; نساء وأطفال العراق.. مشاهد جديدة من المحنة! | مجلة المجتمع

العنوان نساء وأطفال العراق.. مشاهد جديدة من المحنة!

الكاتب إسراء علي

تاريخ النشر السبت 03-نوفمبر-2007

مشاهدات 39

نشر في العدد 1775

نشر في الصفحة 16

السبت 03-نوفمبر-2007

(*) كاتبة عراقية

أكثر من ١٠٠ أرملة و٤٠٠ يتيم ينضمون يوميًا إلى مجتمع العنف الدائر في بغداد!

عدد الأطفال الأيتام ما بين ٤ إلى ٥ ملايين.

إجهاض ٦٥٪ من الحوامل بسبب نقص الرعاية.

ربع الشعب العراقي نازح في بلده نتيجة التهجير الداخلي!

٢٠٠٪ زيادة في معدلات الطلاق و٥٠٪ انخفاض في نسبة الزواج بين العراقيين بعد الحرب.

ليس الدمار ولا الخراب ولا الحرب الأهلية هي فقط ما خلفه الاحتلال الأمريكي للعراق وما نتج عنه من تصفيات طائفية على أساس المذهب وأعمال عنف، فهناك كوارث اجتماعية وأخطار أكبر أصابت كيان الأسرة والمجتمع العراقي نفسه، بفعل تداعيات الاحتلال والقتل والتدمير المستمر.

 فالتدمير لم يصب فقط المنازل أو المنشآت أو الجامعات والمدارس، ولكنه طال «الإنسان» العراقي من الداخل فحوله إلى «أطلال» بشرية يعاني من أمراض نفسية وعصبية، وأكثر من عانى هن النساء نتيجة قتل أزواجهن أو أبنائهن أو أسرهن. بخلاف اغتصاب المحتلين لبعضهن، بالإضافة إلى تدني ظروف الرعاية الصحية لهن وانتشار أطفال الشوارع من اليتامى الذين توفيت أسرهم أو ضاعوا في أتون الحرب القاسية.

الأرامل والأيتام.. هم عنوان هذه الكارثة الاجتماعية التي ترتبت على الحرب. والتي بدأت تتكشف يوميًا بعد يوم من وسط الدمار والخراب والدخان الأسود الكثيف.. فضلًا عن تفكك الأسرة العراقية وازدياد حالات الطلاق، وانتشار جرائم الفساد الإداري، والاعتداء على الملكية العامة. وارتفاع جرائم السرقة عمومًا في ظل غياب الأمن للمواطن العراقي.

وعلى الرغم من عدم توافر أرقام أو إحصاءات دقيقة لضحايا هذه الحرب من الزاوية الاجتماعية، فقد رصد باحثون عراقيون ما يمكن اعتباره «أجراس خطر» عن تداعيات خطيرة وظواهر اجتماعية صارخة في بنية المجتمع العراقي حالية ومستقبلية، على خلفية الوضع المأساوي والخراب والدمار الذي يعيشه العراق وما يزال منذ احتلاله وحتى الآن.

آخر هذه الدراسات ما أعده الباحث الاجتماعي د. عدنان ياسين مصطفى أستاذ الدراسات الاجتماعية في جامعة بغداد، والتي كشف فيها أرقامًا مخيفة عن تدهور الوضع الاجتماعي في العراق، حيث أكد من خلال دراسة أعدها أن هناك أكثر من ١٠٠ أرملة و٤٠٠ يتيم يضافون يوميًا إلى المجتمع في بغداد بسبب العنف الدائر هناك والذي لا تظهر له نهاية.

فحالة العراق في ظل الاحتلال ليست سوى مسلسل من عمليات القتل العشوائي التي تحصد العشرات كل يوم، وفقدان الشعور بالأمن وتفكك الأسرة العراقية، وازدياد حالات الطلاق، بالإضافة إلى انتشار جرائم الفساد الإداري، والاعتداء على الملكية العامة، وارتفاع جرائم السرقة.

