العنوان (في العصر الحديث) نساء مجاهدات: زينب جبارة.. داعية من طراز فريد
الكاتب مريم السيد هنداوي
تاريخ النشر السبت 03-نوفمبر-2007
مشاهدات 46
نشر في العدد 1775
نشر في الصفحة 41
السبت 03-نوفمبر-2007
داعية إسلامية - مصر
سخرت حياتها للعمل الخيري فكانت تتحسس الأسر الفقيرة فتفرج كربهم وتسد دينهم.
في عام ١٩٣٧م أنشأت جماعة السيدات المسلمات التي زاد عدد شعبها عن ٦٠ شعبة على مستوى مصر.
نشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة وإنقاذ المرأة من أخطار المدنية الزائفة.. من أهم أهداف الجماعة.
في عام ١٩٤٥م أنشأت معهدًا دينيًا للفتيات الفقيرات واليتيمات حتى لا يقعن فريسة سهلة للمدارس التنصيرية.
كثيرون من الناس يولدون ويعيشون ويأكلون ويشربون وينامون ثم يموتون.. لا يكاد يشعر بهم ولا يحزن لفراقهم أحد، وهؤلاء حياتهم كمماتهم سواء، وقليلون هم الذين يحيون حتى إذا فنيت أجسادهم تظل ذكراهم وأعمالهم في العقول والقلوب يتناقلها الناس جيلًا بعد جيل بكل إعزاز وحب.
ومن هؤلاء.. السيدة زينب جبارة والتي لا يعلم عنها إلا من لمس أثرها في المجتمع المصري؛ فقد حملت همَ الإسلام وتربية النشء على عاتقها.
نشأت السيدة زينب نشأة إسلامية، وشربت من معين رباني ظهر أثره عليها في فترة شبابها في مواجهة موجة الانحلال والفساد؛ حيث كانت ترى أن الشريعة الإسلامية هي معين الخير والحق والجمال.
جعلت زينب جبارة الطهر لها مئزرًا، والإيمان خلقًا، وطاعة الله خير وسام، فسخرت حياتها للعمل الخيري، فكانت تتحسس الأسر الفقيرة فتفرج كربهم، وتسدد دينهم، وترفع عن كواهل الكثير مشاق الحياة ومتاعب العيش.
ولم يقتصر دورها على ذلك فحسب، بل قدمت المعونة للطلبة الغرباء سواء كانوا من المصريين أو القادمين من بلاد الشرق، كما أنها أعدت لبعضهم مساكن خاصة من حسابها الخاص -خاصة طلبة فلسطين - كما أعانت بعض السيدات على أداء فريضة الحج، ودفعت لهن تكاليف الرحلة كاملة، ولم تقف عند هذا الحد، بل أعانت بعض الفتيات على الزواج فدفعت لهن ما يهيئ لهن جهازًا كريمًا.
العمل الجماعي:
رسمت زينب جبارة أهدافًا تسير عليها لتأصيل المبادئ والمفاهيم الإسلامية في المحيطين بها، لكنها شعرت بالفتور من العمل الفردي، فتحدثت مع عدد من النساء الفضليات أمثال حرم اللواء علي باشا إسلام، وحرم أحمد بك الطويل وغيرهن، وكان ما يميز هذه المجموعة أنهن من الطبقة الأرستقراطية والتي لم تلههن مشاغل الدنيا وتصرفهن عن تعاليم دينهن.
ففي عام ١٣٥٦هـ الموافق ١٩٣٧م كونت هذه المجموعة «جماعة السيدات المسلمات» في ٥٢ شارع وهبي باشا -بالقاهرة وهذه «الجماعة» ليست «جمعية السيدات المسلمات» التي أسستها السيدة زينب الغزالي -يرحمها الله- وتعرضت في بداية ظهورها لبعض المحن، لقد ظلت الجماعة خمس سنوات تتأرجح فيها بين الحياة والموت، يدب فيها هرم الفناء حتى قيض الله لها السيدة زينب جبارة بعد أن أجريت الانتخابات بين عضوات الجماعة، وتم اختيارها رئيسة للجماعة، و«هيام علي» سكرتيرة لها، فما هي إلا سنوات حتى أصبحت هذه الجماعة مضرب المثل في الجهاد والعمل المثمر، فقد أخذت على عاتقها الارتقاء بالجماعة، وحددت الأهداف والوسائل التي تنهض بها، فبعد أن كان عدد المشتركات فيها ما يقرب من خمسين سيدة، وصل العدد في القاهرة فقط ما يربو على الألفين عام ١٩٤٤م، هذا غير الأقاليم.
