثيرت خلال الندوة، وقد طرحت كل من «مهجة قحف» مساهمتين قصيرتين وهامتين حول رؤية الأدب الغربي لمسألة المرأة في الشرق الأوسط، ورؤية منهج تاريخ العالم الإسلامي في المدارس الأمريكية، واختتمت هذه الجلسة الحرة والهامة بمساهمة طويلة وشاملة للدكتور طه جابر العلواني، تناولت إشكاليات عدة في الفكر الإسلامي المعاصر، كما في رؤيتنا الفقهية للعالم، مؤكدًا ضرورة إعادة بناء هذه الرؤية على أساس من مقاربة جديدة للقرآن.
نتائج الندوة
لعل من الممكن القول بدون أي درجة من المبالغة، أن ردود الفعل الإسلامية وغير الإسلامية «الأمريكية» لمن ساهم أو شارك في هذه الندوة كانت جميعها إيجابية، وقد وضعت الندوة- بقوة- المسلمين والمعهد العالمي للفكر الإسلامي في قلب دائرة الحوار الدائر والمستمر حول الإسلام والغرب.
كانت هذه الندوة بمعنى من المعاني مغلقة، أي أن المشاركين في أعمالها قدموا بدعوات خاصة، وذلك للحفاظ على مستوى عال من الحوار، ورغم ذلك فقد كان متوسط الحاضرين أكثر من مائة مشارك عبر الجلسات المختلفة، ووصل في بعضها إلى أكثر من مائة وعشرين مشاركًا.
كان التوجه العام في الندوة أن يستمر المعهد في برنامج ندوات سنوية حول الموضوع، وقد استقرت المشاورات في النهاية أن تعقد ندوة العام القادم تحت عنوان «الإسلام والغرب البعد الديني»، كما يجري العمل الآن لعقد ندوتين حول «الإسلام والغرب» في كل من فرنسا وبريطانيا خلال الشهور القليلة القادمة- بإذن الله- لتعميق هذا التصور.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل