; نساء مجاهدات في العصر الحديث | مجلة المجتمع

العنوان نساء مجاهدات في العصر الحديث

الكاتب مريم السيد هنداوي

تاريخ النشر السبت 07-نوفمبر-2009

مشاهدات 58

نشر في العدد 1876

نشر في الصفحة 42

السبت 07-نوفمبر-2009

في عهد عبد الناصر.. عائلات خلف القضبان

الحقبة الناصرية شهدت امتلاء السجون بأفراد عائلات كاملة قبعت خلف القضبان لأيام وشهور وسنين

 عائلات «البرديني» و «إسماعيل» و«القرش» تم اعتقالها برجالها ونسائها ومنهم من مات في السجن من شدة التعذيب

السجن الحربي وصمة عار في جبين مصر لما انتهك فيه من حرمات تحت مزاعم الحفاظ على السلطة والسلطان

لم يحدث في العصر الحديث أن امتلأت السجون بعائلات بأكملها وعلى رأسها نساؤها، إلا في عهد الحقبة الناصرية، مما كان له أثره على هؤلاء النساء في حياتهن وتربية أبنائهن، ولابد لنا من وقفة مع بعض هذه العائلات لمعرفة الأسباب التي جعلتها تقبع وراء القضبان أيامًا وشهورًا وسنين.

العائلة الأولى عائلة عبد الحميد البرديني: الشهيد عبد الحميد البرديني يعد الشخصية الثانية في تنظيم الدقهلية بعد الأستاذ محمد أحمد العدوي. 

وكان أحد الإخوان الربانيين والحركيين والذين أدوا للدعوة كثيرًا، وضحى من أجل دينه كثيرا وليس هو فقط، بل كانت عائلته كلها الأخ والأبناء رجالًا ونساء وكانت منهن نادية «أم عزة». 

نشأت «نادية» في بيت أبيها عبد الحميد البرديني بميت أبو خالد محافظة الدقهلية والتحقت بالدعوة وأهلها، واعتقل والدها بعد حادث «المنشية» عام ١٩٥٤م، وحكم عليه بعشر سنوات، وتولى رعايتها عمها الحاج سيد البرديني (1).

زواجها

فقدت الحاجة نادية والدها الحنون والمربي الجليل الذي كان سندًا لها ولإخوتها في التربية الحسنة، غير أن عمها قام بما كان والدها يقوم به، حتى طرق الزوج بابها.

زوجها هو الأستاذ عوض عبد العال عوض، أحد إخوان المنصورة، اعتقل عام ١٩٥٤م وظل في المعتقل حتى أوائل عام ١٩٥٧م، بعد خروجه أخذ يبحث عن زوجة، فعلم بابنة الأستاذ عبد الحميد فتزوجها. 

كان الأستاذ عوض عبد العال أحد مؤسسي تنظيم ١٩٦٥ عام ١٩٥٨م. غير أنه سافر للجزائر عام ١٩٦٤م، وترك التنظيم في الدقهلية للأستاذ صبري عرفة.

يقول علي عشماوي: «وتم اختيار الأخ أحمد عبد المجيد مسؤولًا عن «قبلي»، وأنا مسؤول عن القاهرة والشيخ عبد الفتاح إسماعيل عن «شرق الدلتا»، والأخ عوض عبد العال عن «غرب الدلتا»، وتأجل تحديد مسؤول عن الإسكندرية حتى يتم الاتفاق مع إخوان الإسكندرية، وبقينا على هذه الحالة عدة أشهر».

ثم يضيف وفي هذا الاجتماع نفسه علمنا أن اثنين من الإخوة في القيادة سوف يرحلان ليعملا في الجزائر، هما الأخ «محمد فتحي رفاعي»، والأخ «عوض عبد العال»، وبناء على ذلك، تم انتداب الأخ «صبري عرفة الكومي» ليحل محل عوض عبد العال، وتم ضم الأخ مجدي عبد العزيز متولي مندوبًا عن الإسكندرية «وكان مقيمًا في القاهرة ولكنه أصلًا من الإسكندرية وعلى صلة بالإخوان هناك» (2).

ويقول الأستاذ أحمد عبد المجيد: عوض عبد العال المدرس وهو من الإخوة الذين عرفتهم بعد ذلك، ويمتاز بطيب القلب وحسن الخلق والإخلاص في العمل وحب الآخرين - نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا (3).