وكانت الجماعة مسجلة بوزارة الشؤون تحت رقم ٢ جمعيات خيرية، وقد هدفت السيدة زينب جبارة من وراء هذه الجماعة عدة أهداف، منها:
١ـ الدعوة إلى توحيد الله توحيدًا نقيًا.
٢ـ الجهاد في سبيل نشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة وإنقاذ المرأة من مخاطر المدنية الزائفة.
٣ـ معاونة الأسر البائسة التي لا تقوى على العمل وإنقاذها من ذل السؤال.
٤ـ التوسط في المصالحات بين العائلات والأسر بالطرق الودية.
٥ـ محاربة الخلاعة وعدم الحشمة في القول والعمل والملبس.
وحاولت الجماعة أن تظهر قيمة المرأة الطيبة التي تحافظ على طاعة ربها على غير الصورة التي يحاول الغرب وأذنابه من العلمانيين إظهارها به من رجعية وجمود.
جهودها العملية: لم تقتصر السيدة زينب جبارة على العمل الدعوي بالقول فحسب، بل أخذت على عاتقها إنشاء المؤسسات التي تخدم دعوتها وطريق الإصلاح الذي انتهجته فنراها:
١ـ في عام ١٩٤٥ م قامت بإنشاء معهد ديني للفتيات اليتيمات حتى تخرج جيلًا صالحًا من النساء يعرف حق الله والزوج والوطن، وكانت تهدف من هذا المعهد إلى احتواء الفتيات الفقيرات واليتيمات حتى لا يقعن فريسة سهلة للمدارس التبشيرية، والتي كانت البعثات والإرساليات التبشيرية تقوم بها، حيث تقدم هذه المدارس المال والعلاج للفقيرات لكي يكنَّ لقمة سائغة لتنصيرهن.
ولقد كان لجهود زينب جبارة أثر محمود، خاصة وأنها تصادفت مع ما كان الإخوان المسلمون يقومون به في القطر المصري من فضح نشاط هذه الإرساليات والمعاهد والمستشفيات التبشيرية، وتوحدت جهودهما ضد هذا الغزو الفكري الشديد، وخرجت هذه الإرساليات خالية الوفاض.
وافتتحت السيدة زينب جبارة المعهد عام ١٩٤٥م بعد أن استأجرت مبانيه ودفعت الإيجار من مالها الخاص، وبدأت الدراسة فيه بـ ۲۰ فتاة، إلى أن زاد عددهن على ۱۲۰ فتاة، ولم تكتف بتعليمهن فحسب، بل اهتمت بكل جوانبهن الخاصة من ملبس ومطعم ومسكن ورعاية صحية.
وأمام هذا المجهود العظيم قامت وزارة المعارف بإرسال بعض المدرسات للعمل في المعهد، كما أشرف على المعهد بعض الأطباء أمثال الدكتور محمد عبد الحي.
ونود أن نذكر أن فكرة المعهد لم تلق أي ترحاب من أعضاء مجلس الإدارة خشية الفشل، غير أن عزيمة السيدة زينب جبارة وهمتها العالية وإيمانها بالفكرة استطاع الصمود والنجاح أمام هذه الاعتراضات؛ حيث اشترطن عليها ألا ينفق على المعهد من مال الجماعة فوافقت.
٢ـ في عام ١٩٤٦م أنشأت مشغلًا للحياكة والتطريز، لتعليم الفتيات صنعة كريمة يستطعن بها العيش في الحياة، وإيجاد مصدر مالي للجماعة لتكمل مسيرتها، وبعد فترة وجيزة أصبح هذا المشغل مضرب الأمثال، حيث لم يقتصر على الفتيات اليتيمات، بل أقبلت عليه كريمات العائلات، وذوات الترف ليتعاملن معه وترك الحياكة عند الأجنبيات.
٣ـ مصنع السجاد: حيث قامت بإنشائه عام ١٩٤٩م هذا خلاف المطابخ والأفنية، وكان مقر المعهد ٢٥ شارع وهبي باشا، ومقر المشغل والمصنع ۱۰ شارع وهبي بحي السيدة.
استمرت الجماعة تحت قيادة السيدة زينب جبارة تقوم بالعمل لتحقيق أهدافها، وتقديم الخدمات لأبناء وطنها، ففي أثناء حرب فلسطين عام ١٩٤٨م ساهمت الجماعة بالتبرع للمجاهدين، كما أنها آوت كثيرًا من اللاجئات العربيات، وقامت بإطعام الفقراء.