ويدلل الباحث على سوء الأوضاع الاجتماعية في العراق بتقارير وإحصائيات تصدرها الأمم المتحدة، وتشير إلى أن ۱۰۰ امرأة تصبح أرملة في بغداد يوميًا نتيجة للعنف الدائر، وإن ٤٠٠ يتيم يضافون يوميًا في بغداد وحدها، وهو ما يعني من وجهة نظر الباحث العراقي أن أسرة جديدة تبنى على أنقاض أربع عوائل.

وأشار إلى أن المجتمع العراقي قد أصيب بالانهيار بعد الضربات المتتالية التي تلقاها في حربين إبان الثمانينيات والتسعينيات، أعقبهما حصار اقتصادي استمر عشر سنوات ثم غزو دمر البنية التحتية وهياكل الدولة الأساسية عام ٢٠٠٣م.

ويضيف د. عدنان ياسين مصطفى في دراسته: «إنه بسبب التهميش وسوء المعاملة التي يلقونها من قوات الاحتلال وقوات الأمن، يسود التوتر بين المواطنين أنفسهم، ويشعر الجميع بفقدان معايير العدل، لا سيما بعد إذكاء روح التعصب الطائفي والقبلي على حساب الهوية الوطنية، بحيث لا تؤدي الخطط الأمنية المتواصلة بكل ما فيها من أسلحة وقوات إلى إعادة الأمن المفقود.

ويقول: إن الأمر وصل - في حالة أعداد الأرامل اللاتي زدن بصورة كبيرة ولم يعلن عنهن - درجة أن وزارة الشؤون الاجتماعية عجزت عن تسجيل العدد الكامل للأرامل حتى الآن، فالرقم الحالي هو ٥٦٠ ألف أرملة فقط، في حين أن مكتب المنسق الإنساني للأمم المتحدة في العراق سجل عدد النساء اللاتي ترملن بسبب الحرب وأصبح أطفالهن مشردين في بعض محافظات الجنوب فقط ١٠٠ ألف امرأة، ويقول خبراء اجتماع: إن الرقم الحقيقي أكثر من ذلك بكثير!!

أما عن حالات الزواج والطلاق، فيشير تقرير المنظمة الدولية وإحصاءات وزارة العدل العراقية، إلى إن معدلات الطلاق ارتفعت من عام ٢٠٠٣م إلى عام ٢٠٠٦م بنسبة ۲۰۰٪، في حين تراجعت نسبة الزواج للفترة نفسها إلى ٥٠٪».

الأرامل.. مأساة حقيقية:

ويقول خبراء عراقيون في شؤون الأسرة: إن أرقام الأيتام في العراق التي بلغت الملايين وضعته في المراتب الأولى عالميًا. وأن تلك مصيبة تتفاقم يومًا بعد آخر يرافقها بخط مواز مصيبة أخرى اسمها «الأرامل» وهن النساء اللاتي فقدن أزواجهن فأعدادهن في تزايد أيضًا.

ويقولون إن ما يجري في العراق لا تظهر نتائجه الاجتماعية سريعًا، لكن تداعياته مستقبلًا تضع المجتمع العراقي أمام تحديات لا حصر لها، في مقدمتها أنه سيجد نفسه أمام انهيار غير مسبوق في المنظومة القيمية والأخلاقية وهو الذي عرف عنه أنه أكثر المجتمعات العربية والشرقية التزامًا ومحافظة.

وقد سألت «المجتمع» د. إزهار الشيخلي الوزيرة السابقة لشؤون المرأة في العراق عن عدد الأرامل في العراق وعن الرعاية التي يمكن أن تقدمها الحكومة العراقية لشريحة الأرامل في العراق، فأكدت الوزيرة السابقة استحالة تقديم رقم تقريبي لعدد الأرامل في العراق، ولكنها أكدت محدودية قدرة الحكومة العراقية على استيعاب هذه الشريحة بسبب التزايد في عدد الأرامل نتيجة الوضع الأمني المتأزم في العراق.

معاناة المرأة الحامل:

وكمثال آخر على معاناة المرأة، ترصد مراكز اجتماعية مآسٍ عن المشكلات التي تواجه المرأة الحامل التي لا تحظى بنصيبها من الرعاية اللازمة مما يتسبب في فقدان كثير من النساء الحوامل لحملهن، فضلًا عن تأثير العنف المتزايد والصدمات التي تتعرض لها أثناء فترة الحمل على فقدها للحمل.