محنة عائلة

ما كاد رب الأسرة يخرج من المعتقل عام ١٩٦٤م حتى كانت تنتظره مفاجأة أخرى واعتقال من نوع آخر، ليس اعتقاله فقط، بل اعتقال عائلته كلها، فبعد القبض على الإخوان في قضية تنظيم ١٩٦٥: حيث اعترف علي عشماوي على أكثر الإخوان يقول علي عشماوي وتحمل عبد الحميد البرديني التبعة، وقال: إنه المسؤول عن هذا الأمر بالنسبة للدقهلية كلها.

وبهذا تمت حماية محافظة الدقهلية وإنقاذ قادتها من الأحكام، وكانت تلك هي الخطة المتفق عليها لخوض التحقيقات، وهذا ما حدث تمامًا مع الأخ كمال السنانيري».

قبض على عبد الحميد البرديني، كما قبض على أخيه سيد البرديني - الذي كان عائلًا للأسرة - كما قبض على زوج نادية البرديني عوض عبد العال في الجزائر وجيء به مكبلًا بالحديد في طائرة خاصة وليس ذلك فحسب، بل قبضوا على أخيها الأستاذ كمال عبد الحميد البرديني، وظل في السجن حتى عام ١٩٧١م.

مات والدها الأستاذ عبد الحميد في السجن من كثرة التعذيب، حيث فاضت روحه بعد نقله للقصر العيني مباشرة، فخرجت البلدة على بكرة أبيها تشيعه مما أدى لاعتقال أخيها الأستاذ كمال، واعتقال كثير من شباب القرية.

لم يتوقف الاعتقال عند هؤلاء، بل طال الاعتقال زوج عمتها الحاج محمد عبد الحي العوضي - وهو من إخوان مدينة ميت غمر لم تتوقف مأساة هذه العائلة عند هذا الحد، بل حكم على زوجها بالسجن لمدة ١٥ عامًا في القضية الثانية (4). 

بالرغم من كل هذه الأهوال التي أحاطت بهذه العائلة وبهذه الأخت خاصة إلا أنها كانت صابرة راضية كل الرضا، وظلت صابرة محتسبة حتى خرج أهلها جميعًا بعد تسع سنوات.

العائلة الثانية

عائلة المهندس فايز إسماعيل:

التحق فايز محمد إسماعيل يوسف بكلية الهندسة، فكانت سعادة أسرته به كبيرة حيث كان أول شاب يتخرج من الجامعة من هذا البيت فقد كانت أسرته متوسطة الحال وأثناء دراسته الجامعية تعرف على الإخوان المسلمين، حيث كان رفيق الشهيد فاروق المنشاوي، اتصف فايز بحدة الذكاء، كما كان شابًا رياضيًا متعدد المواهب، وكان يقطن مع عائلته في ٤ شارع الزهور بجزيرة بدران بشبرا، وقد ولد في عام ١٩٤٤م.

في طور المحنة

كان من الصدف العجيبة أن فايز إسماعيل كان يقطن مع عائلته في عمارة تسكنها عائلات مسيحية، فكان لافتًا للنظر إذا صعد شخص مسلم العمارة يكون بالتأكيد ذاهبًا لفايز إسماعيل، وهذا ما فطنت له المباحث الجنائية بعد الكشف عن التنظيم والاعتراف على فايز إسماعيل، فقد وضعت كمينًا عند المكوجي الموجود بمدخل العمارة، وكل مسلم يدخل من باب العمارة كان يعتقل. 

كما وضعوا كمينًا أعلى سطح العمارة، وآخر داخل شقة فايز للقبض عليه، غير أنهم لم يستطيعوا فعل ذلك مما دفعهم لاعتقال والده لإجبار فايز على تسليم نفسه، لكنه لم يفعل، فاعتقلوا والدته، غير أن فايز لم يعلم بذلك، فدفع ذلك المباحث لاعتقال باقي أفراد العائلة.

سيق أمه وأبوه وباقي عائلته إلى «لاظوغلي»؛ حيث مورس ضدهم التعذيب فكانت الأم صابرة، غير أن عينيها دامعة وقلبها يبكي بلا صوت، تنظر إلى الأفواج من الشباب التي زج بها في بطون السجون دون ذنب يذكر، وظلت العائلة في «لاظوغلي» حتى قبض على فايز، وخرجت العائلة وهي تحتسب نجلها في عداد الشهداء.