ومع هذه الجهود قامت السيدة زينب بإعداد الواعظات لتعظ المسلمين والمسلمات في الموالد والمآتم والمناسبات.
جهودها الإدارية:
بعد إجراء الانتخابات وتوليها منصب رئيسة الجماعة قامت بتنظيم العمل الإداري؛ حيث أصبح للجماعة ستون شعبة في مصر، وقامت بتفعيل اللجنة المالية وهي التي رأستها، يعاونها بعض السيدات أمثال درية الشريف وعائشة حليم، كما أنشأت لجنة المشتريات، ولجنة الاحتفالات، ولجنة الإشراف على المعهد والمشغل ومصنع السجاد، ولجنة الإشراف على الوعظ والإرشاد، ولجنة الدعاية، ولجنة المشروعات والاقتراحات.
وباستقرار الهيكل الإداري استطاعت الجماعة أن تنهض وتقوم بأعمالها مثل: المعارض والأسواق الخيرية، والتي تعرض فيها ما يقوم المصنع والمشغل بعمله.
وكتبت صحيفة المصور عن نشاط الجماعة فقالت: «أقامت جماعة السيدات المسلمات معرضها السنوي فعرضت فيه تحفًا فنية بديعة من مختلف أنواع الأشغال اليدوية، وقد أشرفت على المعرض والبيع السيدة زينب هانم جبارة رئيسة الجماعة، وحرم أحمد بك الطويل، وعائشة هانم حليم، وكان هذا المعرض بمناسبة مرور ثلاثة عشر عامًا على نشأة الجماعة».
وقد ألقت كلمة في حفل افتتاح فرع الجماعة بالمحلة الكبرى في ۲۸ مارس ١٩٤٦م - حيث احتشد عدد كبير من السيدات يقرب من ألف سيدة -قائلة: «سيداتي.. يعلم الله أننا جميعًا نعمل بدافع من وجداننا وضمائرنا لنصرة الأمة المسلمة وإعزازها وإعلاء كلمتها.
سيداتي.. إن الجماعة تسير بحمد الله قدمًا نحو غايتها النبيلة، فقد زادت عضواتها على الألفين، واقتربت شعبها من نيف وخمسين شعبة، كما أسست الجماعة في مركزها الرئيس معهدًا كاملًا مجهزًا لتعليم الفتيات اليتيمات الثقافة الدينية والعامة، وبه الآن خمس وثلاثون تلميذة ما بين داخلية وخارجية...».
ولقد أنشد أحد مدرسي مدارس البنات الابتدائية قصيدة يذكر فيها الخصال الطيبة للسيدة الفاضلة، ومما جاء في هذه القصيدة:
ليت أمي الآن في هذا المكان *** كي تحيي زينب الإصلاح عني
إنها أولى بتكريم الحنان *** تقرأ الإخلاص آيًا وتهني
أنت يا زينب كنز ليس يفنى *** كلما أعطى من الإصلاح زادٍ
زادك الرحمن في الإصلاح معنى *** من معاني الخلد يرجى للعبادٍ
وعندما وقعت جريمة اغتيال الإمام الشهيد حسن البنا فجعت السيدة كما فجعت الأمة الإسلامية وقالت: «كان شخصية جبارة قوية، وليس أدل على قوة شخصيته الجبارة من أن أمريكا وإنجلترا وفرنسا كانت جميعها تنظر إلى الرجل بعين الحذر، وتراقب حركته من بعيد ومن قريب وأيديها على قلوبها، فلقد كانت تعلم وتؤمن بأن حركة الإخوان المسلمين خطر على الاستعمار أينما حل في رقعة إسلامية أو بين شعب مسلم..».
المراجع:
١ـ قانون جماعة السيدات المسلمات، بقلم هيام علي سكرتيرة الجماعة، مكتبة الأنصار، ص «٢٨: ٣».
٢ـ جمعة أمين عبد العزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، الكتاب الثالث، دار التوزيع والنشر الإسلامية، ٢٠٠٣م.
٣ـ مجلة المصور: بتاريخ ٢٩ رجب ١٣٦٨هـ 27/ 5/ 1949م.
٤ـ جريدة الأهرام: عام ١٩٤٨م.
٥ـ موقع إخوان أون لاين ٢٨/ ٨/ ٢٠٠٨م.