وفي هذا السياق تقول كلارا جلال - مديرة مكتب اليونيسيف في بغداد: إن الولادة حالة طارئة يمكن أن تحصل في أي وقت، ولكن ظروف العنف، وحظر التجول، وغلق الشوارع تمنع تقديم المساعدة في الليل للحامل، علاوة على قلة الممرضات المتخصصات في هذا المجال، مؤكدة أنه «كان لدينا سابقًا عشر ممرضات يمكن أن يوفرن خدمات منزلية لحالات الولادة في بغداد، لكن حاليًا لدينا واحدة فقط وتفكر في إنهاء عملها بسبب العنف».

وتذكر منظمة اليونيسيف أن عدد وفيات الأمهات أثناء الولادة في العراق تتصاعد بشكل كبير، حيث كان عدد الوفيات ۱۱۷ لكل ١۰۰ ألف عام ۱۹۸۹م وازداد هذا الرقم حاليًا بنسبة ٦٥٪.

أيضًا تشير البيانات التي جمعت من قبل «منظمة حماية الطفل» أن معدل وفيات الأطفال دون الخامسة في العراق بلغ ٥٠ طفلًا لكل ألف ولادة حية عام ۱۹۸۹م، ثم تصاعد هذا المعدل إلى ١٢٥ طفلًا عام ٢٠٠٥م، وتؤكد أن سرعة زيادة المعدل هنا هي الأعلى في العالم. أما في السنتين الأخيرتين فالعدد في تزايد أكبر.

وحسب اليونيسيف ولد أكثر من مليون طفل في العراق خلال الـ ۱۲ عشر شهرًا الماضية، منهم ٤٠٠ ألف في المخيمات - ضمن العائلات المشردة - يعيشون في ظروف صحية وغذائية بائسة، وأن المعاناة لا تتوقف عند موت الأمهات أثناء الولادة أو نتيجة العنف الدائر في العراق، ولكنها تستمر حينما يفقد الطفل أباه أيضًا فيكون يتيم الأبوين أو فاقدًا أحدهما.

٥ ملايين طفل يتيم:

وقد كشفت إحصائيات نشرت في دراسة متخصصة لمنظمة اليونيسيف التابعة للأمم المتحدة في بغداد عن أن عدد الأطفال الأيتام في العراق يقدر ما بين ٤ - ٥ ملايين طفل وأنهم في تزايد نتيجة الإعمال المسلحة والوضع الأمني غير المستقر.

وقالت الدراسة أيضًا: إن عددًا قليلًا جدًا من الأيتام يحظون بخدمات من الدولة في دور أعدت لهم، لكن الكثيرين منهم لا تتوافر لهم مثل هذه الفرص مما يعني أن مصيرهم سيكون مجهولًا، فيما أكدت الدراسة أيضًا أن أرقام الأيتام تضاعفت في العراق بعد الاحتلال على نحو خيالي، وبعد أن كانت أعداد الأيتام في حقبة التسعينيات تشير إلى مليون ومائة ألف يتيم تجاوزت اليوم الـ ٥ ملايين، والرقم في تزايد مستمر!

وتحاول الكثير من المنظمات الإنسانية الدولية والإسلامية والعربية تقديم المساعدات لهؤلاء الأيتام محاولة إيجاد الكفلاء لهم، ولكن الميزانيات التي خصصت لهذا الغرض لا تكفي العدد المتزايد من الأطفال الأيتام الذين يزيدون كل يوم، كما أن مبلغ الكفالة لأغلب تلك المؤسسات لا يتجاوز العشرين دولارًا شهريًا، وهذا ليس لكل طفل يتيم، حيث تكفل أغلب تلك المؤسسات طفلًا يتيمًا واحدًا من كل عائلة، والعائلة فيها أكثر من طفل يتيم.