حكم على فايز مع عدد من إخوانه بالأشغال الشاقة لمدة ٢٥ عامًا؛ حيث حكمت على ٢٥ - منهم ثلاثة هاربون - صدرت الأحكام عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة طبقًا لأدوارهم الفرعية في قيادة التنظيم التي تلي دور مجلس القيادة وهم: عبد المجيد الشاذلي، ومبارك عبد العظيم، وفاروق المنشاوي وفايز إسماعيل، وممدوح الديري، ومحمد أحمد عبد الرحمن، ومحمد عبد المعطي إبراهيم ومحمد المأمون زكريا، وأحمد عبد الحليم السروجي، والسيد سعد الدين شريف، وإمام عبد اللطيف غيث، وكمال عبد العزيز سلام، وفؤاد حسن علي، ومحمد أحمد البحيري، وحمدي حسن صالح، ومصطفى الخضيري والسيد نزيلي عويضة، ومرسي مصطفى مرسي وحلمي صادق حتحوت وعبد المنعم عرفات، ومحمد عبد الفتاح شريف، والسيدة زينب الغزالي الجبيلي والهاربون محيي الدين هلالي وعشماوي سليمان، ومصطفى العالم (5).

العائلة الثالثة

عائلة يوسف القرش: يوسف القرش اسم لا يجهله أحد لأنه كانت بداية الخيط في فك شفرة تنظيم ١٩٦٥، فقد ولد في قرية سنفا بميت غمر التابعة لمحافظة الدقهلية لم يكمل تعليمه ومن ثم اتجه إلى التجارة ووفقه الله للزواج من سيدة طيبة كانت له عونًا على الطريق.

كان أحد الذين انضموا للإخوان منذ فترة مبكرة، غير أن اسمه وعائلته برز في أحداث ١٩٦٥؛ حيث كان بداية الخيط الذي جاء بالباقين.

يقول أحمد عبد المجيد: «اكتشف «تنظيم ١٩٦٥» عن طريق القدر، فقد كان ضمن المقبوض عليهم في قضية حسين توفيق شخص يدعى سامي عبد القادر، ويعرف الأخ يوسف القرش من الإخوان، وأثناء تعذيبه اعترف على يوسف القرش، وعند ذهابهم للقبض على يوسف القرش في قريته سنفا بمحافظة الدقهلية لم يجدوه، وقيل لهم: إنه عند صديقه بالقاهرة حبيب عثمان وتم القبض على حبيب عثمان ويوسف القرش في القاهرة (6).

وتحت التعذيب الشديد لحبيب عثمان ولمدة ١٥ يومًا، اعترف على أعضاء أسرته، واختفى النقيب ولم يتم القبض عليه، وانقطع الخيط، وكان هذا النقيب هو الأخ مصطفى الخضيري يرحمه الله.

عذب يوسف القرش عذابًا شديدًا وعندما أبى أن يعترف جاؤوا بزوجته وألهبوا جسدها بالسياط والكرابيج حتى اعترف.

يقول المهندس محمد الصروي: «وفي هذه الليلة السوداء، كان يوسف القرش معلقًا والسياط تلوشه من كل جانب يسألونه عن الإخوان المسلمين والتمويل والتنظيم، وجاؤوا بسالم شاهين، ومن اليمن طيروا عبد اللطيف شاهين، ودارت رحى العذاب هائلة قاسية مروعة، وكان ذلك في قصر عابدين، حيث مبنى المباحث الجنائية العسكرية، وأشرف يوسف القرش على الموت من الضرب بالسياط.

وقد قدر لي أن أراه بعد ذلك بشهور فكأنه قد ضرب منذ ساعة فقط، كانت جروحه رطبة طازجة مازالت على حالها الأول، وفي الحقيقة، بدأت مأساة الإخوان بضرب يوسف القرش في قصر عابدين حيث كان يقيم الخديوي إسماعيل، وعندما يجتاز المضروب حاجز الألم فهو يقول ما يفهم وما لا يفهم كانوا يسألونه عن الإخوان وصلته بهم، ومن يعرفه منهم، والرجل لا يعرف كيف يجيب ولا يدرك الطريقة التي يخرج بها سالمًا من هذا الجحيم، وأثناء الضرب ذكر اسمًا كان الخيط لكل شيء.. حبيب عثمان صاحب ورشة ميكانيكية بالقاهرة.. وما كان يوسف القرش يعلم شيئًا عن حبيب عثمان ووضعه في التنظيم الجديد، وما كان يعرف أن هناك تنظيمًا جديدًا، ولكنها الأقدار تجري على الناس ما تشاء (7).