وقد تأسست في بغداد أكثر من منظمة تعنى بأمور الأرامل والأيتام كـ «رابطة الأم العراقية» و«الرابطة الإسلامية لنساء العراق»، و«هيئة الأنصار لرعاية الأيتام والتكافل الاجتماعي» و«منظمة الحياة للإغاثة الإنسانية فرع كندا»، و«فرع الولايات المتحدة الأمريكية»، و«الإغاثة الإنسانية» و«منظمة الإغاثة الإسلامية العالمية»، والكثير من المنظمات الإنسانية والخيرية الأخرى.

ما يزيد هذه المشكلات الاجتماعية سوءًا هو التضخم المتزايد في الاقتصاد العراقي الذي يوجد بدوره ضغوطًا مستمرة ومتزايدة على الأسرة هناك، ما يزيد من أعداد الفقراء ويزيد من الحرمان، ومن ثم زيادة أعداد أطفال الشوارع.

سياسة تهجير:

وهناك مشكلات اجتماعية أخرى تظهر نتيجة الهجرات والتنقلات للأسر العراقية نتيجة الحرب أو سياسيات التهجير الطائفية التي تتبعها بعض الميليشيات، أبرزها مشكلة الأشخاص المشردين داخل وطنهم الذين يعيشون في المباني المهجورة، إذ انتشرت ظاهرة النزوح من العاصمة بغداد والمدن الأخرى، ويقدر عدد المشردين بأكثر من ربع سكان العراق موزعين بين داخل العراق وخارجه.

ليست أهوال الحرب وما أعقبها من عنف طائفي في العراق قاصرة على الخسائر المادية فقط، ولكنها تعدت ذلك لخسائر اجتماعية باهظة يصعب تعويضها أو تلافي نتائجها التدميرية على الأسر والمجتمع العراقي في سنوات قليلة، ولا يدفع ثمن هذا سوى المواطن العراقي البسيط والنساء والأطفال، أما المجرمون الحقيقيون فلا أحد يطاردهم!

أمريكا تحاول تقليل انتحار جنودها بتشريع جديد!

وافق الكونجرس الأمريكي بالإجماع على مشروع قانون يهدف إلى خفض معدلات الانتحار بين الجنود الذين أنهوا خدمتهم العسكرية في فيتنام، وتوفير الخدمات العلاجية للجنود المصابين بأمراض نفسية وعقلية جرّاء استمرارهم بالخدمة في احتلال العراق وأفغانستان.

وقال عضو الكونجرس الديمقراطي «بوب فلنر» الذي يرأس لجنة شؤون المحاربين القدامى: «الوقاية من الانتحار أصبح للأسف مسؤوليتنا تجاه الجنود المستمرين بالخدمة والمتقاعدين منهم على حد سواء، فالأرقام التي تكشفها الإحصاءات فظيعة؛ لأن عدد المنتحرين من المحاربين السابقين في حرب فيتنام هو نفس عدد الجنود الأمريكيين الذين قتلوا بساحة المعركة في ذلك البلد، أي أكثر من ٥٨ ألفًا».

وأشار «فلنر» إلى أن المراقب العام للجنة المحاربين القدامى أكد، في تقرير رفعه إلى لجنة الصحة العقلية في مايو الماضي، أن ألف جندي أمريكي ممن يتلقون الرعاية النفسية والعقلية ينتحرون سنويًا، وأن خمسة آلاف جندي آخرين ينتحرون سنويًا من بين المحاربين القدامى الباقين على قيد الحياة الذين لا يخضعون للرعاية النفسية.

ويقضي مشروع القانون الذي اقترحه العضو الديمقراطي «ليونارد بوزويل» بتقديم دورات تدريبية لأعضاء لجنة شؤون المحاربين القدامي، ومراجعة معدلات الانتحار بين المحاربين الخاضعين لبرامج العلاج النفسي، وتحويل الأشخاص الذين قد يقدمون على الانتحار إلى العلاج الاستشاري، وتعيين طبيب استشاري لوقف الانتحار في كل مركز تأهيل للمحاربين القدامي.

جدير بالذكر أن عددًا كبيرًا من جنود الاحتلال الأمريكي في العراق يعانون أمراضًا نفسية عديدة، نتيجة المقاومة المكثفة التي يلاقونها والخسائر البشرية والمادية المتزايدة.

الرابط المختصر :