ظلت الزوجة في المعتقل فترة ثم أفرج عنها، وقد ظل زوجها داخل السجن حتى زال حكم عبد الناصر وبدأ الإخوان يخرجون.

 لقد كان السجن الحربي وصمة عار في جبين مصر، لما انتهك فيه من حرمات تحت مزاعم الحفاظ على السلطة والسلطان حتى جاء اليوم الذي هدمه السادات ليزيح هذا الكابوس الجائم وتاريخه المشين.

الهوامش

  1.  محمد الصروي، الإخوان المسلمون ومحنة ١٩٦٥م، الزلزال والصحوة، دار التوزيع والنشر الإسلامية، ٢٠٠٤م، ص ٣٧٨.
  2. مذكرات علي عشماوي، دار ابن خلدون ٢٠٠٦م.
  3. أحمد عبد المجيد الإخوان وعبد الناصر القصة الكاملة لتنظيم ١٩٦٥م، كتاب المختار الطبعة الثالثة ١٤٢٧هـ، ٢٠٠٦م.
  4. محمد الصروي، الإخوان المسلمون ومحنة ١٩٦٥م، مرجع سابق.
  5. أحمد عبد المجيد الإخوان وعبد الناصر القصة الكاملة لتنظيم ١٩٦٥م، مرجع سابق.
  6. المرجع السابق.
  7. أحمد رائف البوابة السوداء، الزهراء للإعلام العربي.

صحابيات جليلات

أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومية، كانت رمزًا للتضحية والفداء، ومثلا في الإخلاص والوفاء.

 تزوجت من ثلاثة رجال نالوا جميعًا شرف الشهادة. 

تزوجت في صباها من ابن عمها عکرمة بن أبي جهل، وفي فتح مكة تصدى عکرمة السرية من جيش المسلمين، ولما شعر باقتراب الهزيمة فر هاربا وأهدر الرسول دمه. 

سعت أم حكيم إلى النبي ﷺ تطلب منه العفو عن زوجها، وكانت قد دخلت الإسلام في فتح مكة.

 بحثت عن زوجها في كل طريق، وعلمت أنه مضى إلى اليمن. 

مضت في أثر زوجها، حتى لحقت به هناك، ولما أدركته قالت له مبشرة: جئتك من عند أوصل الناس وأكرمهم وقد أمنك، أي أعطاك عهدًا بالأمان... عاد الزوجان ومضى عكرمة إلى رسول الله ﷺ الذي رأى نور الإسلام في وجهه فقام إليه وعانقه وقال: مرحبا بالراكب المهاجر. 

استشهد عكرمة في سبيل الله، وأتمت أم حكيم عدتها، فتقدم إليها خاطبا بطل آخر من أبطال الإسلام وأحد السابقين إلى دين الله، هو خالد بن سعيد بن العاص.

وما إن عقد عليها حتى نادى منادي الجهاد.. أعد البطل وليمة لأصحابه وما إن فرغوا منها حتى أقبل الأعداء فخرج إليهم، وقاتل قتال الفرسان حتى استشهد في سبيل الله. 

كانت أم حكيم تسقي الجنود، وتداوي الجراح، فلما رأت ما وقع لزوجها نزعت عمود خيمتها، وانطلقت تقاتل به قتال الأبطال وقتلت من جنود الروم سبعة رجال، وأدخلت بشجاعتها الرعب في قلوب الأعداء، ورفعت معنويات فرسان الإسلام، حتى أحرزوا النصر المبين أعجب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بشجاعتها وإخلاصها ووفائها، فتزوجها وعاشت معه مدة قصيرة انتقل بعدها إلى جوار ربه، بعد أن طعنه أبو لؤلؤة المجوسي بخنجر مسموم، وهو قائم يصلي في المحراب إمامًا للمسلمين في صلاة الفجر.

 

الرابط المختصر :